الصلح أنواع: بين المسلمين وأهل الحرب، وبين أهل العدل وأهل البغي، وبين الزوجين. وعن أبي هريرة، مرفوعًا: "الصلح بين المسلمين جائز، إلا صلحًا حرّم حلالًا أو أحلّ حرامًا". ١ صححه الترمذي. وأجمعوا على جواز الصلح في هذه الأنواع، ولكل نوع منها باب يفرد له.
وهذا بين (المختلفين في الأموال)، وهما قسمان:
القسم الأول: صلح على الإقرار، وهو نوعان:
أحدهما: صلح على جنس الحق، مثل أن يقرّ له بديْن فيضع عنه بعضه، أو عين فيهب له بعضها، فيصح إن لم يكن بشرط. قال أحمد: إذا كان للرجل الديْن فوضع بعض حقه وأخذ الباقي، كان ذلك جائزًا لهما. ولو فعل ذلك قاضٍ شافعي لم يكن عليه في ذلك إثم، إذا كان على وجه النظر لهما، "لأن النبي ﷺ قد كلّم غرماء جابر ليضعوا عنه، وفي الذي أصيب في حديقته وهو ملزوم، فأشار إلى غرمائه بالنصف". ولا يصح ممن لا يملك التبرع كولي اليتيم، إلا في حال الإنكار وعدم البينة، لأن استيفاء البعض عند العجز أولى من تركه. وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالًاّ لم يصح، كرهه ابن عمر، وقال: "نهى عمر أن يباع العين بالديْن"، وكرهه ابن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو حنيفة. وروي عن ابن عباس
_________________
(١) ١ الترمذي: الأحكام (١٣٥٢)، وابن ماجة: الأحكام (٢٣٥٣) .
[ ٥٢٥ ]
وابن سيرين والنخعي: "أنه لا بأس به". وعن الحسن وابن سيرين أنهما كانا لا يريان بأسا بالعروض أن يأخذها عن حقه قبل محله. وإذا صالحه عن ألف حالّ بنصفه مؤجل اختيارًا منه، صح الإسقاط، فلم يلزم التأجيل لأن الحال لا يتأجل. ولو صالح عن المائة الثابتة بالإتلاف بمائة مؤجلة، لم تصر مؤجلة، وعنه: أنها تصير مؤجلة. وإن صالح إنسانًا ليقرّ له بالعبودية، أو امرأة لتقرّ له بالزوجية لم يصح، لأنه يحلّ حرامًا، فإن إرقاق الحر نفسه لا يحل بعوض ولا غيره. فإن دفعت المرأة عوضًا عن الدعوى، ففيه وجهان. وإن دفع المدعى عليه العبودية إلى المدعي صلحًا صح، لأنه يجوز أن يعتق عبده بمال.
النوع الثاني: أن يصالحه عن الحق بغير جنسه، فهو معاوضة، مثل أن يقرّ له بمائة درهم، فيصالحه عنها بعشرة دنانير، فهذا يشترط له شروط الصرف، أو يعترف له بعروض فيصالحه على أثمان أو بالعكس، فهذا بيع يثبت فيه أحكامه، أو يصالحه على سكنى دار، أو يعمل له عملًا معلومًا، فتكون إجارة لها حكمها. وإن صالحت المرأة بتزويج نفسها صح. وإذا ادعى زرعًا في يد رجل فأقر له به، ثم صالحه على دراهم، جاز على الوجه الذي يجوز به بيع الزرع.
ويصح الصلح عن المجهول بمعلوم، سواء كان عينًا أو دينًا، إذا كان مما لا سبيل إلى معرفته. وقال ابن أبي موسى: الصلح الجائز هو صلح الزوجة من صداقها الذي لا بيّنة لها به ولا علم لها ولا للورثة بمبلغه، وكذلك الرجلان يكون بينهما المعاملة لا علم لواحد منهما بما عليه لصاحبه، وكذلك من عليه حق لا علم له بقدره، وسواء كان صاحب الحق يعلم قدره ولا بيّنة له أو لا. وقال الشافعي: لا يصح الصلح عن مجهول، لأنه فرع البيع.
[ ٥٢٦ ]
ولنا: قوله ﷺ للذيْن اختصما في مواريث درست: "استهما، وتوخّيا، وليحلل أحدكما صاحبه". ١ رواه أحمد. فأما ما يمكنهما معرفته، أو يعلمه الذي هو عليه ويجهله صاحبه، فلا يصح الصلح عليه مع الجهل. قال أحمد: إن صولحت امرأة من ثمنها لم يصح، واحتج بقول شريح: أيما امرأة صولحت من ثمنها، لم يتبيّن لها ما ترك زوجها، فهي الريبة كلها. قال: وإن ورث قوم مالًا ودورًا أو غير ذلك، فقال بعضهم: نخرجك من الميراث بألف درهم، أكره ذلك. ولا يشترى منها شيئًا وهي لا تعلم، لعلها تظن أنه قليل وهو يعلم أنه كثير. إنما يصالح الرجل الرجل على الشيء لا يعرفه، أو يكون رجل يعلم ما لَه عند رجل، والآخر لا يعلمه، فيصالحه، فأما إذا علم، فَلِمَ يصالحه؟ إنما يريد أن يهضم حقه ويذهب به.
القسم الثاني: أن يدعي عليه عينًا أو ديْنًا فينكره، ثم يصالحه على مال، فيصح ويكون بيعًا في حق المدعي، حتى إن وجد بما أخذه عيبًا فله رده وفسخ الصلح. والصلح على الإنكار صحيح، وبه قال مالك. وقال الشافعي: لا يصح لأنه عاوض عما لا يثبث له. ولنا: عموم قوله: "الصلح بين المسلمين جائز". ٢ فإن قالوا: فقد قال: "إلا صلحًا أحلّ حرامًا "، ٣ وهذا داخل فيه، لأنه لم يكن له أن يأخذ من مال المدعى عليه، فحل بالصلح، قلنا: لا يصح حمل الحديث عليه، لأن هذا يوجد في الصلح بمعنى البيع، فإنه يحل لكل منهما ما كان محرمًا عليه قبله، وكذلك الصلح بمعنى الهبة، ولأنه لو حل به المحرّم لكان صحيحًا، فإن الصلح الفاسد لا يحلّ الحرام، وإنما معناه: توصل به إلى تناول المحرّم مع بقائه على تحريمه، وهم يبيحون لمن له حق يجحده غريمه أن يأخذ من ماله بقدره أو دونه، فلأن يحل برضاه أو بذله أولى. وقولهم:
_________________
(١) ١ البخاري: المظالم والغصب (٢٤٥٨) والشهادات (٢٦٨٠) والحيل (٦٩٦٧) والأحكام (٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥)، ومسلم: الأقضية (١٧١٣)، والترمذي: الأحكام (١٣٣٩)، والنسائي: آداب القضاة (٥٤٠١، ٥٤٢٢)، وأبو داود: الأقضية (٣٥٨٣)، وابن ماجة: الأحكام (٢٣١٧)، وأحمد (٦/٢٠٣، ٦/٢٩٠، ٦/٣٠٧، ٦/٣٠٨، ٦/٣٢٠)، ومالك: الأقضية (١٤٢٤) . ٢ الترمذي: الأحكام (١٣٥٢)، وابن ماجة: الأحكام (٢٣٥٣) . ٣ أبو داود: الأقضية (٣٥٩٤) .
[ ٥٢٧ ]
إنه معاوضة، قلنا: في حقهما أم أحدهما؟ الأول: ممنوع. والثاني: مسلّم. والمدعي يأخذ عوض حقه لعلمه بثبوت، والمنكر يدفع المال لدفع الخصومة واليمين عنه، كشرائه عبدًا شهد بحريته، فهو معاوضة في حق البائع واستنقاذ في حقه. وإذا أخذ المدعي شقصًا في دار أو عقار ثبتت فيه الشفعة، فإن كان أحدهما عالمًا بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه وما أخذه حرام عليه. وإن صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه صح، ولم يرجع عليه. وإن كان المدعى عينًا فقال أجنبي للمدعي: أنا أعلم أنك صادق، فصالحني عنها فإني قادر على استنقاذها، فقال: أصحابنا يصح، وهو مذهب الشافعي. فإن قال للمدعي: أنا وكيل المدعى عليه، وهو مقر لك وإنما يجحدها في الظاهر، فقال القاضي: يصح الصلح، وهو مذهب الشافعي.
ويجوز الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أو لا، فيصح عن دم العمد، وسكنى الدار، وعيب المبيع. ومتى صالح عما يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقل جاز. وإن صالح عن حق الشفعة لم يصح، لأنه حق شرع على خلاف الأصل لدفع ضرر الشركة، فإذا رضي بالتزام الضرر سقط الحق، ولم يجز أخذ العوض عنه، لأنه ليس بمال، فهو كحد القذف. وإن صالحه على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء معلومًا صح، وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره لغير ضرورة، لم يصح إلا بإذنه. وإن كان لضرورة، مثل أن يكون له أرض لها ماء لا طريق له إلا أرض جاره، فهل له ذلك؟ على روايتين: إحداهما: لا يجوز. والأخرى: يجوز، لما روي: "أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى، فكلم فيه عمر. فدعا محمدًا وأمره أن يخلي سبيله. فقال: لا والله.
[ ٥٢٨ ]
فقال له عمر: لِمَ تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع؟ تسقي به أولًا وآخرًا؟ فقال: لا والله. فقال عمر: والله ليمرّنّ به ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر به، ففعل". رواه في الموطإ. وإن صالحه على أن يسقي أرضه من نهره، وقدره بشيء يعلم به، لم يجز؛ ذكره القاضي، لأن الماء ليس بمملوك، ولا يجوز بيعه، ولأنه مجهول. قال: وإن صالحه على سهم من النهر جاز، وكان بيعًا للقرار، والماء تابع له. ويحتمل أن يجوز الصلح على السقي، لأن الحاجة تدعو إليه، والماء مما يجوز أخذ العوض عنه في الجملة.
وإن حصل في هوائه أغصان شجرة غيره، فطالبه بإزالتها، فله ذلك؛ فإن أبى، فله قطعها. وإن صالحه عن ذلك بعوض، فقال أبو الخطاب: لا يصح. وقال ابن حامد وابن عقيل: يجوز. فإن اتفقا على أن الثمرة له أو بينهما، جاز ولم يلزم. نقل عن مكحول أنه قال: أيما شجرة ظللت على قوم، فهم بالخيار بين قطع ما ظلل أو أكل ثمرها. ويحتمل أن لا يصح، وهو قول الأكثر، لأن الثمرة مجهولة وجزؤها مجهول. قال شيخنا: ويقوى عندي أن الصلح هنا يصح، فإن إلزام القطع ضرر كبير، وفي الترك من غير نفع يصل إلى صاحب الهواء ضرر عليه، ولأنه مجرد إباحة كقول كل واحد منهما: اسكن في داري وأسكن في دارك من غير تقدير مدة، أو أبيحك الأكل من بستاني وأبحني الأكل من بستانك. وفيما ذكرنا نظر للفريقين. وكذا الحكم فيما امتد من عروق شجر إنسان إلى أرض جاره، سواء أثرت ضررًا مثل تأثيرها في طي الآبار أو لم تؤثر، فالحكم في قطعه والصلح عنه كالغصن.
ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحًا أو ساباطًا أو دكانًا، سواء كان يضر بالمارة أو لاَ، أذن الإمام أو لم يأذن. وقال ابن عقيل: إن لم يكن فيه ضرر
[ ٥٢٩ ]
جاز بإذن الإمام. وقال مالك والشافعي: يجوز إذا لم يضر بالمارة ولا يملك أحد منعه. فأما الدكان فلا يجوز بناؤه في الطريق، بغير خلاف علمناه، سواء أذن فيه الإمام أو لا، لأنه بناء في ملك غيره بغير إذنه. ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم، ولا إلى درب نافذ، إلا بإذن أهله. وقال مالك والشافعي: "يجوز إخراجه إلى الطريق الأعظم، لحديث عمر لما اجتاز على دار العباس"، ولأن الناس يعملون ذلك في جميع بلاد الإسلام من غير نكير.
ولا يجوز أن يفعل ذلك في ملك إنسان، ولا درب غير نافذ، إلا بإذن أهله، فإن صالح عن ذلك بعوض، جاز في أحد الوجهين.
ولا يجوز أن يحفر في الطريق النافذ بئرًا لنفسه، وإن أراد حفرها للمسلمين أو لنفع الطريق، مثل أن ينزل فيها ماء المطر عن الطريق، نظرنا: فإن كان الطريق ضيقًا أو يخاف سقوط الدابة فيها لم يجز، لأن ضررها أكثر، وإلا جاز. وإن فعله في درب غير نافذ، لم يجز إلا بإذن أهله. وإذا كان ظهر داره في درب غير نافذ، ففتح فيه بابا لغير الاستطراق، جاز لأنه له رفع جميع حائطه فبعضه أولى. قال ابن عقيل: يحتمل ألا يجوز، لأن شكل الباب مع تقادم العهد ربما استدل به على حق الاستطراق، فإن فتحه للاستطراق لم يجز بغير إذنهم، وفيه وجه: أنه يجوز. وإن كان بابه في آخر الدرب، ملَك نقله إلى أوله، ولم يملك نقله إلى داخل منه، في أحد الوجهين.
(فصل): وليس له أن يفتح في حائط جاره ولا الحائط المشترك روزنة ولا طاقًا بغير إذن، ولا يغرز وتدًا، ولا يتصرف فيه بنوع تصرف، إلا بإذن. فأما
[ ٥٣٠ ]
الاستناد إليه وإسناد شيء لا يضره فلا بأس. وليس له وضع خشبة عليه إلا عند الضرورة، بأن لا يمكن التسقيف إلا به. أما وضع خشبة عليه، فإن كان يضر بالحائط فلا يجوز، بغير خلاف، لقوله: "لا ضرر ولا ضرار". ١ وإن كان لا يضرّ به إلا أن به غنى، فقال أكثر أصحابنا: لا يجوز. وهو قول الشافعي، لأنه انتفاعٌ بملك غيره بغير إذنه من غير ضرورة. واختار ابن عقيل جوازه، لقوله ﷺ: "لا يمنعنّ أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره". ٢ متفق عليه. ولا فرق فيما ذكرنا بين البالغ واليتيم والعاقل والمجنون. واختلفت الرواية في وضع خشبة على جدار المسجد.
ولو أراد صاحب الحائط إعارة حائطه أو إجارته على وجه يمنع هذا المستحق من وضع خشبته، لم يملك ذلك. وإذا وجد بناءه أو خشبته على حائط مشترك أو حائط جاره ولم يعلم سببه، فمتى زال فله إعادته، لأن الظاهر أن الوضع بحق من صلح أو غيره. وكذلك لو وجد مسيل مائه في أرض غيره، ومجرى ماء سطحه على سطح غيره، وما أشبه هذا، فهو له لأن الظاهر أنه بحق فجرى مجرى اليد. ومتى اختلفا: هل هو بحق أو عدوان، فالقول قول صاحب الخشب والبناء والسيل مع يمينه. وإن كان بينهما حائط فانهدم، فطالب أحدهما صاحبه ببنائه، أُجبر. وعنه: لا يُجبر. وعليها، ليس له منعه من بنائه. فإن بناه بآلته فهو بينهما، وإن بناه بآلة من عنده فهو له، وليس للآخر الانتفاع. فإن طلب الانتفاع خُير الثاني بين أخذ نصف قيمته وأخذ آلته. وإن لم يكن بين ملكيهما حائط، فطلب أحدهما البناء بين ملكيهما، لم يجبر الآخر، رواية واحدة، وليس له البناء إلا في ملكه. فإن كان السفل لرجل والعلو لآخر، فطلب أحدهما المباناة من الآخر، فامتنع، فهل يجبر؟ على
_________________
(١) ١ ابن ماجة: الأحكام (٢٣٤٠) . ٢ البخاري: المظالم والغصب (٢٤٦٣)، ومسلم: المساقاة (١٦٠٩)، والترمذي: الأحكام (١٣٥٣)، وأبو داود: الأقضية (٣٦٣٤)، وابن ماجة: الأحكام (٢٣٣٥)، وأحمد (٢/٢٧٤)، ومالك: الأقضية (١٤٦٢) .
[ ٥٣١ ]
روايتين. فإن انهدمت حيطان السفل وطالبه صاحب العلو بإعادتها، ففيه روايتان. وإن أراد صاحب العلو بناءه لم يمنع، فإن بناه بآلته فهو على ما كان، وإن بناه بآلة من عنده، فعن أحمد: لا ينتفع به صاحب السفل، يعني: حتى يؤدي القيمة، فيحتمل أنه لا يسكن، وهو قول أبي حنيفة، ويحتمل أنه أراد الانتفاع بالحيطان خاصة من طرح الخشب وسمر الوتد، وهو مذهب الشافعي. فإن طالب صاحب السفل بالبناء، وأبى صاحب العلو، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجبر، وهو قول الشافعي، لأنه ملك صاحب السفل. والثانية: "يجبر على مساعدته والبناء معه"، وهو قول أبي الدرداء، لأنهما يشتركان في الانتفاع به. وإن كان بينهما نهر أو بئر أو دولاب، فاحتاج إلى عمارة، ففي إجبار الممتنع روايتان، بناء على الحائط المشترك، والحكم في الرجوع بالنفقة، حكم الرجوع في النفقة على الحائط على ما مضى.
وليس للرجل التصرف في ملكه بما يتضرر به جاره، وعنه رواية أخرى: لا يمنع، وبه قال الشافعي. ولنا: قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار". ١ وأما دخان الخبز والطبخ، فإن ضرره يسير، ولا يمكن التحرز عنه، فتدخله المسامحة. فإن كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر، فليس لصاحب العلو الصعود على وجه يشرف على جاره، إلا أن يبني سترة تستره. وقال الشافعي: لا يلزمه سترة. ولنا: أنه إضرار بجاره فمنع منه، ودل عليه قوله ﷺ: " لو أن رجلًا اطّلع إليك فحذفته بحصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح" ٢.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لو صالح عن المؤجل ببعضه حالًا لم يصح، وفي الإرشاد رواية: يصح،
_________________
(١) ١ ابن ماجة: الأحكام (٢٣٤٠) . ٢ البخاري: الديات (٦٩٠٢)، ومسلم: الآداب (٢١٥٨)، والنسائي: القسامة (٤٨٦١)، وأبو داود: الأدب (٥١٧٢)، وأحمد (٢/٢٤٣، ٢/٤٢٨) .
[ ٥٣٢ ]
اختاره الشيخ. وذكر أيضًا رواية بتأجيل الحالّ في المعاوضة، لا التبرع. وإن صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه، مثل أن يصالح عن دية الخطإ أو قيمة متلف، لم يصح. واختار الشيخ الصحة كعرض وكمثلى. وذكر المصنف رواية بالصحة، فيما إذا صالح عن مائة ثابتة بالإتلاف بمائة مؤجلة. وقال في صلح الإنكار: واقتصر صاحب المحرر على قول أحمد: إذا صالحه على بعض حقه بتأخير جاز، وعلى قول ابن أبي موسى: الصلح جائز بالنقد والنسيئة. وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره من غير ضرر، لم يجز إلا بإذن. وعنه: يجوز ولو مع حفر، اختاره الشيخ. ونقل أبو الصقر: إذا أساح عينًا تحت أرض، فانتهى حفره إلى أرض أو دار، فليس له منعه من ظهر الأرض ولا بطنها إذا لم يكن عليه مضرة. وذكر الشيخ عن أكثر الفقهاء تغيير صفات الوقف لمصلحته. و"قد زاد عمر وعثمان في مسجد النبي ﷺ وغيّرا بناءه"، ثم عمر بن عبد العزيز، وزاد فيه أبوابًا، ثم المهدي ثم المأمون. وإذا حصل في ملكه أو هوائه أغصان شجرة، لزم المالك إزالته إن طالبه. قال ابن رزين: ويضمن ما تلف به إذا أمر بإزالته فلم يفعل، وكذا قال في المغني والشرح وفي المبهج في الأطعمة: ثمرة غصن في هواء طريق عام للمسلمين.
ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحًا إلخ. وحكي عن أحمد جوازه بلا ضرر، واختاره الشيخ. ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق إلخ. وفي المغني والشرح: احتمال بالجواز مع انتفاء الضرر. وحكي رواية عن أحمد، ذكره الشيخ، وقال: إخراج الميازيب إلى الدرب هو السنة، ولم يذكر أكثر الأصحاب مقدار طول الجدار الذي يشرع عليه الميزاب والساباط إذا قلنا
[ ٥٣٣ ]
بالجواز، لكن حيث انتفى الضرر جاز. وقدم في الرعاية: بحيث يمكن عبور محمل، واختاره الشيخ. وليس له منعه من تعلية داره، ولو أفضى إلى سد الهواء عن جاره، قاله الشيخ.، قال في الفروع: ويتوجه من قول أحمد: لا ضرر ولا ضرار، منعه، قلت: وهو الصواب. وقال الشيخ: ليس له منعه خوفًا من نقص أجرة ملكه بلا نزاع. وقال: العين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة لا يصح أن يرد عليها عقد بيع أو إجارة اتفاقًا. ولو استهدم جدارهما أو خيف ضرره نقضاه، فإن أبى أحدهما أجبره الحاكم. ولو أراد بناء حائط بين ملكيهما لم يجبر الممتنع منهما، رواية واحدة، قاله المصنف ومن تابعه. قال في الفائق: ولم يفرق بعض الأصحاب، اختاره شيخنا يعني به الشيخ. ولو اتفقا على بناء حائط بستان فبنى أحدهما، فما تلف من الثمرة بسبب إهمال الآخر يضمنه الذي أهمل، قاله الشيخ.
[ ٥٣٤ ]