"يستحب الاغتسال له"، لحديث ابن عمر، والمرأة كالرجل لقوله: "افعلي ما يفعل الحاج". ١ و"يستحب أن يدخل من أعلاها من ثنية كداء، ثم يدخل من باب بني شيبة"، لحديث ابن عمر وجابر. وإذا رأى البيت رفع يديه وكبّر، وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حيّنا ربنا بالسلام". رواه الشافعي عن ابن المسيب. وله عن ابن جريج أنه ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: "اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا، ومهابة وبرًا. وزد من شرفه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيما وبرًا". و"يروى رفع اليدين عند رؤية عن ابن عمر وابن عباس"، وكرهه جابر وقال: "حججنا مع رسول الله ﷺ، فلم يكن يفعله". رواه النسائي.
و"يبتدئ بالطواف اقتداء به ﷺ"، ولأنه تحية المسجد الحرام. فإن كان معتمرًا بدأ بطواف العمرة، ولم يحتج لطواف القدوم. ومن دخله وقد قامت الصلاة اشتغل بها، وإن كان مفردًا أو قارنًا بدأ بطواف القدوم، وهو سنة بغير خلاف. ويضطبع بردائه، فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، وبه قال الشافعي وكثير من أهل العلم. وقال مالك: ليس بسنة، ولا يفعله في السعي، وقال الشافعي: يضطبع فيه. قال أحمد: ما سمعنا فيه شيئًا.
ويبتدئ الطواف من الحجر، فيحاذيه
_________________
(١) ١ البخاري: الحيض (٣٠٥)، وأحمد (٦/٢٧٣) .
[ ٣١٥ ]
بجميع بدنه، فإن حاذاه ببعضه احتمل أن يجزئه، ثم يستلمه ويقبّله؛ والاستلام: المسح باليد، لحديث عمر وابن عباس. فإن شق تقبيله استلمه وقبّل يده، لحديث ابن عباس. فإن شق عليه، استلمه بشيء في يده وقبّله، لحديث ابن عباس، رواه مسلم، وإلا قام بحذائه واستقبله بوجهه، وأشار إليه وكبّر. فإن أمكنه استلامه بعصا ونحوها فعل. ويقول عند استلامه ما روى ابن السائب: أنه ﷺ قال عند استلامه: "بسم الله والله أكبر. إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ"؛ ١ يقول ذلك كلما استلمه. فإذا أتى على الركن اليماني استقبله وقبّل يده، ولا يقبّله، وهو قول أكثر أهل العلم. قال ابن عبد البر: أهل العلم يرون تقبيل الأسود دون اليماني، وأما استلامهما فأمر مجمع عليه. وأما العراقي والشامي فلا يسن استلامهما في قول الأكثر.
ويجب الطواف سبعًا، ويرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر، وهو: إسراع المشي مع تقارب الخطا من غير وثب. وهو سنة في الأشواط الثلاثة من طواف القدوم وطواف العمرة للمتمتع، لا نعلم فيه خلافًا. ويمشي أربعة. وقال طاووس وعطاء: يمشي ما بين الركنين، "لأمره ﷺ أصحابه بذلك، وهذا في عمرة القضية، ورمل في حجة الوداع من الحجر إلى الحجر". فإن ترك الرمَل في شوط من الثلاثة أتى به في الاثنين الباقيين، ومن تركه في الاثنين أتى به في الثالث كذلك. قال الشافعي: وإن نسيه لم يعده، وإن تركه عمدًا لم يلزمه شيء به. وقال عامة العلماء وحكي عن الثوري: أن عليه دمًا، لأنه نسك، وجاء: "من ترك نسكًا فعليه دم"، والحديث عن ابن عباس، وقد قال: "من ترك الرمَل فلا شيء عليه"، ثم قد خص بالاضطباع.
ويستحب الدنو من البيت،
_________________
(١) ١ الترمذي: الأضاحي (١٥٢١)، وأبو داود: الضحايا (٢٨١٠) .
[ ٣١٦ ]
فإن كان قربه زحام فظن أنه إذا وقف لم يؤذ أحدًا وتمكن من الرمل، وقف ليجمع بين الرمل والدنو من البيت. وإن لم يظن ذلك، وظن أنه إذا كان في حاشية الناس تمكن من الرمَل فعَل، وكان أولى من الدنو. وإن لم يتمكن أو يختلط بالنساء، فالدنو أولى. ويطوف كيفما أمكنه، فإذا وجد فرجة رمَل فيها، وإن تباعد من البيت، أجزأه ما لم يخرج من المسجد، لحديث أم سلمة.
وكلما حاذى الحجر والركن اليماني استلمهما وأشار إليهما، ويقول كلما دنا من الحجر: "لا إله إلا الله، والله أكبر. إيمانًا بك"، لقول ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر كل طوفة". ١ رواه أبو داود. فإن شق استلامهما أشار إليهما، لحديث ابن عباس. وكلما أتى الركن أشار إليه بيده وكبّر. ويقول بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الآية، ٢ لحديث ابن السائب: أنه سمع النبي ﷺ يقوله بينهما. ويدع الحديث إلا ذكر الله، لقوله: "الطواف بالبيت صلاة، فمن تكلّم فلا يتكلّم إلا بخير". ٣ ولا بأس بقراءة القرآن، وعنه: يكره، وروي عن الحسن ومالك.
والمرأة كالرجل في البداءة بالطواف وفيما ذكر، إلا أنها إذا قدمت مكة نهارًا ولم تخش حيضًا استحب لها تأخير الطواف إلى الليل لأنه أستر. ولا تزاحم الرجال لتستلم الحجر.، قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا رمَل عليهن بين الصفا والمروة، لأن الأصل فيه إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك من النساء، إنما يقصد منهن الستر، وليس عليهن اضطباع. وليس على أهل مكة رمل ولا اضطباع، قال أحمد: ليس عليهم رمل البيت ولا بين الصفا والمروة،
_________________
(١) ١ أبو داود: المناسك (١٨٧٦) . ٢ سورة البقرة آية: ٢٠١. ٣ النسائي: مناسك الحج (٢٩٢٢)، وأحمد (٣/٤١٤، ٤/٦٤) .
[ ٣١٧ ]
وليس في غير هذا الطواف رمل ولا اضطباع. ويصح طواف الراكب لعذر بغير خلاف، وإن كان لغير عذر فعنه: لا يجزئ، لقوله: "الطواف بالبيت صلاة". ١ والثانية: يجزئه وعلية دم. والثالثة: يجزئ بغير دم، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر، وقال: لا قول لأحد مع فعل رسول الله ﷺ. والطواف راجلًا أفضل بغير خلاف، لفعله ﷺ في غير تلك المرة، ولفعل أصحابه، و"حديث أم سلمة يدل على المشي إلا لعذر"، فأما السعي محمولًا وراكبًا فيجزيه، ولو لغير عذر.
والطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحته، وبه قال مالك والشافعي. وعنه: ليس شرطًا بل يجبر بدم. وقال أبو حنيفة: ليس شيء من ذلك شرطًا. ولنا: قوله: "لا يطوف بالبيت عريان"، ٢ وقوله: "غير ألا تطوفي بالبيت". ٣ وإن شك في عدد الطواف بني على اليقين، ذكره ابن المنذر إجماعًا. وإذا أقيمت الصلاة المكتوبة قطع الطواف، فإذا صلى بنى على طوافه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف فيه، إلا الحسن، فإنه قال: يستأنف. وكذا الحكم في الجنازة إذا حضرت. وحكم السعي حكم الطواف فيما ذكرنا، وهو قول الشافعي وأبي ثور وعطاء، ولا نعلم عن غيرهم خلافًا.
و"يستحب أن يصلي بعده ركعتين خلف المقام، يقرأ فيهما بسورة "الإخلاص""، لحديث جابر؛ وحيث ركعهما ومهما قرأ فيهما أجزأه، "لأن عمر ركعهما بذي طوى. ولما طافت أم سلمة لم تصلّ حتى خرجت". ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة. و"كان ابن الزبير يصلي والطواف بين يديه، فتمر المرأة فينتظرها حتى ترفع رجلها، ثم يسجد". وهما سنة مؤكدة، وبه قال مالك. وللشافعي قولان: أحدهما: الوجوب. ولنا: قوله: "لا. إلا أن تطوّع". "فإن صلى المكتوبة بعده
_________________
(١) ١ النسائي: مناسك الحج (٢٩٢٢)، وأحمد (٣/٤١٤، ٤/٦٤) . ٢ البخاري: الصلاة (٣٦٩)، ومسلم: الحج (١٣٤٧)، والنسائي: مناسك الحج (٢٩٥٧، ٢٩٥٨)، وأبو داود: المناسك (١٩٤٦)، وأحمد (٢/٢٩٩)، والدارمي: الصلاة (١٤٣٠) . ٣ البخاري: الحيض (٢٩٤)، والنسائي: الحيض والاستحاضة (٣٤٨) ومناسك الحج (٢٧٤١)، وأبو داود: المناسك (١٧٨٢) .
[ ٣١٨ ]
أجزأت عنهما"، روي عن ابن عباس. وعنه: يصليهما بعد المكتوبة، وبه قال مالك. "ولا بأس أن يجمع بين الأسابيع، ثم يركع لكل أسبوع ركعتين، فعلته عائشة والمسور"، و"كرهه ابن عمر ومالك، لأنه ﷺ لم يفعله".
فإذا ركع ركعتي الطواف وأراد الخروج إلى الصفا عاد إلى الحجر فاستلمه، لفعله ﷺ، وكذلك استحبه مالك والشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا. ثم يخرج إلى الصفا من بابه، ويسعى سبعًا. و"يبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله"، لحديث جابر، ويدعو بما في حديثه. قال أحمد: ويدعو بدعاء ابن عمر. فإن لم يرق على الصفا، فلا شيء عليه.
وحكم المرأة حكم الرجل، إلا أنها لا ترقى لئلا تزاحم الرجال. ثم ينزل فيمشي حتى يأتي العلَم فيسعى سعيًا شديدًا إلى العلَم الآخر. ثم يمشي حتى يأتي المروة، فيفعل عليها ما فعل على الصفا. ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه. يفعل ذلك سبعًا، ويكثر من الدعاء والذكر، لحديث: "إنما جُعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله ". ١ صححه الترمذي.
والرمَل في السعي سنة، لا شيء على تاركه. ويستحب أن يسعى طاهرًا مستترًا متواليًا، وعنه: أن ذلك شرط، والأول قول أكثر أهل العلم، لقوله: "افعلي ما يفعل الحاج، غير ألاّ تطوفي بالبيت". ٢ وإن سعى قبل الطواف لم يصح، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وعنه: يجزيه إن نسي، لقوله في التقدم والتأخر: "لا حرج".
ولا تجب الموالاة بين الطواف والسعي، قال عطاء: لا بأس أن يطوف أول النهار ويسعى آخره. فإذا فرغ المتمتع قصّر من شعره أو حلق وتحلل، إلا إن كان معه هدي، فيقيم على إحرامه. وعنه: له التقصير من شعره خاصة، لحديث معاوية. وقال مالك: له التحلل ونحر هديه عند
_________________
(١) ١ الترمذي: الحج (٩٠٢)، وأبو داود: المناسك (١٨٨٨)، وأحمد (٦/٦٤، ٦/٧٥، ٦/١٣٨)، والدارمي: المناسك (١٨٥٣) . ٢ البخاري: الحيض (٣٠٥)، وأحمد (٦/٢٧٣) .
[ ٣١٩ ]
المروة. ولنا: حديث ابن عمر وعائشة وغيرهما. وعنه فيمن قدم متمتعًا في أشهر الحج وساق الهدي قال: إن دخلها في العشر لم ينحر الهدي إلا يوم النحر، وإن قدم قبل العشر نحر الهدي، وبه قال عطاء، وقال: من لبد أو ضفر فهو بمنزلة من ساق الهدي، لحديث حفصة، والأول أولى، للأحاديث الصحيحة الصريحة.
فأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل، سواء كان معه هدي أو لم يكن، في أشهر الحج أو غيرها، "لأنه ﷺ اعتمر ثلاث عمر، عمرته التي مع حجته، بعضهن أو كلهن في ذي القعدة، وكان يحل". فإن كان معه هدي نحره عند المروة، وحيث نحره من الحرم جاز، لقوله: "فجاج مكة كلها طريق ومنحر". ١ رواه أبو داود. والمستحب للمتمتع إذا حل: التقصير ليؤخر الحلق إلى الحج، ولم يأمر ﷺ أصحابه إلا به، فقال في حديث جابر: "حلّوا من إحرامكم بطواف، وقصِّروا"، ٢ وفي حديث ابن عمر: "من لم يكن معه هدي، فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة، وليقصّر وليحلل". متفق عليه. وإن حلق جاز، لأنه أحد النسكين. فإن ترك الحلق والتقصير، فعليه دم. فإن وطئ قبله فعليه دم، وبه قال مالك وأصحاب الرأي. وحكي عن الشافعي: أن عمرته تفسد. ولنا: قول ابن عباس فيمن وقع عليها زوجها معتمرة، قبل أن يقصر: "من ترك شيئًا من مناسكه أو نسيه، فليهرق دمًا".
والمتمتع يقطع التلبية إذا وصل البيت، وبه قال ابن عباس والشافعي. وعن ابن عمر: "إذا وصل الحرم". ولنا: حديث ابن عباس: "كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر". صححه الترمذي.
_________________
(١) ١ أبو داود: المناسك (١٩٣٧)، وابن ماجة: المناسك (٣٠٤٨)، والدارمي: المناسك (١٨٧٩) . ٢ البخاري: الحج (١٥٦٨) .
[ ٣٢٠ ]
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
إذا رأى البيت رفع يديه وكبر ويدعو، وعند الشيخ: لا. فإذا حاذى الحجر أو بعضه ببعض بدنه، لم يجزه عن ذلك الشوط، وقيل: يجزئ، اختاره الشيخ.
ويستحب استقبالُ الحجر بوجهه، قال الشيخ: هو السنة. ويجعل البيت عن يساره، قال الشيخ: تكون الحركة الدورية يعتمد فيها اليمنى على اليسرى، فلما كان الإكرام ذلك للخارج جعل اليمنى. قوله: ويقول كلما حاذى الحجر: "الله أكبر، ولا إله إلا الله"، وقيل: يكبّر فقط. وقال الشيخ: تستحب القراءة فيه لا الجهر، قال: وليس له القراءة إذا أغلط المصلين، وقال: جنس القراءة أفضل من جنس الطواف. وقال أحمد في الرد على أبي حنيفة: "طاف رسول الله ﷺ على بعيره"، ١ وقال: هو إذا حمل فعليه دم. قوله: أو شاذروان الكعبة، وعند الشيخ: أنه ليس من الكعبة، بل جعل عمادًا للبيت.
وعنه: يصح الطواف من حائض، ويجبر بدم. واختار الشيخ: الصحة فيها، ومن كل معذور، وأنه لا دم على واحد منهم. ولا يشرع تقبيل المقام ولا مسحه، قال في الفروع: إجماعًا. نقل الفضل: يكره مسّه وتقبيله.
_________________
(١) ١ البخاري: الطلاق (٥٢٩٣)، ومسلم: الحج (١٢٧٢)، والنسائي: المساجد (٧١٣) ومناسك الحج (٢٩٥٤)، وأبو داود: المناسك (١٨٧٧)، وابن ماجة: المناسك (٢٩٤٨)، وأحمد (١/٢١٤، ١/٢٣٧، ١/٢٦٤، ١/٣٠٤) .
[ ٣٢١ ]