وهو سبعة أقسام:
(أحدها: خيار المجلس)، والمرجع في التفرق إلى عرف الناس. ولو ألحقا في العقد خيارًا بعد لزومه، لم يلحقه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلحقه. وروي أنه ﷺ قال: "البيعان بالخيار حتى يفترقا، إلا أن يكون صفقة خيار. ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله". ١ رواه الترمذي وحسنه، وقوله: "إلا أن يكون صفقة خيار" ٢ يحتمل أنه البيع المشروط فيه الخيار، فإنه لا يلزم بتفرقهما. ويحتمل أنه الذي شرط أن لا يكون فيه خيار، فيلزم بمجرد العقد. وظاهر الحديث: تحريم مفارقة أحدهما صاحبه خشية الفسخ. قال أحمد لما ذكر له الحديث وفعل ابن عمر قال: هذا الآن قول رسول الله ﷺ. وروي عن أحمد أن الخيار لا يبطل بالتخاير ولا بالإسقاط، لأن أكثر الروايات: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" ٣ من غير تقييد. وعنه: أنه يبطل بالتخاير، وهو الصحيح، لقوله: "فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع"، ٤ وفي لفظ: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يكون البيع كان عن خيار؛ فإن كان البيع عن خيار فقد وجب البيع". ٥ متفق عليه. والتخاير من ابتداء العقد وبعده في المجلس واحد. وقال أصحاب الشافعي في التخاير في ابتداء العقد قولان: أحدهما: لا يقع لأنه إسقاط للحق قبل سببه. ولنا: ما ذكرنا من حديث
_________________
(١) ١ الترمذي: البيوع (١٢٤٧)، والنسائي: البيوع (٤٤٨٣)، وأبو داود: البيوع (٣٤٥٦) . ٢ الترمذي: البيوع (١٢٤٧)، والنسائي: البيوع (٤٤٨٣)، وأبو داود: البيوع (٣٤٥٦) . ٣ البخاري: البيوع (٢١١٠)، ومسلم: البيوع (١٥٣٢)، والترمذي: البيوع (١٢٤٦)، والنسائي: البيوع (٤٤٥٧، ٤٤٦٤)، وأبو داود: البيوع (٣٤٥٩)، وأحمد (٣/٤٠٢، ٣/٤٠٣، ٣/٤٣٤)، والدارمي: البيوع (٢٥٤٧) . ٤ مسلم: البيوع (١٥٣١) . ٥ البخاري: البيوع (٢١٠٧)، والنسائي: البيوع (٤٤٦٧)، وأحمد (٢/٩) .
[ ٤٣٨ ]
ابن عمر، فإن قال أحدهما لصاحبه: اختر، فالساكت على خياره، وأما القائل فيحتمل أن يبطل خياره، لقوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر ". ١ رواه البخاري، ولأنه جعل لصاحبه ما ملكه؛ ويحتمل أن لا يبطل. ويحتمل الحديث على أنه خيره فاختار، كما لو جعل لزوجته الخيار، فلم تختر شيئًا. والأول أولى، لظاهر الحديث، ويفارق الزوجة لأنه ملكها ما لم تملك، فإذا لم تقبل سقط. وهنا كل واحد منهما يملك الخيار، فلم يكن قوله تمليكًا، إنما هو إسقاط فسقط.
(الثاني: خيار الشرط) وإن طال، وأجازه مالك فيما زاد على الثلاث بقدر الحاجة، مثل قرية لا يصل إليها في أقل من أربعة أيام، وقال الشافعي: لا يجوز أكثر من ثلاث، لما روي عن عمر أنه قال: "لا أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله ﷺ لحبان، جعل له الخيار ثلاثة أيام". ولنا: أنه حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه كالأجل، ولم يثبت ما روي عن عمر؛ وقد "روي عن أنس خلافه". وتقدير مالك بالحاجة لا يصح، فإنه لا يمكن ضبط الحكم بها لخفائها واختلافها. وقولهم: إن الخيار ينافي مقتضى البيع، لا يصح، لأن مقتضاه نقل الملك، والخيار لا ينافيه وإن سلمنا ذلك، لكن متى خولف الأصل لمعنى في محل، وجب تعدية الحكم لتعدي ذلك المعنى.
ولا يجوز مجهولًا كنزول المطر، وعنه: يجوز، وهما على خيارهما، إلا أن يقطعاه، أو تنتهي مدته إن كان مشروطًا إلى مدة. وقال مالك: يصح، ويضرب لهما مدة يختبر المبيع بمثلها في العادة، لأن ذلك مقدر في العادة؛ فإذا أطلقا حمل عليه. وإذا قلنا: يفسد الشرط، فهل يفسد البيع؟ على روايتين: إحداهما: يفسد كنكاح الشغار. والثانية: لا يفسد العقد، لحديث بريرة.
_________________
(١) ١ البخاري: البيوع (٢١٠٩)، ومسلم: البيوع (١٥٣١)، والترمذي: البيوع (١٢٤٥)، والنسائي: البيوع (٤٤٦٥، ٤٤٦٦، ٤٤٦٧، ٤٤٦٨، ٤٤٦٩، ٤٤٧٠، ٤٤٧١، ٤٤٧٣، ٤٤٧٤، ٤٤٨٠)، وأبو داود: البيوع (٣٤٥٤)، وأحمد (١/٥٦، ٢/٤، ٢/٩، ٢/٧٣)، ومالك: البيوع (١٣٧٤) .
[ ٤٣٩ ]
وإن شرطه إلى الحصاد والجذاذ، احتمل أن يصح، لأنه لا يكثر تفاوته ولا يثبت إلا في البيع، والصلح بمعناه. والإجارة في الذمة أو على مدة لا تلي العقد، فأما الإجارة المعينة التي تلي العقد فلا، لأن دخوله يقتضي فوات بعض المنافع المعقود عليها، واستيفاءها في مدة الخيار، وكلاهما لا يجوز. وذكر القاضي مرة مثل هذا، ومرة قال: يثبت فيها خيار الشرط، قياسًا على البيع. وإن شرطاه إلى الغد، لم يدخل في المدة، وعنه: يدخل. وإن شرطاه مدة، فابتداؤها من حين العقد؛ ويحتمل أن يكون من حين التفرق. وإن شرط الخيار لغيره جاز، وكان توكيلًا له فيه.
وإن قال: بعتك على أن استأمر فلانًا، وحدَّ ذلك بوقت معلوم، فهو خيار صحيح، وله الفسخ قبل أن يستأمره، لأنّا جعلناه كناية عن الخيار. وإن لم يضبطه بمدة، فهو مجهول، فيه من الخلاف ما ذكرنا. وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه، صح، ولمن له الخيار الفسخ بغير حضور صاحبه، ولا رضاه. وقال أبو حنيفة: ليس له الفسخ إلا بحضور صاحبه، كالوديعة. وما ذكره ينتقض بالطلاق، والوديعة لا حق للمودع فيها، ويصح فسخها مع غيبته. فإن قال أحدهما عند العقد: لا خلابة، فقال أحمد: ذلك جائز، وله الخيار إن خلبه، لحديث: "إذا بايعت، فقل: لا خلابة! "، ١ ويحتمل أن يكون الخبر خاصًا بحبان، لأنه روي "أنه عاش إلى زمن عثمان، فكان يبايع الناس ثم يخاصمهم، فيمر به بعض الصحابة فيقول لمن يخاصمه: إن النبي ﷺ جعل له الخيار ثلاثًا"، وهذا يدل على اختصاصه به. وقال بعض الشافعية: إن كانا عالمين أن ذلك عبارة عن خيار لثلاث، ثبت، لأنه روي أن النبي ﷺ قال له: "أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال". ٢ ولنا: أن هذا اللفظ لا يقتضي الخيار مطلقًا، ولا تقييده بثلاث.
_________________
(١) ١ البخاري: البيوع (٢١١٧)، ومسلم: البيوع (١٥٣٣)، والنسائي: البيوع (٤٤٨٤)، وأبو داود: البيوع (٣٥٠٠)، وأحمد (٢/٤٤، ٢/٦١، ٢/٧٢، ٢/٨٠، ٢/٨٤، ٢/١٠٧، ٢/١١٦، ٢/١٢٩)، ومالك: البيوع (١٣٩٣) . ٢ ابن ماجة: الأحكام (٢٣٥٥) .
[ ٤٤٠ ]
والخبر الذي احتجوا به إنما رواه ابن ماجة مرسلًا، ثم لم يقولوا به على وجه، إنما قالوا به في حق من يعلم أن مقتضاه ثبوت الخيار ثلاثًا، ولا يعلم ذلك أحد، لأن اللفظ لا يقتضيه.
وإذا شرط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض، ليأخذ غلة المبيع، فلا خيار فيه. قيل لأبي عبد الله: فإن أراد رفقًا به، كأن يقرضه ما لا يخاف أن يذهب، فاشترى منه شيئًا وجعل له الخيار، ولم يُرد الحيلة؟ فقال: هذا جائز، إلا أنه إذا مات انقطع الخيار، ولم يكن لورثته؛ وقوله محمول على المبيع الذي لا ينتفع به إلا بإتلافه، أو على أن المشتري لا ينتفع به في مدة الخيار، لئلا يفضي إلى أن القرض جر منفعة. وينتقل الملك إلى المشتري بنفس العقد، وعنه: لا ينتقل حتى ينقضي الخيار، وبه قال أبو حنيفة، إذا كان الخيار لهما أو للبائع، وإن كان للمشتري خرج عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري، لأنه عقد قاصر فلم ينقل الملك كالهبة قبل القبض. وللشافعي قول ثالث: أن الملك موقوف، فإن أمضاه تبينا أن الملك للمشتري، وإلا تبينا أنه لم ينتقل عن البائع. ولنا: قوله ﷺ: "من باع عبدًا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع". ١ متفق عليه، فجعله للمبتاع بمجرد اشتراطه، وهو عام في كل بيع. وثبوت الخيار لا ينافي كما لو باع عرضًا بعوض، فوجد كل واحد منهما بما اشتراه عيبًا. وقولهم: إنه قاصر، غير صحيح، وجواز فسخه لا يوجب قصوره، ولا يمنع نقل الملك كبيع المعيب، وامتناع التصرف إنما كان لأجل حق الغير، فلا يمنع ثبوت الملك كالمرهون، فما حصل من كسب أو نماء منفصل فهو له، أمضيا العقد أو فسخاه. قال أحمد فيمن اشترى عبدًا ووهب له مال قبل التفرق، ثم اختار البائع العبد: فالمال للمشتري. وقال الشافعي: إن أمضيا
_________________
(١) ١ البخاري: المساقاة (٢٣٧٩)، والترمذي: البيوع (١٢٤٤)، والنسائي: البيوع (٤٦٣٦)، وأبو داود: البيوع (٣٤٣٣)، وابن ماجة: التجارات (٢٢١١)، وأحمد (٢/٩، ٢/٨٢)، والدارمي: البيوع (٢٥٦١) .
[ ٤٤١ ]
العقد، وقلنا: الملك للمشتري أو موقوف، فالنماء له. وإن فسخاه، وقلنا: الملك للبائع أو موقوف، فالنماء له، وإلا فهو للمشتري. ولنا: قوله ﷺ: "الخراج بالضمان". ١ قال الترمذي: حديث صحيح. وهذا من ضمان المشتري، فيجب أن يكون خراجه له. وضمان المبيع على المشتري إذا قبضه، ولم يكن مكيلًا ولا موزونًا. وإن اشترى حاملًا فولدت في مدة الخيار، ثم ردها، رد ولدها. وليس لواحد منهما التصرف في مدة الخيار، إلا بما يحصل به تجربة المبيع، فإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوهما، لم ينفذ تصرفهما، إلا أن يكون الخيار للمشتري وحده، فينفذ تصرفه ويبطل خياره كالمعيب. وقال أحمد في رواية أبي طالب: إذا اشترى ثوبًا بشرط، فباعه بربح قبل انقضاء الشرط، يرده إلى صاحبه إن طلبه، فإن لم يقدر على رده، فللبائع قيمة الثوب، لأنه استهلك ثوبه، أو يصالحه. فقوله: يرده إن طلبه، يدل على أن وجوب رده مشروط بطلبه. وفي البخاري عن ابن عمر: "أنه كان على بكر صعب لعمر، فقال ﷺ لعمر: بِعْنيه. فقال عمر: هو لك، فقال النبي ﷺ: هو لك يا عبد الله"، ٢ فهذا يدل على التصرف قبل التفرق، والأول أصح. والحديث ليس فيه تصريح بالبيع، فقوله: "هو لك" يحتمل أنه أراد هبة، فإنه لم يذكر ثمنًا. فإن تصرف المشتري بإذن البائع، أو البائع بوكالة المشتري، صح وانقطع خيارهما، لأنه يدل على تراضيهما بإمضاء البيع، كما لو تخايرا في أحد الوجهين، وفي الآخر: البيع والخيار بحالهما.
وإن تصرف المشتري في مدة الخيار مما يختص الملك، كإعتاق العبد ووطء الجارية، فهو تراض يبطل خياره؛ ولذلك يبطل خيار المعتقة بتمكينها من
_________________
(١) ١ الترمذي: البيوع (١٢٨٥)، والنسائي: البيوع (٤٤٩٠)، وأبو داود: البيوع (٣٥٠٨)، وابن ماجة: التجارات (٢٢٤٣) . ٢ البخاري: البيوع (٢١١٦) .
[ ٤٤٢ ]
نفسها، وقال لها رسول الله ﷺ: "إن وطئك فلا خيار لك". قال أحمد: إذا شرط الخيار فباعه قبل ذلك بربح، فالربح للمبتاع، لأنه وجب عليه حين عرضه.
وإن استخدم المبيع، ففيه روايتان، ومتى بطل خيار المشتري بتصرفه، فخيار البائع باق بحاله. وإن أعتقه المشتري نفذ عتقه، وبطل خيارهما. وكذا إذا تلف المبيع. وعنه: لا يبطل خيار البائع، وله الفسخ والرجوع بالقيمة، وقول النبي ﷺ: "لا عتق فيما لا يملك ابن آدم" ١ يدل بمفهومه على أنه ينفذ في الملك، وملك البائع الفسخ، لا يمنع نفوذ العتق، كما لو وهب رجل ابنه عبدًا فأعتقه، نفذ عتقه مع ملك الأب استرجاعه، ولا ينفذ عتق البائع. وقال الشافعي ومالك: ينفذ، لأنه ملكه، وإن كان الملك انتقل، فإنه يسترجعه بالعتق.
وإذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حر، ثم باعه، صار حرًا، نص عليه أحمد، سواء شرط الخيار أو لا. وقال أبو حنيفة: لا ينفذ، لأنه إذا تم بيعه زال ملكه عنه. ولنا: أن زمن انتقال الملك زمن الحرية، لأن البيع سبب لنقل الملك وشرط للحرية، فيجب تغليب الحرية، كقوله: إذا مت فأنت حر. وإذا أعتق المشتري العبد، بطل خياره وخيار البائع، كما لو تلف. وفيه رواية أخرى: أنه لا يبطل خيار البائع، فله الفسخ والرجوع بالقيمة يوم العتق.
وإن تلف المبيع في مدة الخيار، فإن كان قبل القبض وكان مكيلًا أو موزونًا انفسخ البيع، وكان من مال البائع، لا نعلم فيه خلافًا، إلا أن يتلفه المشتري، فيضمنه ويبطل خياره. وفي خيار البائع روايتان. فإن كان غير المكيل والموزون ولم يمنعه البائع من قبضه، فظاهر المذهب: أنه من ضمان المشتري كتلفه بعد القبض، وإن تلف بعد القبض، فهو من ضمان المشتري ويبطل خياره.
وفي خيار البائع روايتان: إحداهما: يبطل. والثانية:
_________________
(١) ١ النسائي: الأيمان والنذور (٣٨١٢) .
[ ٤٤٣ ]
لا، ويطالب بقيمته أو مثله إن كان مثليًا، كما لو اشترى ثوبًا بثوب فتلف أحدهما، ووجد بالآخر عيبًا، فإنه يرده ويرجع بقيمته.
وحكم الوقف حكم البيع، في أحد الوجهين. وفيه وجه آخر: أنه كالعتق. وليس للمشتري وطء الجارية في مدة الخيار، إذا كان لهما أو للبائع وحده، لا نعلم فيه خلافًا. فإن وطئها، فلا حد عليه، ولا مهر لها؛ فإن علقت منه فالولد حر، يلحقه نسبه وتصير أم ولد له. فإن فسخ البائع رجع بقيمتها. وإن قلنا: إن الملك لا ينتقل، فعليه المهر وقيمة الولد، وإن علم التحريم وأنّ ملكه غير ثابت، فولده رقيق.
ولا بأس بنقد الثمن وقبض المبيع في مدة الخيار، وهو قول الشافعي، وكرهه مالك، قال: لأنه في معنى بيع وسلف، إذا قبض الثمن ثم تفاسخا صار كأنه أقرضه؛ وما ذكره لا يصح، لأننا لا نجيز له التصرف فيه.
ومن مات منهما بطل خياره، إلا أن يكون قد طالب بالفسخ قبل موته، فيكون لورثته؛ ويتخرج ألا يبطل وينتقل إلى ورثته، وهذا قول مالك والشافعي. ولنا: أنه حق فسخ لا يجوز الاعتياض عنه، فلم يورث كخيار الرجوع في الهبة.
(والثالث: خيار الغبن)، ويثبت في ثلاث صور:
(إحداها): إذا تلقى الركبان فباعهم أو اشترى منهم، فلهم الخيار إذا هبطوا السوق وعلموا أنهم قد غُبنوا غبنًا يخرج عن العادة. ونهى النبي ﷺ عن ذلك. وروي عن أبي حنيفة: أنه لا يرى بذلك بأسًا، وسنة رسول الله أحق أن تتبع. إذا تقرر هذا، فللبائع الخيار إذا غُبن، وقال أصحاب الرأي: لا خيار له. ولا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ. وظاهر المذهب: أنه لا خيار إلا مع الغبن. ويحتمل إطلاق الحديث، لجعله
[ ٤٤٤ ]
الخيار له إذا هبط السوق، ولولا ذلك لكان الخيار له من حين البيع. وظاهر كلام الخرقي: أن الخيار يثبت بمجرد الغبن، وإن قل، والأولى أن يقيد بما يخرج عن العادة. وقال أصحاب مالك: إنما نهى عن تلقي الركبان، لما يفوت به من الرفق بأهل السوق، لئلا ينقطع عنهم ما له جلسوا من ابتغاء فضل الله. قال ابن القاسم: فإن تلقاها متلقٍ فاشتراها، عرضت على أهل السوق فيشتركون فيها. وقال الليث: تباع في السوق؛ وهذا مخالف لمدلول الحديث، فـ"إنه ﷺ جعل الخيار للبائع إذا هبط السوق"، ولم يجعلوا له خيارًا، وجعْله الخيار له يدل على أن النهي عن التلقي لحقه. فإن تلقاهم فباعهم شيئًا فهو كمن اشترى منهم. وهذا أحد الوجهين للشافعية. وقالوا في الآخر: النهي عن الشراء دون البيع فلا يدخل. ولنا: قوله ﷺ: " لا تلقوا الركبان"، ١ والبائع داخل فيه. فإن خرج لغير قصد التلقي، فقال القاضي: لا يجوز الابتياع منهم ولا الشراء، ويحتمل أن لا يحرم ذلك، وهو قول الليث، لأنه لم يتناوله النهي.
(الثانية): النجش وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ليغر المشتري. فإن اشترى معه، فالشراء صحيح في قول أكثر العلماء، وعنه: أنه باطل، وهو قول مالك للنهي. ولنا: أن النهي عاد إلى الناجش، لا إلى العاقد، ولأن النهي لحق آدمي كبيع المدلس، وفارق ما كان لحق الله تعالى؛ فإن حق الآدمي يمكن جبره بالخيار وزيادة في الثمن. لكن إن كان فيه غبن لم تجر العادة بمثله، فله الخيار. وقال أصحاب الشافعي: إن لم يكن ذلك يعلم من البائع، فلا خيار. واختلفوا فيما إذا كان بمواطأة منه، فقال بعضهم: لا خيار. ولنا: أنه تغرير بالعاقد، فإذا غبن ثبت له الخيار، كما في تلقي الركبان.
_________________
(١) ١ البخاري: البيوع (٢١٥٠)، ومسلم: البيوع (١٥١٥)، والنسائي: البيوع (٤٤٨٧، ٤٤٩٦)، وأبو داود: البيوع (٣٤٤٣)، وأحمد (٢/٤٦٥) .
[ ٤٤٥ ]
ولو قال: أُعطيت بهذه السلعة ما لم يُعط، فصدقه ثم كان كاذبًا، فله الخيار، لأنه في معنى النجش.
(الثالثة): المسترسل إذا غبن الغبن المذكور، ثبت له الخيار، وبه قال مالك. وقيل: لا فسخ له، وهو مذهب الشافعي. ولنا: أنه غبن حصل لجهله، فأثبت له الخيار، كالغبن في تلقي الركبان.
وإذا وقع البيع على غير معيّن، كقفيز من صبرة، فظاهر قول الخرقي أنه يلزم بالتفرق. وقال القاضي في موضع ما يدل على أنه لا يلزم إلا بالقبض، لأنه لا يملك بيعه ولا التصرف فيه، ولأنه لو تلف فهو من ضمان البائع.
ووجه اللزوم: قوله ﷺ: "وإن تفرّقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحدهما البيع، فقد وجب البيع". ١ وما ذكرناه للقول الآخر ينتقض بالموصوف والسلم، فإنه لازم مع ما ذكرناه.
(الرابع: خيار التدليس) بما يزيد به الثمن، كتصرية اللبن في الضرع، وتحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها، وذلك حرام، لقوله: "مَن غشنا فليس منا"، ٢ وقوله: " لا تصرّوا الإبل". ٣ فمن اشترى مصرّاة فله الخيار، في قول عامة أهل العلم. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا خيار له، لأنه ليس بعيب، كما لو علفها فانتفخ بطنها فظن المشتري أنها حامل؛ وهذا قياس يخالف النص، واتباع قول النبي ﷺ أولى، ولأنه تدليس يختلف به الثمن، فوجب به الرد، كالشمطاء إذا سوّد شعرها؛ وبه يبطل قياسهم، فإن بياضه ليس بعيب كالكبر، وانتفاخ البطن قد يكون لغير الحمل. وإن علم بالتصرية، فلا خيار.
وقال أصحاب الشافعي: يثبت له في وجه، للخبر، فإن حصل هذا من غير تدليس، مثل إن اجتمع اللبن من غير قصد، أو احمر وجهها لخجل أو تعب، فقال القاضي: له الرد أيضًا لدفع الضرر، أشبه العيب، ويحتمل أن'
_________________
(١) ١ البخاري: البيوع (٢١١٢) . ٢ مسلم: الإيمان (١٠١)، وابن ماجة: الحدود (٢٥٧٥)، وأحمد (٢/٣٢٩، ٢/٤١٧) . ٣ البخاري: البيوع (٢١٤٨)، والنسائي: البيوع (٤٤٨٧)، وأحمد (٢/٤٦٥) .
[ ٤٤٦ ]
لا يثبت الخيار لحمرة الوجه بخجل أو تعب. وإن أراد إمساك المدلس مع الأرش، لم يكن له ذلك، "لأن النبي ﷺ لم يجعل له في المصراة أرشًا، بل خيّره بين الإمساك والرد مع صاع تمر". وإن تصرف في المبيع بعد علمه بالتدليس، بطل رده كالمعيب.
ويرد مع المصراة عوض اللبن صاعًا من تمر، فإن لم يجده فقيمته في موضعه، سواء كان ناقة أو بقرة أو شاة. وذهب مالك إلى أن الواجب صاع من قوت البلد، لأن في بعض الألفاظ: "رد معها صاعًا من طعام"، وفي بعضها: "رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحًا"، فجمع بين الأحاديث وجعل نصه على التمر، لأنه غالب قوت المدينة، وعلى القمح لأنه غالب قوت بلد آخر. وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن لأنه ضمان متلف. ولنا: الحديث الصحيح، ولمسلم: "ردها وردّ صاعا من تمر، لا سمرا" ١ يعني: لا يرد قمحًا؛ والمراد بالطعام في الحديث التمر، لأنه مقيد في الآخر في قضية واحدة، والمطلق في مثل هذا يحمل على المقيد. وحديث ابن عمر يعني: الذي فيه ذكر القمح في رواية جميع بن عمير، قال ابن حبان: كان يضع الحديث. وقياس أبي يوسف مخالف للنص فلا يقبل. ولا يبعد أن يقدر الشارع بدل هذا المتلف قطعًا للتنازع، كما قدّر دية الآدمي ودية أطرافه. ولا فرق بين الناقة والبقرة والشاة.
وأبو داود لا يثبت بتصرية البقر، لأن الحديث: "لا تصرّوا الإبل والغنم"، ٢ والقياس لا تثبت به الأحكام. ولنا: عموم قوله: "من اشترى مصرّاة"، ٣ "ومن ابتاع محفلة"، ٤ والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر، لأن لبنها أكثر وأنفع، فثبت بالتنبيه، وهو حجة عند الجميع.
وإذا اشترى مصراتين أو أكثر في عقد واحد، رد مع كل واحدة صاعًا، وقال بعض المالكية: في الجميع صاع، لأن النبي ﷺ قال:
_________________
(١) ١ البخاري: البيوع (٢١٤٨)، ومسلم: البيوع (١٥٢٤)، والترمذي: البيوع (١٢٥٢)، والنسائي: البيوع (٤٤٨٩)، وابن ماجة: التجارات (٢٢٣٩)، وأحمد (٢/٤٣٠، ٢/٥٠٧)، والدارمي: البيوع (٢٥٥٣) . ٢ البخاري: البيوع (٢١٤٨)، والنسائي: البيوع (٤٤٨٧)، وأحمد (٢/٤٦٥) . ٣ البخاري: البيوع (٢١٥١)، ومسلم: البيوع (١٥٢٤)، والترمذي: البيوع (١٢٥١)، والنسائي: البيوع (٤٤٨٨، ٤٤٨٩)، وأبو داود: البيوع (٣٤٤٤، ٣٤٤٥)، وابن ماجة: التجارات (٢٢٣٩)، وأحمد (٢/٢٥٩، ٢/٢٧٣، ٢/٣١٧، ٢/٤٣٠، ٢/٤٦٣، ٢/٤٦٩، ٢/٥٠٧)، والدارمي: البيوع (٢٥٥٣) ٤ النسائي: البيوع (٤٤٨٩) .
[ ٤٤٧ ]
"من اشترى غنمًا مصرّاة فاحتلبها، فإن شاء أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع". ١ ولنا: قوله: "من اشترى مصرّاة". ٢ وأما الحديث فالضمير فيه يعود إلى الواحدة؛ فإن كان اللبن بحاله لم يتغير رده وأجزأه، ويحتمل أن لا يجزئه إلا التمر، لظاهر الخبر، ولأن الضرع أحفظ له. ولو اشترى شاة غير مصراة فاحتلبها، ثم وجد بها عيبًا، فله الرد. فإن لم يكن في ضرعها شيء في حال العقد، فلا شيء عليه، لأن اللبن الحادث في ملكه. وإن كان يسيرًا لا يخلو الضرع من مثله، فلا شيء عليه. وإن كان كثيرًا وكان قائما بحاله، ابتنى رده على رد لبن المصراة للنص. فإن قلنا يردّه، رد مثل اللبن، لأنه من المثليات، والأصل ضمانها بمثلها، لأنه خولف في المصراة.
وإذا علم بالتصرية قبل الحلب، فله ردها ولا شيء معها، لأن التمر بدل اللبن. قال ابن عبد البر: وهذا مما لا خلاف فيه. ومتى علم التصرية فله الرد، وقال القاضي: ليس له ردها إلا بعد ثلاث، ليس له الرد قبل مضيها ولا إمساكها بعدها، لقوله: "فهو بالخيار ثلاثة أيام". ٣ رواه مسلم؛ قالوا: قدّرها الشارع لمعرفة التصرية، فإنها لا تعرف قبل مضيها. وقال أبو الخطاب: متى ثبتت التصرية جاز له الرد قبل الثلاث وبعدها، لأنه تدليس. فعلى هذا، فائدة التقدير بالثلاث، لأن الظاهر لا يحصل العلم إلا بها، فإن حصل بها أو لم يحصل، فالاعتبار به دونها. وظاهر قول ابن أبي موسى أنه متى علم بالتصرية ثبت له الخيار في الأيام الثلاثة إلى تمامها، وهو قول ابن المنذر، وحكي عن الشافعي، لظاهر الحديث؛ فإنه يقتضي ثبوت الخيار في الأيام الثلاثة. وقال القاضي: لا يثبت في شيء منها، وقول أبي الخطاب يسوي بينها وبين غيرها، والعمل بالخبر أولى.
ولا يحل للبائع تدليس سلعته ولا كتمان عيبها، فإن فعل فالبيع صحيح في قول الأكثر، منهم
_________________
(١) ١ البخاري: البيوع (٢١٥١)، وأبو داود: البيوع (٣٤٤٥) . ٢ البخاري: البيوع (٢١٥١)، ومسلم: البيوع (١٥٢٤)، والترمذي: البيوع (١٢٥١)، والنسائي: البيوع (٤٤٨٨، ٤٤٨٩)، وأبو داود: البيوع (٣٤٤٤، ٣٤٤٥)، وابن ماجة: التجارات (٢٢٣٩)، وأحمد (٢/٢٥٩، ٢/٢٧٣، ٢/٣١٧، ٢/٤٣٠، ٢/٤٦٣، ٢/٤٦٩، ٢/٥٠٧)، والدارمي: البيوع (٢٥٥٣) . ٣ مسلم: البيوع (١٥٢٤)، والترمذي: البيوع (١٢٥١، ١٢٥٢)، والنسائي: البيوع (٤٤٨٩)، وأبو داود: البيوع (٣٤٤٤)، وابن ماجة: التجارات (٢٢٣٩)، وأحمد (٢/٢٤٨، ٢/٤١٧، ٢/٥٠٧)، والدارمي: البيوع (٢٥٥٣) .
[ ٤٤٨ ]
مالك وأبو حنيفة والشافعي، بدليل حديث التصرية. وقال أبو بكر: إن دلس فالبيع باطل، لأن النهي يقتضي الفساد، قيل له: ما تقول في التصرية؟ فلم يذكر جوابًا.
(الخامس: خيار العيب) . والعيوب: النقائص الموجبة لنقص المالية في عادات التجار، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم في الجارية تشترى ولها زوج، أنه عيب. والثيوبة ليست بعيب، لأنها الغالب على الجواري، فالإطلاق لا يقتضي خلافها.
والعسر ليس بعيب، وكان شريح يرد به. فمن اشترى معيبًا لا يعلم عيبه فله الخيار بين الرد، والإمساك مع الأرش. ومن اشترى ما يعلم عيبه أو مدلسًا أو مصراة وهو عالم، فلا خيار له، لا نعلم فيه خلافًا. فإن اختار إمساك المعيب وأخذ الأرش فله ذلك. وقال الشافعي: ليس إلا الإمساك، أو الرد، إلا أن يتعذر رد المبيع، روي ذلك عن أحمد، "لأنه ﷺ جعل في المصراة الخيار من غير أرش"، ولنا: أنه ظهر على عيب لم يعلم به، فكان له الأرش، كما لو تعيب عنده.
وما كسب فهو للمشتري، وكذلك نماؤه المنفصل، وعنه: لا يرده إلا مع نمائه. والزيادة المنفصلة نوعان:
أحدهما: أن يكون من غير المبيع كالكسب والأجرة. وما يوهب له فهو للمشتري، في مقابلة ضمانه، لا نعلم فيه خلافًا.
الثاني: أن يكون منه كالولد والثمرة، فهو للمشتري أيضًا، وبه قال الشافعي، لأن الولد إن كان لآدمية لم يملك ردها دونه، وعنه: ليس له رده دون نمائه، قياسًا على النماء المتصل. وقال مالك: إن كان النماء ثمرة لم يردها، وإن كان ولدًا رده معها. وقال أبو حنيفة: النماء الحادث في يد المشتري يمنع الرد.
"ووطء الثيب لا يمنع الرد"، روي عن زيد بن ثابت، وبه قال مالك والشافعي. وعنه: "يُمنع"،
[ ٤٤٩ ]
روي ذلك عن علي، لأن الوطء كالجناية، لأنه لا يخلو في ملك الغير من عقوبة أو مال. وقال شريح وابن المسيب: يردها ومعها أرش، واختلفوا فيه.
ولو اشتراها مزوّجة فوطئها الزوج، لم يمنع الرد، بغير خلاف نعلمه. وإن وطئ البكر أو تعيبت عنده فله الأرش. وعنه: أنه مخير بين الأرش وبين الرد، وأرش العيب الحادث عنده ويأخذ الثمن.
وكذلك كل مبيع كان معيبًا، ثم حدث به عيب عند المشتري، قبل علمه بالأول، ففيه روايتان: إحداهما: ليس له الرد، وله أرش العيب القديم، روي عن ابن سيرين والزهري والشعبي. والثانية: له الرد، ويرد أرش العيب الحادث عنده، ويأخذ الثمن. وإن شاء أمسكه وله الأرش. وقال الحكم: يرده ولم يذكر معه شيئًا. ولنا: حديث المصراة، فإنه ﷺ أمر بردّها بعد حلبها، ورد عوض لبنها، ولأنه روي عن عثمان: "أنه قضى في الثوب إذا كان به عوار، يردّه وإن كان قد لبسه".
ولو اشترى أمة فحملت عنده، ثم أصاب بها عيبًا، فالحمل عيب، لأنه يمنع الوطء. فإن ولدت، فالولد للمشتري، وليس له ردها دون ولدها، لما فيه من التفريق. وقال الشريف وأبو الخطاب: له ردها دون ولدها، لأنه موضع حاجة، أشبه ما لو ولدت حرًا، فإنه يجوز بيعها دونه. ولنا: قوله ﷺ: "من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" ١، ولأنه أمكن رفع الضرر بأخذ الأرش، ويردّ ولدها معها، أما الحر فلا سبيل إلى بيعه بحال.
وإذا تعيّب المبيع في يد البائع بعد العقد، وكان المبيع من ضمانه، فهو كالعيب القديم. وإن كان من ضمان المشتري، فهو كالحادث بعد القبض، فأما الحادث بعض القبض فهو من ضمان المشتري. وقال مالك: عهدة الرقيق ثلاثة أيام، لأنه إجماع أهل المدينة، لحديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "عهدة
_________________
(١) ١ الترمذي: السير (١٥٦٦)، وأحمد (٥/٤١٢، ٥/٤١٤)، والدارمي: السير (٢٤٧٩) .
[ ٤٥٠ ]
الرقيق ثلاثة أيام". ١ ولنا: أنه عيب كسائر العيوب. وحديثهم لا يثبت، قال أحمد: ليس في العهدة حديث صحيح. قال ابن المنذر: لا يثبت في العهدة حديث.
مسألة التدليس حرام، فمتى فعله البائع فلم يعلم به المشتري حتى تعيب في يده، فله رده وأخذ ثمنه كاملًا ولا أرش عليه، سواء كان بفعل المشتري كوطء البكر وقطع الثوب، أو بفعل آدمي آخر مثل أن يجنى عليه، أو بفعل الله.
وسواء كان ناقصًا للمبيع أو مُذهبا لجملته، قال أحمد في رجل اشترى عبدًا فأبق، وأقام بينة أن إباقه كان موجودًا في يد البائع: يرجع على البائع بجميع الثمن، لأنه غر المشتري، ويتبع البائع عبده حيث كان. قال شيخنا: ويحتمل أن يلزمه عوض العين إذا تلفت، وأرش البكر إذا وطئها، لقوله ﵇: "الخراج بالضمان"، ٢ وكما يلزم عوض لبن المصراة على المشتري، ولأن وجوب الضمان على البائع لا يثبت إلا بنص أو إجماع، ولا نعلم لهذا أصلًا، ولا يشبه التغرير، لأنه يرجع على من غره ههنا.
ولو كان التدليس من وكيل البائع، لم يرجع عليه بشيء، نص عليه. وإذا زال ملك المشتري عن المبيع بعتق أو موت أو وقف، أو تعذر الرد قبل علمه بالعيب، فله الأرش، وبه قال مالك والشافعي، وكذا إن باعه غير عالم بعيبه، قال ابن المنذر: كان الحسن وشريح وعبد الله بن الحسن وابن أبي ليلى والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي يقولون: إن اشترى سلعة فعرضها على البيع بعد علمه بالعيب، بطل خياره؛ وهذا قول الشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا.
قيل لأحمد: هؤلاء يقولون: إذا اشترى عبدًا فوجده معيبًا فاستخدمه بأن يقول: ناولني هذا الثوب، بطل خياره، فأنكر ذلك وقال: من قال هذا؟ أو من أين أخذوا هذا؟
_________________
(١) ١ أبو داود: البيوع (٣٥٠٦)، وأحمد (٤/١٥٠، ٤/١٥٢)، والدارمي: البيوع (٢٥٥١) . ٢ الترمذي: البيوع (١٢٨٥)، والنسائي: البيوع (٤٤٩٠)، وأبو داود: البيوع (٣٥٠٨)، وابن ماجة: التجارات (٢٢٤٣) .
[ ٤٥١ ]
ليس هذا برضى حتى يكون الشيء بيِّن ويطول.
وإذا أعتق العبد، ثم علم به عيبًا فأخذ أرشه فهو له، وعنه: يجعله في الرقا. وكلامه في هذه الرواية يحمل على الاستحباب. وإن صبغه أو نسجه فله الأرش ولا رد، وعنه: يرده ويأخذ زيادته بالصبغ. وقال الشافعي: ليس له إلا رده. ولنا: أنه لا يمكنه رده إلا بشيء من ماله، فلم يسقط حقه من الأرش بامتناعه من رده.
وإن اشترى ما مأكوله في جوفه، فكسره فوجده فاسدًا، فإن لم يكن له مكسورًا قيمة كبيض دجاج، رجع بالثمن كله؛ وإن كان له قيمة كبيض نعام، خُيّر بين أخذ أرشه وبين رده. وعنه: لا يرجع على البائع بشيء في هذا كله، وهو مذهب مالك، لأنه ليس من البائع تدليس ولا تفريط، فجرى مجرى البراءة. ووجه الأولى: أن العقد اقتضى السلامة من عيب لم يطلع عليه المشتري، وكونه لم يفرط لا يقتضي إيجاب ثمن ما لم يسلمه كالعيب الذي لم يعلمه في العبد، ووجه رد الأرش أنه نقص لم يمنع الرد، فلزم رد أرشه كلبن المصراة والبكر إذا وطئها. وهذا يبطل قول من قال: لا أرش عليه، لأنه حصل بطريق استلام والبائع سلطه عليه، بل هنا أولى لأنه تدليس، والتصرية تدليس. وإن كسره كسرًا لا يبقى معه قيمة، فله الأرش لا غير، لأنه أتلفه.
ومن علم العيب وأخر الرد، لم يبطل خياره، إلا أن يوجد منه ما يدل على الرضى، من التصرف ونحوه. وعنه: أنه على الفور، ولا يفتقر الرد إلى رضى ولا حضور قبل القبض ولا بعده. وقال أبو حنيفة: إن كان بعده افتقر إلى رضى صاحبه. ولنا: أنه رفع عقد من مستحق له كالطلاق.
وإن اشترى اثنان شيئًا، وشرطا الخيار، أو وجداه معيبًا فرضي أحدهما، ففيها روايتان: إحداهما: لمن لم يرض الفسخ، وبه قال الشافعي، وإحدى الروايتين
[ ٤٥٢ ]
عن مالك. والأخرى: لا يجوز له رده مشتركًا ناقصًا كما لو تعيب عنده. ولنا: أنه إنما باع كل واحد نصفها، فخرجت من ملك البائع مشقصة، بخلاف العيب الحادث.
وإن ورثا خيار عيب فرضي أحدهما، سقط حق الآخر، لأنه لو رد وحده تشقصت السلعة.
وإن اشترى من اثنين شيئًا فوجده معيبًا، رده عليهما، فإن غاب أحدهما، رد على الحاضر حصته وبقي نصيب الآخر في يده حتى يقدم. وإن كان أحدهما باع العين بوكالة الآخر، فالحكم كذلك، نص أحمد على نحو من هذا.
وإن اشترى حلي فضة بوزنه دراهم فوجده معيبا، فله رده ولا أرش، لإفضائه إلى التفاضل. فإن حدث به عيب عند المشتري فعلى إحدى الروايتين: يرده وأرش العيب الحادث، ويأخذ ثمنه. وقال القاضي: لا رد، لإفضائه إلى التفاضل، ولا يصح لأن الرد فسخ العقد، والأرش عوض عن العيب الحادث، كما لو جنى عليه في ملك صاحبه. وعلى الرواية الأخرى: يفسخ الحاكم البيع، ويرد البائع الثمن، ويطالب بقيمة الحلي، لأنه لا يمكن إهمال العيب ولا أخذ الأرش. واختار شيخنا أن الحاكم إذا فسخ وجب رد الحلي وأرش نقصه، وليس فيه تفاضل، وإنما الأرش بمنزلة الجناية عليه.
وإن اشترى معيبين صفقة، فليس له إلا ردهما أو إمساكهما، ولا أرش، وعنه: له رد أحدهما بقسطه، لأن المانع من الرد تشقيص المبيع على البائع، وهو موجود فيما إذا كان أحدهما صحيحًا؛ فإن تلف فله رد الباقي بقسطه، وهذا قول الأوزاعي وإسحاق. والثانية: ليس له إلا الأرش مع إمساك الباقي، وهو ظاهر قول الشافعي. والقول في قيمة التالف قول المشتري مع يمينه، لأنه منكر لما يدعيه البائع من الزيادة، ولأنه بمنزلة الغارم، كالمستعير والغاصب. وإن كان أحدهما معيبًا فله رده بقسطه،
[ ٤٥٣ ]
وعنه: ليس له إلا ردهما أو إمساكهما. فإن كان مما ينقصه التفريق كمصراعي باب، أو من لا يجوز كجارية وولدها، فليس له رد أحدهما.
وإن اختلفا في حدوث العيب، فروايتان: إحداهما: قول المشتري، فيحلف أنه اشتراه وبه هذا، لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت واستحقاق ما يقابله. والثانية: قول البائع مع يمينه على البت، لأن الأيمان كلها على البت، إلا على النفي في فعل الغير؛ وعنه: أنها على نفي العلم. والرواية الثانية: مذهب الشافعي، لأن الأصل سلامة المبيع وصحة العقد، ولأن المشتري يدعي استحقاق الفسخ والبائع ينكره.
وإذا باع الوكيل ثم ظهر على عيب، رده على الموكل، فإن أقر به الوكيل وأنكره الموكل، فقيل: يقبل إقراره على موكله لخيار الشرط، وقال أصحاب أبي حنيفة والشافعي: لا يقبل إقراره على الموكل، وهو أصح، لأنه إقرار على الغير، وفارق خيار الشرط من حيث أن الموكل يعلم صفة سلعته ولا يعلم صفة العقد؛ فعليها، لا يملك الوكيل رده على الموكل. فإن ردت على الموكل بعيب، فأنكر البائع السلعة، فقوله مع يمينه، ونحوه قول الأوزاعي، فإنه قال فيمن صرف دراهم فقال الصيرفي: ليس هذا درهمي: يحلف الصيرفي بالله: لقد وفيتك، ويبرأ. فإن رد بخيار فأنكرها البائع، فحكى ابن المنذر عن أحمد: أن القول قول المشتري، وهو قول الثوري وإسحاق، لأنهما اتفقا على استحقاق الفسخ.
وإن باع عبدًا يلزمه عقوبة، وعلم المشتري، فلا شيء له. وإن علم بعد البيع، فله الرد أو الأرش. فإن لم يعلم حتى قتل، فله الأرش. وقال الشافعي: يرجع بالثمن، لأن تلفه لمعنى استحق عند البائع، فجرى مجرى إتلافه. وإن كانت الجناية موجبة للمال أو القود، فعفى عنه إلى مال، فعلى السيد. وإن كان معسرًا، ففي رقبة الجاني مقدمًا على المشتري، وللمشتري الخيار إن لم يكن عالمًا.
[ ٤٥٤ ]
(السادس: خيار يثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة)، ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال، ولا يثبت فيها الخيار إذا أخبره بزيادة في الثمن أو نحو ذلك.
والتولية: الببع برأس المال، قال أحمد: لا بأس ببيع الرقم، والرقم: الثمن المكتوب عليه إذا كان معلومًا. وكره طاووس بيع الرقم. وإذا اشترى شيئًا فقال لغيره: أشركتك، انصرف إلى النصف. فإن اشترى اثنان فقالا لثالث: أشركناك، احتمل أن يكون له النصف، ويحتمل أن يكون له الثلث، لأن الاشتراك يفيد التساوي. وإن أشركه كل واحد منهما منفردًا كان له النصف، ولكل واحد منهما الربع. وإن قال: أشركاني، فأشركه أحدهما، فعلى الوجه الأول: له نصف حصة الذي أشركه، وعلى الآخر له السدس، لأن طلب الشركة بينهما يقتضي طلب ثلث ما في يد كل واحد منهما. وإن قال أحدهما: أشركناك، ابتنى على تصرف الفضولي.
والمرابحة: أن يبيعه بربح فيقول: بعتك بربح عشرة. وإن قال: علي أن أربح في كل عشرة درهمًا أوده يازده، فرويت كراهته عن ابن عمر وابن عباس. وقال إسحاق: لا يجوز، لأن الثمن مجهول حال العقد، فلم يجز. ورخص فيه ابن المسيب وغيره. ووجه الكراهة أن ابن عمر وابن عباس كرهاه، ولأن فيه نوعًا من الجهالة؛ وهذا كراهة تنزيه، والجهالة يمكن إزالتها بالحساب، كبيع الصبرة كل قفيز بدرهم.
والمواضعة: أن يقول: بعتك بها، ووضيعة درهم من كل عشرة. فإن باعه مرابحة، مثل أن يخبر أن ثمنها مائة ويربح عشرة، ثم علم ببينة أو إقرار أن ثمنها تسعون، فالبيع صحيح ويرجع بما زاد على الثمن، وهو عشرة وحظها من الربح وهو درهم؛ وبهذا قال الثوري وأحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة:
[ ٤٥٥ ]
يخير بين الأخذ بكل الثمن، أو يترك قياسا على المبيع المعيب، والفرق بينهما أن المعيب لم يرض به إلا بالثمن المذكور، وهنا رضي برأس المال والربع المقرر. والمنصوص عن أحمد: أن المشتري يخير بين الأخذ برأس المال وحصته، وبين الفسخ، لأنه ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن، لكونه حالفًا أو وكيلًا أو غير ذلك. وظاهر كلام الخرقي: أنه لا خيار له، وأما البائع فلا خيار له.
وإن قال: رأس مالي مائة وأربح عشرة، ثم قال: غلطت، رأس مالي مائة وعشرة، لم يقبل إلا ببينة تشهد أن رأس ماله ما قاله. ثانيًا: ذكره ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وروى أبو طالب عن أحمد: إذا كان البائع معروفًا بالصدق قبل قوله، فإن لم يكن صدوقًا جاز البيع. وقال القاضي: ظاهر كلام الخرقي: أن القول قول البائع مع يمينه، لأنه أمين، والصحيح الأول؛ وكونه مؤتمنًا لا يوجب قبول دعواه في الغلط، كالمضارب إذا أقر بربح ثم قال: غلطت. وعنه: لا يقبل قوله ولو أقام بينة حتى يصدّقه المشتري، وهو قول الشافعي، لأنه أقر بالثمن، وإن أقام بينة لإقراره بكذبها. ولنا: أنها بينة فتقبل كسائر البينات، وإقراره حال الإخبار لم يكن عليه حق لغيره، فلم يكن إقرارًا.
ومتى اشتراه بثمن مؤجل، أو ممن لا تقبل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلة، أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن، ولم يبين ذلك، فللمشتري الخيار. وحكي عن أحمد: إن كان المبيع قائمًا، خُير بين أخذه بالثمن مؤجلًا وبين الفسخ. وإن كان قد استهلك، حبس الثمن بقدر الأجل، وهو قول شريح.
وإن اشترى شيئين صفقة واحدة، وأراد بيع أحدهما مرابحة، أو اشترى اثنان شيئًا فتقاسماه، وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة، فإن كان من المتقومات التي لا ينقسم عليها الثمن بالأجزاء كالثياب، لم يجز حتى يبين الحال، وهذا مذهب الثوري وإسحاق.
[ ٤٥٦ ]
وقال الشافعي: يجوز كما لو كان المبيع شقصًا وسيفًا، فإن الشفيع يأخذ الشقص بحصته. ولنا: أن قسمة الثمن طريقه الظن، والخطأ فيه كثير، وبيع المرابحة أمانة، فلم يجز فيه؛ فهو كالخرص لا يباع به ما يجب التماثل فيه. وأما الشفيع، فلنا فيه منع، وإن سلم فللحاجة، لأنه يتخذ طريقًا إلى إسقاط الشفعة. فإن باع فللمشتري الخيار. وإن كان من المتماثلات كالبر المتساوي، جاز ذلك، لا نعلم فيه خلافًا.
وإن أسلم في ثوبين بصفة واحدة، فأخذهما على الصفة، فله بيع أحدهما مرابحة بحصته. وإن حصل في أحدهما زيادة على الصفة، جرت مجرى الحادث بعد البيع على ما نذكره. وإن حط عنه بعض الثمن، أخبر به، لا نعلم فيه خلافًا. وإن تغير سعرها، فإن غلت لم يلزمه الإخبار، وإن رخصت فكذلك، لأنه صادق، نص عليه. ويحتمل أن يلزمه الإخبار وما يؤخذ أرشًا لعيب، فذكر القاضي أنه يخبر به. وقال أبو الخطاب: يحط أرش العيب من الثمن، ويخبر بالباقي.
وإن اشترى ثوبًا بعشرة، وقصره بعشرة، أخبر بذلك على وجهه، فإن قال يحصل بعشرين فهل يجوز؟ على وجهين.
وإن أخذ النماء المنفصل، أو استخدم الأمة، أو وطئ الثيب، أخبر برأس المال. وروي عن أحمد أنه يبين ذلك كله. وإن عمل فيها عملًا أخبر به، ولا يقول تحصل بكذا عليّ، وبه قال الحسن وابن سيرين وابن المسيب وغيرهم. وفيه وجه: أنه يجوز أن يضم الأجرة إلى الثمن، ويقول تحصلت عليّ بكذا، لأنه صادق، وبه قال الشعبي والشافعي. وإن اشتراه بعشرة، ثم باعه بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة، أخبر به على وجه. وإن قال: اشتريته بعشرة جاز. وقال أصحابنا: يحط الربح من الثمن الثاني، ويخبر أنه اشتراه بخمسة عشر، روي عن ابن سيرين.
[ ٤٥٧ ]
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا أن يبين أمره، أو يخبر أن رأس ماله عليه خمسة.
وإن ابتاع اثنان ثوبًا بعشرين، ثم بذل لهما فيه اثنان وعشرون، فاشترى أحدهما نصيب صاحبه بذلك السعر، فإنه يخبر بأحد وعشرين، نص عليه؛ وهذا قول النخعي. وقال الشعبي: يبيعه على اثنين وعشرين، لأن ذلك الدرهم الذي أعطيه قد أحرزه. ثم رجع إلى قول النخعي بعد ذلك، ولا نعلم أحدًا خالفه. قال أحمد: المساومة عندي أسهل من بيع المرابحة، لأنه يعتريه أمانة واسترسال من المشتري.
(السابع: خيار يثبت لاختلاف المتبايعين) . فمتى اختلفا في قدر الثمن تحالفا، فيبدأ بيمين البائع فيحلف: ما بعت بكذا، وإنما بعته بكذا. ثم يحلف المشتري: ما اشتريت بكذا، وإنما اشتريته بكذا؛ وبه قال شريح والشافعي ورواية عن مالك، وله رواية أخرى: القول قول المشتري مع يمينه، وبه قال أبو ثور، لأن البائع يدعي ما ينكر المشتري. وقال الشعبي: القول قول البائع أو يترادّان البيع، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، لما روى ابن مسعود، مرفوعًا: "إذا اختلف البيّعان وليس بينهما بينة، فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع". ١ رواه ابن ماجة؛ والمشهور الأول. ويحتمل أن معنى القولين واحد، وأن القول قول البائع مع يمينه. فإذا حلف فرضي المشتري، أخذ به. وإن أبى حلف أيضًا، وفسخ البيع، لأن في بعض ألفاظه: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما، تحالفا"، ولأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعَى عليه، لأن المشتري يدعي عقدًا بعشرة ينكره البائع، وهذا الجواب عما ذكروه. وقال أبو حنيفة: يبدأ بيمين المشتري، لأنه منكر، ولأنه يقضي بنكوله. ولنا: قوله: "فالقول ما قال البائع، أو يترادّان البيع"، ٢ وفي لفظ: "فالقول قول البائع،
_________________
(١) ١ الترمذي: البيوع (١٢٧٠)، وأبو داود: البيوع (٣٥١١)، والدارمي: البيوع (٢٥٤٩) . ٢ ابن ماجة: التجارات (٢١٨٦)، وأحمد (١/٤٦٦) .
[ ٤٥٨ ]
والمشتري بالخيار". ١ رواه أحمد، ومعناه: إن شاء أخذ وإن شاء حلف، ولأن البائع أقوى جنبه، لأنهما إذا تحالفا عاد المبيع إليه كصاحب اليد، والبائع إذا حلف فهو بمنزلة نكول المشتري، فهما سواء. وإذا تحالفا فرضي أحدهما بقول صاحبه، أقرّ العقد، وإلا فلكل واحد منهما الفسخ. ويحتمل أن يقف الفسخ على الحاكم، وهو ظاهر مذهب الشافعي، لأن أحدهما ظالم، ويتعذر إمضاء العقد في الحكم، كنكاح من زوّجها وليان وجهل السابق. ولنا: قوله: "أو يترادان البيع"، وروي: "أن ابن مسعود باع الأشعث رقيقًا من رقيق الإمارة، فقال: بعتك بعشرين ألفًا، وقال الأشعث: شريت منك بعشرة. فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة، والمبيع قائم بعينه، فالقول قول البائع، أو يترادان البيع. قال: فإني أرد البيع". ٢ رواه سعيد.
وروي أيضًا عن عبد الملك بن عبدة، مرفوعًا: "إذا اختلف المتبايعان، استحلف البائع، ثم كان للمشتري الخيار: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك". ٣ وهذا ظاهر أنه يفسخ من غير حاكم، ولا يشبه النكاح، لأن لكل واحد من الزوجين الاستقلال بالطلاق. وإن كانت السلعة تالفة رجعا إلى قيمة مثلها. وإن اختلفا في صفتها، فالقول قول المشتري مع يمينه. وعنه: لا يتحالفان إذا كانت تالفة، والقول قول المشتري مع يمينه؛ وهو قول أبي حنيفة لمفهوم قوله: والسلعة قائمة، ولأنهما اتفقا في نقل السلعة إلى المشتري واستحقاق عشرة، واختلفا في عشرة؛ وتركنا هذا القياس حال قيامها للحديث. ووجه الأولى: عموم قوله: "إذا اختلف المتبايعان، فالقول قول البائع، والمشتري بالخيار". قال أحمد ولم يقل فيه: والمبيع قائم إلا يزيد بن هارون، قال أبو عبد الله: وقد أخطأ، رواه الخلق عن المسعودي ولم يقولوا هذه الكلمة.
_________________
(١) ١ أحمد (١/٤٦٦) . ٢ ابن ماجة: التجارات (٢١٨٦) . ٣ أحمد (١/٤٦٦) .
[ ٤٥٩ ]
وقولهم: تركناه للحديث، قلنا: لم يثبت في الحديث: تحالفا. قال ابن المنذر ليس في هذا الباب حديث يعتمد عليه، وإذا خولف الأصل لمعنى، وجب تعدية الحكم بتعدي المعنى؛ بل يثبت الحكم بالبينة بأن التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة، مع أنه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها، فمع تعذره أولى.
فإذا تحالفا، فإن رضي أحدهما بما قال الآخر لم يفسخ لعدم الحاجة، وإلا فلكل واحد منهما فسخه، ويرد المشتري قيمتها إلى البائع؛ وينبغي أن لا يشرع التحالف ولا الفسخ إذا كانت القيم متساوية الثمن، ويكون القول قول المشتري مع يمينه، لأنه لا فائدة فيه. وإن كانت القيمة أقل، فلا فائدة للبائع في الفسخ؛ فيحتمل أن لا يشرع له اليمين ولا الفسخ، ويحتمل أن يشرع لتحصيل الفائدة للمشتري. فإن اختلفا في الصفة، فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه غارم، وإن تقايلا المبيع، أو رد بعيب بعد قبض الثمن، ثم اختلفا في قدره، فقول بائع لأنه منكر. وإن اختلفا في صفة الثمن تحالفا، إلا أن يكون للبلد نقد معلوم فيرجع إليه. وإن كان في البلد نقود رجع إلى أوسطها، نص عليه، وعلى مدعي ذلك اليمين. وإن لم يكن في البلد إلا نقدان، تحالفا كما لو اختلفا في قدره.
وإن اختلفا في أجل أو شرط، فقول من ينفيه؛ وهو قول أبي حنيفة، لأن الأصل عدمه. والرواية الثانية: يتحالفان، وهو قول الشافعي. وإن اختلفا في ما يفسد العقد، فقول مدعي الصحة مع يمينه.
وإن قال: بعتك وأنا صبي، فالقول قول المشتري، نص عليه؛ وهو قول الثوري وإسحاق، لأنهما اتفقا على العقد واختلفا فيما يفسده. وإن قال: بعتني هذين، فقال: أحدهما، فقول بائع. وإن قال البائع: بعتك هذا العبد بألف، فقال: بل هو والعبد الآخر بألف، فقول بائع؛ وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: يتحالفان كما لو اختلفا في الثمن، وهذا
[ ٤٦٠ ]
أقيس. وإن قال: بعتني هذا، فقال: بل هذا، حلف كل واحد منهما على ما أنكره، ولم يثبت بيع واحد منهما، لأن كل واحد منهما يدعي عقدًا على عين ينكرها المدعى عليه. فإذا حلف: ما بعتك هذه الجارية، أُقرت في يده، وإن كان المدعي قبضها رُدت. وأما العبد فإن كان في يد البائع أُقر في يده، ولم يكن للمشتري طلبه، لأنه لا يدعيه، وعلى البائع رد الثمن. وإن كان في يد المشتري ردَّه، لأنه يعترف أنه لم يشتره، وليس للبائع طلبه إذا بذل ثمنه، لاعترافه ببيعه، وإلا فله استرجاعه. وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه، ثبت العقدان لأنهما لا يتنافيان.
وإن قال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: حتى أقبض المبيع، وكان الثمن عينًا أو عرضًا، جعلا بينهما عدلًا يقبض ويسلّم إليهما. وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على التسليم [أولًا، وقال أبو حنيفة ومالك: يجبر المشتري على تسليم الثمن]، ١ لأن للبائع حبس المبيع عليه.
وإن كان ديْنًا، أجبر البائع على التسليم، ثم المشتري على تسليم الثمن. وقال مالك وأبو حنيفة: يجبر المشتري أولًا، كالتي قبلها.
وإذا سلمه البائع، وكان المشتري موسرًا، أُجبر على تسليم الثمن إن كان حاضرًا. وإن كان الثمن غائبًا في مسافة القصر، أو كان المشتري معسرًا، فللبائع الفسخ، كالمفلس. وإن كان غائبًا قريبًا، فللبائع الفسخ في أحد الوجهين. والثاني: لا.
فإن هرب المشتري وهو معسر، فاللبائع الفسخ. وإن كان موسرًا، أثبت البائع ذلك عند الحاكم، ثم إن وجد له الحاكم مالًا قضاه، وإلا باع المبيع وقضى ثمنه منه. وقال شيخنا: ويقوى عندي: أن للبائع الفسخ بكل حال، لأنا أبحنا له الفسخ مع حضوره إذا كان الثمن بعيدًا.
وليس للبائع الامتناع من التسليم بعد قبض الثمن، لأجل الاستبراء، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. وحكي عن مالك في القبيحة، وقال في الجميلة: يضعها على يدي عدل حتى تستبرأ.
_________________
(١) ١ زيادة من المخطوطة.
[ ٤٦١ ]
(فصل): ومن اشترى مكيلًا أو موزونًا، لم يجز بيعه حتى يقبضه. وإن تلف قبله، فمن مال بائع، إلا أن يتلفه آدمي فيخير المشتري بين الفسخ ومطالبة المتلف، وسواء كان متعيّنًا كالصبرة أو غير متعيّن كقفيز منها. وروي عن عثمان وابن المسيب وغيرهما: "أن ما بيع على الكيل والوزن لا يجوز بيعه قبل قبضه، وما ليس بمكيل ولا موزون فيجوز بيعه قبل قبضه". وقال القاضي وأصحابه: المراد بذلك: ما ليس بمتعيّن، ونقل عن أحمد نحو ذلك، فإنه قال في رجل اشترى طعامًا وطلب من يحمله، فرجع وقد احترق، فمن مال المشتري.
وذكر الجوزجاني فيمن اشترى ما في السفينة صبرة ولم يسم كيلًا، فلا بأس أن يشرك فيها ويبيع ما شاء، إلا أن يكون بينهما كيلًا ونحوه؛ قال مالك وأبو حنيفة: ووجه قول ابن عمر: "مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيًا مجموعًا، فهذا من مال المبتاع". رواه البخاري.
ونقل عن أحمد: المطعوم لا يجوز بيعه قبل قبضه، سواء كان مكيلًا أو موزونًا أو لم يكن؛ فعليها، يختص ذلك بالمطعوم. قال الترمذي: روي عنه: أنه أرخص في بيع ما لا يكال ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب، قبل قبضه.
قال الأثرم: سألته عن قوله: نهى عن ربح ما لم يضمن؟ قال: هذا في الطعام وما أشبهه من مأكول أو مشروب، فلا يبيعه حتى يقبضه. قال ابن عبد البر: الأصح عن أحمد: أن الذي يمنع منه: الطعام، "لأنه ﷺ نهى عن بيعه قبل قبضه"، فمفهومه: إباحة بيع ما سواه. وروى ابن عمر قال: "رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يُضربون على عهد رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يأووا إلى رحالهم"، ١ وهذا نص في بيع المعيّن، وعموم قولهم: من ابتاع طعامًا إلخ، متفق عليهما؛ وهذا يدل على تعميم المنع في كل طعام، مع نصه على البيع مجازفة بالمنع، وهو خلاف قول القاضي. وكل ما لا يدخل في ضمان المشتري
_________________
(١) ١ البخاري: البيوع (٢١٣١) .
[ ٤٦٢ ]
إلا بقبضه، لا يجوز بيعه حتى يقبضه، لا نعلم فيه خلافًا، إلا ما حكي عن البتي: أنه لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه. قال ابن عبد البر: وهذا مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام، وأظنه لم يبلغه الحديث؛ ومثل هذا لا يلتفت إليه.
والبيع بصفة أو رؤية متقدمة من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع. وإن تعيّب في يد البائع أو تلف بعضه بآفة سماوية، خُيّر المشتري بين أخذه ناقصًا وبين الفسخ.
وما عدا المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه، في أظهر الروايتين، وقال الشافعي: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه. ولنا: على جواز التصرف فيه قبل قبضه ما روى ابن عمر قال: "كنا نبيع الإبل في البقيع بالدراهم، فنأخذ بدل الدراهم الدنانير، وبالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم. فسألنا النبي ﷺ فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء"، وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه. وقال ﷺ في البكر: " هو لك يا عبد الله بن عمر، فاصنع به ما شئت". ١
ولنا على أنه إذا تلف فمن مال المشتري: قوله: "الخراج بالضمان"، ٢ وهذا نماؤه له. وأما أحاديثهم، فقد قيل: لم يصح منها إلا حديث الطعام، وهو حجة لنا بمفهومه. وكل عوض ملك بعقد، ينفسخ بهلاكه قبل القبض، لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه. والأجرة وبدل الصلح عن دم العمد، إذا كان من المكيل والموزون أو المعدود، وما لا ينفسخ بهلاكه، يجوز التصرف فيه، كعوض الخلع والعتق على مال، لأن المقتضي للتصرف الملك وقد وجد. لكن ما يتوهم فيه غرر لانفساخه بهلاك المعقود عليه، لم يجز لنا بناء عقد آخر عليه، تحرزًا من الغرر. وما لا يتوهم فيه ذلك، جاز العقد عليه؛ وهذا قول أبي حنيفة، والمهر كذلك، لأنه لا ينفسخ بهلاكه. وقال الشافعي: لا يجوز التصرف فيه قبل
_________________
(١) ١ البخاري: الهبة وفضلها والتحريض عليها (٢٦١١) . ٢ الترمذي: البيوع (١٢٨٥)، والنسائي: البيوع (٤٤٩٠)، وأبو داود: البيوع (٣٥٠٨)، وابن ماجة: التجارات (٢٢٤٣) .
[ ٤٦٣ ]
قبضه، ووافقه أبو الخطاب في غير المتعيّن، لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه، بالرد قبل الدخول، أو انفساخه بسبب من جهة المرأة، أو نصفه بالطلاق، أو سبب من غير جهتها. وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع، وهذا التعليل باطل بما بعد القبض؛ فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول. فإن اشترى اثنان طعامًا فقبضاه، ثم باع أحدهما الآخر نصيبه قبل أن يقسماه، فكرهه الحسن وابن سيرين، لأنه لم يقبض نصيبه مفردًا. ويحتمل الجواز، لأنه مقبوض لهما، يجوز بيعه لأجنبي، فجاز لشريكه. فإن تقاسماه وتفرقا، ثم باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل، لم يجز، كما لو اشترى من رجل طعامًا فاكتاله وتفرقا، ثم باعه إياه بذلك الكيل. وإن لم يتفرقا، خرج على الروايتين.
وكل ما يجوز بيعه قبل قبضه، لا يجوز الشركة فيه، ولا التولية، ولا الحوالة به؛ وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: يجوز هذا كله في الطعام قبل قبضه، لأنه يختص بمثل الثمن الأول، فجاز كالإقالة. ولنا: أن التولية والشركة من أنواع البيع، فيدخل في عموم النهي.
ويحصل القبض فيما بيع بكيل أو وزن، بكيله أو وزنه؛ روي عن أحمد: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز. ولنا: ما روى عثمان مرفوعًا: "إذا بعت فكِلْ، وإذا ابتعت فاكتل". رواه البخاري. وروى ابن ماجة: "أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري"، ١ وهذا فيما بيع كيلًا.
وفي الصبرة وما يُنقل، بالنقل، لحديث ابن عمر، وهو يبين أن الكيل وجب فيما بيع بالكيل، وقد دل على ذلك قوله: "إذا سميت الكيل، فكِل ". ٢ وأجرة الكيال والوزان على البائع، كسقي الثمرة، وأما نقل المنقولات وما أشبهه فعلى المشتري، لأنه لا يتعلق به حق توفية.
_________________
(١) ١ ابن ماجة: التجارات (٢٢٢٨) . ٢ البخاري: البيوع (٢٠٥٤) والذبائح والصيد (٥٤٧٥، ٥٤٧٦)، والترمذي: الصيد (١٤٧١)، والنسائي: الصيد والذبائح (٤٢٦٤، ٤٢٧٤)، وأبو داود: الصيد (٢٨٥٤)، وأحمد (٤/٢٥٦، ٤/٣٨٠) .
[ ٤٦٤ ]
والإقالة فسخ، تجوز قبل القبض، ولا يستحق بها شفعة، ولا تجوز إلا بمثل الثمن. وفيه وجه آخر: أنها تجوز بمثل الثمن الأول وأقل منه.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لو ألحقنا بالعقد خيارًا بعد لزومه لم يلحق، قال في الفائق: يتخرج إلحاقه، وهو المختار. انتهى. وهو رواية في الرعاية وغيرها.
ولا يجوز الخيار مجهولًا، وعنه: يجوز، وهما عليه إلا أن يقطعاه، أو تنتهي مدته. ولو وليت الإجارة العقد، لم يثبت فيها، يعني: خيار الشرط. وقيل: يثبت، قال في الفائق: اختاره شيخنا، وهو المختار.
وقال الشيخ: يثبت خيار الشرط في كل العقود، ولمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه. ونقل أبو طالب: له الفسخ برد الثمن، وجزم به الشيخ كالشفيع. وليس لواحد منهما التصرف في المبيع في مدة الخيار. وقال في القواعد: المنصوص عن أحمد: أن للمشتري التصرف فيه بالاستغلال، وظاهر قوله: ليس لواحد منهما التصرف في المبيع في مدة الخيار، أن للبائع التصرف في الثمن المعين وغيره إذا قبضه، وهو ظاهر كلامه في الشرح والفروع وغيره، لعدم ذكرهم للمسألة.
وأما تصرف المشتري ووطؤه وتقبيله، فهو إمضاء وإبطال لخياره. وعنه: لا يبطل به. وإن أعتقه المشتري نفذ عتقه، وبطل خيارهما. وعنه: لا يبطل خيار البائع، وله الفسخ والرجوع بالقيمة يوم العتق.
قوله في التلقي: وعلموا أنهم قد غبنوا، وعنه: لهم الخيار وإن لم يغبنوا. وثبت للمسترسل الخيار إذا غبن، وهو من المفردات، وعنه: لا يثبت.
ويحرم
[ ٤٦٥ ]
تغرير مشتر، بأن يسومه كثيرًا ليبذل قريبًا منه، ذكره الشيخ. وقال: وإن دلس مستأجر على مؤجر، وغره حتى استأجره بدون القيمة، فله أجرة المثل.
ويرد مع المصراة صاعًا من تمر، وقال الشيخ: يعتبر في كل بلد صاعًا من غالب قوته. ولا يحل تدليس ولا كتمان عيب، قال الشيخ: وكذا لو أعلمه ولم يعلما قدره، وأنه يجوز عقابه بإتلافه، والتصدق به إذا دلسه. قال: والجار السوء عيب، قال أحمد: من اشترى مصحفًا فوجده ينقص الآية والآيتين، ليس هذا عيبًا، لأنه لا يخلو المصحف من هذا.
وقوله: فله الخيار، وعنه: ليس له أرش إلا إذا تعذر رده، اختاره الشيخ. وكذلك يقال في نظائره، كالصفقة إذا تفرقت. وعنه: لا رد ولا أرش لمشتر، وهبة بائع ثمنًا أو براءة منه كمهر، وفي رواية: ولو أسقط المشتري الخيار بعوض بُذل له جاز، وليس من الأرش. ونص أحمد على مثله في خيار المعتقة تحت عبد.
والنماء المتصل للبائع، وقال الشيرازي: للمشتري، اختاره الشيخ، ونص عليه أحمد في رواية ابن منصور. فعلى هذا يقوم على البائع. ووطء الثيب لا يمنع الرد، وعنه: يمنع، اختاره الشيخ. وعنه: عهدة الحيوان ثلاثة أيام، والمذهب: لا عهدة. قال أحمد: لا يصح فيه حديث.
وتقدم أن الشيخ قال: يجبر في خيار العيب على الرد أو الأرش، إن تضرر البائع أي: بالتأخير. وقوله: لم يجز بيعه حتى يقبضه، وعنه: يجوز بيعه لبائعه، اختاره الشيخ.
وجوز التولية فيه والشركة، وخرجه من بيع دين، واختار أيضًا جواز التصرف فيه بغير بيع. وذكر أبو الخطاب رواية: أن المطعوم كالمكيل والموزون، لا يجوز التصرف فيه مطلقًا ولو ضمنه، اختاره الشيخ وقال: عليها تدل أصول أحمد، كتصرف المشتري في الثمرة،
[ ٤٦٦ ]
والمستأجر في العين، مع أنه لا يضمنها. وعكسه كالصبرة المعينة، كما شرط قبضه لصحته، كسلم وصرف.
وما جاز له التصرف فيه فمن ضمانه، إذا لم يمنعه البائع. وقال الشيخ: لا يكون من ضمانه إلا إذا تمكن من قبضه، وقال: ظاهر المذهب: الفرق بين ما تمكن من قبضه وغيره ليس هو الفرق بين المقبوض وغيره. قال في الفروع: كذا قال. ويحرم تعاطيهما عقدًا فاسدًا، فلا يملك به. قال الشيخ: يترجح أنه يملك بعقد فاسد.
[ ٤٦٧ ]