جميع الآنية الطاهرة يباح استعمالها، سواء كانت ثمينة أو لا، في قول عامة أهل العلم، إلا أنه روي عن ابن عمر أنه كره الوضوء في الصفر والنحاس والرصاص. وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس. وقال الشافعي في أحد قوليه: ما كان ثمينًا لنفاسة جوهره حرُم، لأن فيه نوع سرف، ولأن تحريم آنية الذهب والفضة تنبيه على تحريم ما هو أنفس منها. ولنا: ما روى البخاري: "أن النبي ﷺ توضأ من تور من صفر". ١ وأما الجواهر فلا يصح قياسها على الأثمان، لأنها لا تُتخذ إلا نادرًا. وجاز استعمال القصب من الثياب، وإن زادت قيمته على الحرير.
ولو جعل فص خاتمه جوهرة ثمينة جاز، ولو جعله ذهبًا لم يجز. قال: ولا يختلف المذهب في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة، وحكي عن الشافعي إباحته لتخصيص النهي بالاستعمال كاتخاذ ثياب الحرير.
وأما المضبب بهما، فإن كان كثيرًا حرُم بكل حال. وقال أبو حنيفة: يباح لأنه تابع للمباح. ولنا: حديث: "من شرب في إناء من ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك " الحديث رواه الدارقطني، ٢ إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة، كتشعيب القدح إذا لم يباشرها بالاستعمال؛ وممن رخص فيه طاووس وإسحاق وابن المنذر. و"كان ابن عمر لا يشرب
_________________
(١) ١ البخاري: الوضوء (١٩٧) . ٢ في هامش الأصل: ذكر ابن تيمية أن الحديث ضعيف.
[ ١٦ ]
من قدح فيه فضة ولا ضبة". وكره الشرب في الإناء المفضض عطاء وسالم، ولعلهم كرهوا ما قصد به الزينة أو كان كثيرًا.
ويباح طعام أهل الكتاب واستعمال آنيتهم، قال: وهل يكره؟ على روايتين:
إحداهما: لا يكره لقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، ١ وحديث ابن المغفل، و"توضأ عمرُ من جرة نصرانية".
والثانية: يُكره، لحديث أبي ثعلبة المتفق عليه. وأما ثيابهم، فما ولي عوراتهم كالسراويل فروي عن أحمد أنه قال: أحب إلي أن يعيد إذا صلى فيه. وأما غير أهل الكتاب، فحكم ثيابهم حكم ثياب أهل الذمة عملًا بالأصل. وأما أوانيهم، فمذهب الشافعي أن حكمها حكم أواني أهل الكتاب، "لأنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة". وقال القاضي: "لا يستعمل ما استعملوه منها إلا بعد غسله"، لحديث أبي ثعلبة. ولا نعلم خلافًا في إباحة الثوب الذي نسجوه. وتباح الصلاة في ثياب الصبيان والمربيات وثوب المرأة الذي تحيض فيه، "لصلاته ﷺ وهو حامل أمامة"، والتوقي لذلك أوْلى لاحتمال النجاسة.
ولأبي داود عن عائشة: "كان رسول الله ﷺ لا يصلّي في شعرنا ولحفنا". ٢ ولا يجب غسل الثوب المصبوغ في حُب الصبّاغ، مسلمًا كان أو كتابيًا؛ فإن علمت نجاسته طهر بالغسل ولو بقي اللون، لقوله في الدم: "الماء يكفيك، ولا يضرّك أثره". ٣ رواه أبو داود. ويستحب تخمير الأواني وإيكاء الأسقية، للحديث.
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٥. ٢ الترمذي: الجمعة (٦٠٠)، والنسائي: الزينة (٥٣٦٦)، وأبو داود: الصلاة (٦٤٥)، وأحمد (٦/١٢٩) . ٣ أبو داود: الطهارة (٣٦٥)، وأحمد (٢/٣٦٤) .
[ ١٧ ]
ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ. وعنه: يطهر منها جلد ما كان طاهرًا في الحياة. قال بعض أصحابنا: يطهر جلد مأكول اللحم؛ وهو مذهب الأوزاعي وإسحاق، لقوله: "ذكاة الأديم: دباغه"؛ ١ والذكاة إنما تُعمل في مأكول اللحم. والأول ظاهر كلام أحمد، لأن قوله: "أيما إهاب دُبغ، فقد طهر" ٢ يتناول المأكول وغيره، خرج منه ما كان نجسًا في الحياة، لكون الدبغ إنما يرفع نجاسة حادثة بالموت، وحديثهم يحتمل أنه أراد بالذكاة: الطيبة، كقولهم: رائحة ذكية. ويحتمل أنه أراد بها الطهارة؛ يدل عليه أنه لو أراد بالذكاة الذبح، لأضافه إلى الحيوان كله لا إلى الجلد. فأمّا جلود السباع، فلا يجوز الانتفاع بها، وبه قال الأوزاعي وإسحاق. وروي عن ابن سيرين وعروة: الرخصة في الركوب على جلود النمور. ومذهب الشافعي طهارة جلود الحيوانات كلها، إلا الكلب والخنزير. وحكي عن أبي يوسف طهارة كل جلد. وحكي عن مالك، لعموم: "أيما إهاب دُبغ، فقد طهر". ٣ ولنا: "نهيه ﷺ عن ركوب جلود النمور". رواه أبو داود.
وله في حديث آخر: "نهى عن جلود السباع والركوب عليها". وإذا قلنا بطهارته بالدباغ، لم يحل أكله. فظاهر كلام الشافعي أنه إن كان من مأكول جاز، لأن الدباغ ذكاة، والأول أصح، لقوله: "إنما حرّم أكلها". ٤ ولا يلزم من الطهارة إباحة الأكل. ولا يجوز بيعه قبل الدبغ، لا نعلم فيه خلافًا، وهل يطهر بالدبغ قبل الغسل؟ قيل: لا، لقوله: "يطهِّرها الماء والقرظ". ٥ رواه أبو داود. وقيل: بلى، لقوله: "أيما أهاب دُبغ، فقد طهر". ٦ ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة، وقال مالك: يطهر، لقوله: "ذكاة الأديم دباغه"، ولنا: أن النهي عن جلود السباع عام، ولأنه ذبح لا يبيح اللحم؛ وقياس الذكاة على الدبغ لا يصح لأنه أقوى.
ولبن الميتة نجسٌ لأنه مائع في وعاء نجس،
_________________
(١) ١ أحمد (٣/٤٧٦) . ٢ مسلم: الحيض (٣٦٦)، والترمذي: اللباس (١٧٢٨)، والنسائي: الفرع والعتيرة (٤٢٤١)، وأبو داود: اللباس (٤١٢٣)، وابن ماجة: اللباس (٣٦٠٩)، وأحمد (١/٢١٩)، ومالك: الصيد (١٠٧٩)، والدارمي: الأضاحي (١٩٨٥) . ٣ مسلم: الحيض (٣٦٦)، والترمذي: اللباس (١٧٢٨)، والنسائي: الفرع والعتيرة (٤٢٤١)، وأبو داود: اللباس (٤١٢٣)، وابن ماجة: اللباس (٣٦٠٩)، وأحمد (١/٢١٩)، ومالك: الصيد (١٠٧٩)، والدارمي: الأضاحي (١٩٨٥) . ٤ مسلم: الحيض (٣٦٣)، والنسائي: الفرع والعتيرة (٤٢٣٤)، وأبو داود: اللباس (٤١٢٠)، وابن ماجة: اللباس (٣٦١٠)، وأحمد (٦/٣٢٩) . ٥ النسائي: الفرع والعتيرة (٤٢٤٨)، وأبو داود: اللباس (٤١٢٦) . ٦ الترمذي: اللباس (١٧٢٨)، والنسائي: الفرع والعتيرة (٤٢٤١)، وأبو داود: اللباس (٤١٢٣)، وابن ماجة: اللباس (٣٦٠٩)، وأحمد (١/٢١٩)، والدارمي: الأضاحي (١٩٨٥) .
[ ١٨ ]
وكذلك أنفحتها، وروي أنها طاهرة؛ وهو قول أبي حنيفة وداود، لأن الصحابة أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن، وهو يُعمل بالأنفحة، وذبائحهم ميتة. والأول أوْلى لأنه قيل: إن جزارهم اليهود والنصارى، ولو لم ينقل ذلك لكان الاحتمال كافيًا؛ فإنه قد كان فيهم اليهود والنصارى.
وقد روي "أن الصحابة لما قدموا العراق كسروا جيشًا منهم بعد أن وضعوا طعامهم، فلما فرغ المسلمون أكلوه"، وهو لا يخلو من اللحم ظاهرًا. فلو حكم بنجاسة ما ذبح في بلدهم، لما أكلوا من لحمهم. وإن ماتت الدجاجة وفيها بيضة قد صلب قشرها، فهي طاهرة؛ وهو قول ابن المنذر. و"كرهها علي وابن عمر ومالك". وعظام الميتة نجسة، وهو قول مالك والشافعي. ورخص في الانتفاع بعظام الفيلة: ابن سيرين وابن جريج. وقال مالك: إن ذُكِّي الفيل فعظمه طاهر، لأنه مأكول عنده. وقال الثوري وأبو حنيفة: عظام الميتة طاهرة لأن الموت لا يحلها.
ولنا: قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ وتحريم كلِّ ذي ناب من السباع، وقولهم: العظام لا يحلها الموت ممنوع، لقوله: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ الآية ٢، ولأن دليل الحياة: الإحساس والألم، وهو في العظم أشد منه في اللحم. والقرن والظفر والحافر كالعظم، لقوله: "ما يُقطع من البهيمة وهي حية، فهو كميته". ٣ قال الترمذي: حسن غريب. ويحتمل أن هذا طاهر، والخبر أريد به ما يُقطع مما فيه حياة فيموت بفصله، بدليل الشعر. وصوفها وشعرها وريشها طاهر، وبه قال مالك وابن المنذر. وقال الشافعي: هو نجس لأنه ينمي من الحياة، فينجس بموته كأعضائه؛ وهذا
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٣. ٢ سورة يس آية: ٧٨. ٣ الترمذي: الأطعمة (١٤٨٠)، وأبو داود: الصيد (٢٨٥٨) .
[ ١٩ ]
منتقض بالبيض. وشعر الآدمي طاهر في الحياة والموت. وقال الشافعي في أحد قوليه: ينجس بفصله. ولهم في شعر النبي ﷺ وجهان. ولنا: "أنه ﷺ فرّق شعره بين أصحابه"، وما كان طاهرًا منه، كان طاهرًا من غيره. وهل يجوز الخرز بشعر الخنزير؟ فيه روايتان. ورخص فيه الحسن ومالك والأوزاعي. وعن أحمد أنه قال: لا بأس به؛ ولعله قال ذلك لأنه لا يسلم منه الناس، وفي تكليف غسله إتلاف أموال الناس.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
حكى ابن عقيل عن أبي الحسن التميمي أنه قال: إذا اتخذ مسعطًا أو قنديلًا أو نعلين أو مجمرة أو مدخنة ذهبًا أو فضة كره، ولم يحرم.
وفي الضبة أربع مسائل: كونها يسيرة بالشروط المتقدمة فتباح، وكبيرة لغير حاجة فلا تباح. واختار الشيخ الإباحة إذا كانت أقل مما فيه، وكبيرة لحاجة، ويسيرة لغير حاجة فلا تباح. وقيل: لا تحرم، اختاره الشيخ. وقال أبو بكر: يباح يسير الذهب، واختاره الشيخ وقال: قد غلط طائفة من الأصحاب حيث حكت قولا بإباحة يسير الذهب تبعًا في الآنية عن أبي بكر، وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس والتحلي وهما أوسع. وقال الشيخ أيضًا: يباح الاكتحال بميل الذهب والفضة، لأنها حاجةٌ. وإذا قلنا: يطهر جلد الميتة بالدباغ، فهل يختص بالمأكول أو ما كان طاهرًا في حال الحياة؟ فيه وجهان: أحدهما: يشمل، اختاره الشيخ، واختار في الفتاوى المصرية اختصاصه بالمأكول. وعلى القول بأن الدباغ لا يطهر اختار الشيخ الانتفاع به في المائعات إن لم ينجس العين.
[ ٢٠ ]
ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة، ولا يجوز ذبحه لأجل ذلك. قال الشيخ: ولو كان في النزع. وما طهر بدبغه جاز بيعه. وأطلق أبو الخطاب جواز بيعه مع نجاسته، قال في الفروع: فيتوجه منه جواز بيع نجاسة يجوز الانتفاع بها، ولا فرق ولا إجماع كما قيل. قال ابن قاسم المالكي: لا بأس ببيع الزبل. قال اللخمي: هذا من قوله يدل على بيع العذرة، وقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العذرة، لأنه من منافع الناس.
ولبن الميتة وأنفحتها نجس. وعنه: أنه طاهر مباح، اختاره الشيخ. واختار طهارة عظمها وقرنها وظفرها، نقل الميموني: صوف الميتة ما أعلم أحدًا كرهه.
[ ٢١ ]