باب اجتناب النجاسة
الطهارة في بدن المصلي وثوبه شرط للصلاة، في قول أكثر أهل العلم. وروي عن ابن عباس: "ليس على ثوبٍ جنابة"، ونحوه عن أبي مجلز والنخعي. وسئل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى فيه قال: "اقرأ عليَّ الآية التي فيها غسل الثياب". ولنا: حديث القبرين، وحديث أسماء: "سئل عن ثوب الحائض إذا طهرت تصلي فيه؟ قال: تنظر، فإن رأت فيه دمًا فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تره". ١ رواه أبو داود. فإن حمل صبيًا، لم تبطل لحمله أمامة، لأن ما فيه من النجاسة، كالذي في جوف المصلي.
وإنْ طيّن الأرض النجسة، أو بسط عليها شيئًا طاهرًا، صحت صلاته مع الكراهة، وهو قول مالك والشافعي. ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر وسائر الطاهرات، في قول عوام أهل العلم. وعن جابر: "أنه كره الصلاة على كل شيء من الحيوان، واستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض"، ونحوه عن مالك، إلا أنه قال في بساط الصوف: إذا كان سجوده على الأرض لم أر بالقيام عليه بأسًا. ومتى وجد عليه نجاسة لا يعلم هل كانت في الصلاة أم لا، صحت. وإن علم أنها كانت فيها، لكن جهلها أو نسيها، ففيه روايتان: إحداهما: "لا تفسد صلاته"، وهو قول ابن عمر وعطاء وابن المسيب وابن المنذر. والثانية: يعيد،
_________________
(١) ١ أبو داود: الطهارة (٣٦٠)، والدارمي: الطهارة (١٠١٨) .
[ ١٠٩ ]
وهو قول الشافعي. وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت. ووجه الأولى: حديث النعلين؛ فإن علم بها في أثناء الصلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير، أزالها، وإلا بطلت.
ولا تصح الصلاة في المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل والمغصوب. وعنه: تصح مع التحريم. ومذهب الشافعي: الصحة، لقوله: "جُعلت لي الأرض مسجدًا إلخ". ١ وأحاديث النهي خاصة تقدم على العموم. قال أحمد: تُصلى الجمعة في موضع الغصب، يعني: إذا كان الجامع مغصوبًا وصلى الإمام فيه، فامتنع الناس، فاتتهم الجمعة، ومن امتنع فاتته. وقال بعض أصحابنا: "حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق وأسطحتها كذلك"، لحديث ابن عمر، رواه ابن ماجة. والصحيح: جواز الصلاة فيها، وهو قول أكثر أهل العلم، لقوله: "جُعلت لي الأرض مسجدًا"، استثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل، بأحاديث صحيحة؛ فيبقى ما عداها على العموم. فأما أسطحتها، فالصحيح قصر النهي على ما تناوله النص.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ولو علم أنها كانت في الصلاة، لكن جهلها أو نسيها، فاختار الشيخ: لا يعيد. ولا يضر قبر ولا قبران، وقيل: يضر، اختاره الشيخ. وفي الهدي: لو وضع المسجد والقبر معًا، لم يجز ولم تصح الصلاة ولا الوقف. واختار الشيخ أن الصلاة لا تصح إلى المقبرة والحش. وعنه: يكره دخول بيعة وكنيسة مع الصور. وظاهر كلام جماعة: يحرم دخوله معها، قال الشيخ: هي كالمسجد على القبر، قال: وليست ملكًا لأحد، وليس لهم منع من يعبد الله، لأنا صالحناهم عليه.
_________________
(١) ١ البخاري: التيمم (٣٣٥)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٢١)، والنسائي: الغسل والتيمم (٤٣٢) والمساجد (٧٣٦)، وأحمد (٣/٣٠٤)، والدارمي: الصلاة (١٣٨٩) .
[ ١١٠ ]