حِفْظُ القُرآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا، وهو أَفْضَلُ من سائِرِ الذِّكْرِ، ومِنْ التَّوراةِ والإِنجيلِ، وَبَعْضُهُ أَفْضَلُ من بَعْضٍ.
ويَجِبُ مِنْهُ الواجبُ في الصَّلاةِ. وَيَبْدَأ الصَّبيَّ وليُّهُ بِهِ قَبْلَ العِلْمِ، فَيَقْرَأُهُ كُلَّهُ إلَّا أنْ يَشُقَّ، والمُكَلَّفُ يُقَدِّمُ العِلْمَ بَعْدَ حِفْظِ القِراءَةِ الواجِبَةِ مُطْلَقًا.
[ ١١٨ ]
وَيُسَنُّ ختْمُهُ في كُلِّ أُسْبُوع، وَيَحْسُنُ في ثَلاثٍ، ولا بَأْسَ بِهِ فِيما دُونَها أحيانًا، وفي رمضان ونحوِه، ومكةَ ونحوِها.
ويُكْرَهُ تأخيرُهُ فَوْقَ أَربعين بلا عُذْرٍ.
ويَحْرُمُ إن خَافَ نِسْيَانَهُ، فنسيانُهُ، وكذا نسيانُ شيءٍ منه كَبيرةٌ كما صَرَّحَ بِهِ النَّووي في "الرَّوْضَةَ" وغيرها، لحديث أبي داود وغيره: "عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ من سُورَةٍ أَوْ آيَةٍ أُوْتيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيها" (١) وحديثه أيضًا: "مَنْ قَرَأَ القُرانَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللهَ يوم القِيَامَةِ أَجْذَمَ" (٢). وقال الإِمامُ أَحمد: ما أشَدَّ ما جاءَ فِيمَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ نَسِيَ.
ويُسَنُّ السِّواكُ والتَّعَوُّذُ قَبْلَ القِراءَةِ، وحَمْدُ الله عِنْدَ قَطْعِها على تَوْفِيقِهِ ونِعْمَتِهِ، وسؤالُ الثَّباتِ والإِخْلاص.
فإن قَطَعَها قَطْعَ تَرْكٍ وإهْمَالٍ أعادَ التَّعَوُّذَ، وإن قَطَعَهَا لِعُذْرٍ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦)، والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٦٤) من حديث أنس بن مالك، وإسناده ضعيف؛ قال الترمذي بعده: "هذا حديث غريب" ثُمَّ قال: "وذاكرت به مُحَمَّد بن إسماعيل - يعني البخاري - فلم يَعْرِفْهُ واسْتَغْرَبَهُ"؛ وذلك لأن فيه المطلب بن حنطَب لم يسمع من أنس بن مالك؛ كما أن فيه تدليس ابن جريج ولم يصرح بالتحديث.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٧٤)، والدارمي (٢/ ٤٣٧) من حديث سعد بن عبادة، وإسناده ضعيف؛ فيه يزيد بن أبي زياد لا يحتج بحديثه.
[ ١١٩ ]
عَازِمًا على العَوْدِ كتناوُلِ شيءٍ، وإجَابَةِ سَائِلٍ، وَلَم يَطُلْ كَفَاهُ التَّعُّوذ الأَول.
وَيَخْتِمُ في الشِّتَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، والصيف عَكْسهُ، وَيَجْمَعُ أهلَهُ وَوَلَدَه عِنْدَ خَتْمِهِ وَيَدْعُو، وَيُكَبِّرُ فَقط لِخَتْمِهِ آخِرَ كُلِّ سُورَةٍ من آخِر (الضُّحَى). وَيُسَنُّ تَحسينُ القِراءَةِ وتَرتيلُها، ولا يجوزُ الإِخلالُ بإعرابِهَا، ويُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ عَمْدًا لتغييرِهِ القُرآنَ. وَالتَّفَهُمُ فيهِ وتَدَبُّرُهُ بالقَلبِ أفضَلُ من إدراجهِ كثيرًا من غَيْرِ تَفَهُّمٍ، ويُمَكِّنُ حُروفَ المَدِّ واللِّين من غير تَكَلُّفٍ.
وقِرَاءَةُ الكَلِمَةِ الوَاحِدَةِ بِقِراءَةٍ مُتواتِرةٍ لقارئٍ والأُخرى بِقِراءَة متواتِرةٍ لآخَرَ جَائِزَةٌ، مَا لم يَكُنْ في ذلك إحالةٌ لمعنى القُرْآنِ.
ولا بَأْسَ بالقِراءَةِ قائمًا ومُضْطَجِعًا، وفي الطَّريقِ، ومع نَجَاسَةِ ثَوْبٍ وَبَدَنٍ وَفَمٍ، ومع مَسِّ زَوْجَةٍ وسُرِّيَّةٍ وَذَكَرٍ.
وتُكْرَهُ في المَواضِعِ القَذِرَةِ، واسْتِدامَتُها حالَ خُروجِ الرِّيحِ، وَجَهْرُهُ بها مع الجنازَةِ.
وتُسَنُّ في المُصْحَفِ، والاسْتِماعُ لها، ويُكْرَهُ الحديثُ عَنْدَها بما لا فَائِدة فيه، وقراءةُ الأَلْحانِ؛ فإن حَصَلَ تَغْييرٌ كَجَعْلِ الحَركَات حُروفًا حَرُمَ.
وكُرِهَ رَفْعُ الصَّوْتِ بقراءةٍ تُغَلِّطُ المُصَلِّينَ.
[ ١٢٠ ]
فَاِئدَةٌ: يَجُوزُ تفسيرُ القُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ، ويَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلى تَفسيرِ الصَّحابِي لا التَّابِعي، و"مَنْ قَالَ في القُرْآنِ بِرَأَيِهِ، أَوْ بِمَا لا يَعْلَمُ فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ" (١)، وأَخْطأَ وَلَوْ أَصَابَ.
ولا يجوزُ أن يَجْعَلَ القُرْآنَ بَدَلًا من الكَلامِ، مِثْلَ أن يَرى رَجُلًا جاء في وَقْتِهِ فيقول: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٠]، ولا النَّظَرُ في كُتُبِ أَهْلِ الكِتَابِ، وأَهْلِ البِدَعِ، والكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ على الحَقِّ والبَاطِل ولا رِوايتُها.