والجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ، يُسَنُّ أن يقرَأَ جَهْرًا في الأُولى بـ "الجُمُعَةِ"، والثانية بـ "المُنَافِقِين"، أو بـ "سبح" ثُمَّ "الغاشيَةِ" بعد "الفَاتِحَةِ"، وفي فجرِها في الأولى ﴿الم (١)﴾ "السجدة" وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾، ويكْرَهُ المداومةُ عليهما. وفي عشاء لَيْلَتِها بسورة "الجمعة"، "والمنافقين".
ويَحْرُمُ إقامَةُ الجُمُعَةِ والعيدِ والإذْنُ فيهما في أكْثَرَ من مَوْضِعٍ من البَلدِ إلَّا لِحَاجةٍ، كَضِيْقٍ، وبُعْدٍ، وخوفِ فتْنَةٍ ونحوهَا، فإن كُرِّرَتْ بلا حاجةٍ فالصَّحِيحَةُ ما باشرَها أَو أَذِنَ فيها الإمام، فإن اسْتَوَتا في إِذْنٍ أو عَدَمِهِ فالسابقَةُ بالإحرامِ.
وإن وقَعتا معًا بَطلَتا، وصلَّوْا جُمُعَةً إن أمكنَ وإلَّا ظُهْرًا.
وإن جُهِلَ كيف وَقَعتا صَلَّوا ظُهْرًا وَلَوْ أَمْكَنَ جُمُعَةٌ.
وإذا وَقَعَ العيدُ يَوْمَهَا سَقَطَتْ عَمَّنْ حضرَهُ مع الإمامِ سُقوطَ حضورٍ لا وُجوبٍ كمريضٍ ونحوِه، إلَّا الإمامَ فإذا اجتَمَعَ معهُ العَدَدُ
[ ١٥٦ ]
المُعْتبَرُ أقامَهَا، وإلَّا صلوا ظُهْرًا. وكذا يسقُطُ العيدُ بها، لكن يُعْتَبرُ العَزْمُ عليها.
وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَها ركعتانِ، وأكثرُها سِتٌّ.
ويُسَنُّ قِراءَةُ سُورَةِ "الكهف" في يَوْمِهَا ولَيْلَتِها، وكثرةُ الدُّعاءِ (١)، وبعدها، وأفضلُهُ بَعْدَ العصرِ، والصَّلاةُ على النبي ﷺ بِتَأُكُّدٍ، والغُسْلُ لها فيه، وأفضَلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ، وتنظُّفٌ بِقَصِّ شاربِهِ وتقليمِ أَظْفارِهِ، وَقَطْعِ الروائح الكَرِيهَةِ بالسِّواكِ وغيرِهِ، وتَطَيُّبٌ، ولُبْسُ أَحْسَنِ ثيابِهِ وهو البَيَاضُ، وتبكيرُ غيرِ الإمامِ إليها مَاشيًا بَعْدَ الفَجْرِ.
وَيَجِبُ السَّعْيُ بالنداءِ الثَّانِي بين يَدَي الخَطِيب إلَّا من بَعُدَ مَنْزِلُهُ ففي وقتٍ يُدْرِكُهَا فيه على أَحْسَنِ هَيْئَةٍ بسكينَةٍ ووقارٍ مع خُشُوع، ويدنُو مِن الإمامِ وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، وَيَشْتَغِلُ بالصَّلاةِ والذكْرِ، وأفضلُهُ قراءةُ القرآنِ إلى خُروج الإمام، فإذا خَرَجَ حَرُمَ ابتداءُ غيرِ تحيّةٍ ويُخَفِّفُ من ابتدأها قَبْلَهُ، ولو نَوى أربعًا صلَّى ثِنتيْنِ.
وَكُرِهَ لِغَيْرِ الإمام تَخطي الرِّقَابِ إلَّا إن رَأَى فُرجَةً لا يَصِلُ إليها إلَّا بِهِ، وإيثَارُهُ بمكانٍ أفْضَلَ لا قَبُولُهُ، وليس لغيره سَبْقُه إليه.
والعَائِدُ من قِيَامِهِ لِعارِض أَحَقُّ بِمَكانِهِ، وَحَرُمَ أن يُقِيمَ غيرَهُ ولو عبدَهُ أو ولدَهُ إلَّا الصَّغِيرَ، وإلَّا من جَلَسَ بِمَوْضِعٍ يحفَظُهُ لِغَيره بِإْذْنِهِ
_________________
(١) من قوله "وأكثرها" إلى "الدعاء" لا وجود له في نسخة (ب).
[ ١٥٧ ]
أوْ لا، وَرَفْعُ مَصلَّىً مفروشٍ ما لم تَحْضُرِ الصَّلاةُ، وكلامٌ والإمامُ يَخْطُبُ، وهو قَرِيبٌ منه بحَيثُ يَسْمَعُهُ إلَّا لَهُ أو لِمَن كَلَّمَهُ لِمَصْلَحَةٍ.
وَيَجِبُ لِتَحْذِيرِ ضرِيرٍ، وغَافِلٍ عن هَلَكَةٍ وبِئْرٍ ونحوه، ويُبَاحُ حال سُكُوتِهِ بينَهُمَا، وشُرُوعه في دعاءٍ.
وله الصَّلاةُ على النبي ﷺ إذا سَمِعَها، وتُسَنُّ سِرًّا كَدُعاءٍ وتأمِينٍ عليه، وحمدُهُ خُفْيَةً إذا عَطَسَ، وردُّ سَلامٍ، وتشميتُ عاطِسٍ، وإشارةُ أَخْرَسَ إذا فُهِمَتْ كَكَلامٍ.
وَمَنْ دَخَلَ والإمامُ يَخْطُبُ لم يَجْلِس حَتَّى يُصلّي التَّحِيَّة رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْن.
ويُكْرَهُ التَّصدُّقُ على سَائلٍ وَقْتَ الخُطْبَةِ، لأَنَّهُ فعلَ ما لا يجوزُ، فلا يُعينُه. قال الإمام أحمد ﵁: وإن حَصَبَ (١) السائِلَ أي: زَجَرَهُ كان أَعجَبَ إليَّ، ولا يُناوِله، فإن سَأَلَ قبلَها ثُمَّ جَلَسَ لها، جَازَ، وَلَهُ الصَّدَقَةُ على من لَمْ يَسْأَلْ، والصَّدَقَةُ على بابِ المَسْجِدِ عِنْدَ دُخولِهِ، أو خُرُوجِهِ أَوْلَى.
وَيُكْرَهُ العَبَثُ حَالَ الخُطْبَةِ، وكذا الشُّرْبُ ما لم يَشْتَدَّ عَطشُه، وَمَنْ نَعَسَ سُنَّ انتِقالُهُ من مكانِهِ إن لم يتَخَطَّ.
_________________
(١) الحصب: هو الرَّميُ بالحصباء، وهي الحصى.
[ ١٥٨ ]
تَتِمَّةٌ: ويَحْرُمُ ولا يَصِحُّ البَيْعُ ولا الشِّرى مِمَّن تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ بَعْدَ نِدَائِها الذي عِنْدَ المِنْبَرِ أو قبلَهُ لِمَنْ منزلُهُ بعيدٌ بحيثُ إِنَّهُ يدرِكُها إلَّا لِحَاجَةٍ كَمُضْطَرٍّ إلى طَعَامٍ أو شَراب يُبَاعُ، وكَعريَانٍ وجدَ سُتْرةً، وكفنِ مَيِّتٍ ومُوْنَةِ تجهيزِهِ إن خيفَ عليه الفَسَادُ بتأخيرٍ، ووجودِ أبيه ونحوِهِ يُباعُ مع من لو تَرَكَهُ لذهب، وَمَرْكُوبٍ لِعاجِزٍ أوْ ضريرٍ عُدِمَ قائدًا ونحوِهِ، والحُكْمُ كَذَلِكَ في كل مكتوبةٍ تضايقَ وَقْتُها.
وتَصِحُّ بَقِيَّةُ العُقُودِ وإمضاءُ بيعِ خيارٍ وإقالةٌ، وتحرُمُ مناداةٌ ومساومةٌ ونحوهما مما يُشْغِلُ كالبيع، ويُكْرَهُ شُرْبُ الماءِ حِينَئِذٍ بِثَمَنٍ.
* * *
[ ١٥٩ ]