وعورة الرجل والأمة: ما بين السرة والركبة. وعنه: أنها الفرجان، قال البخاري: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط. وأما الأمة فعورتها: ما بين السرة والركبة، وهو مذهب الشافعي. وقال الحسن في الأمة إذا تزوجت أو اتخذها الرجل لنفسه: يجب عليها الخمار. ولنا: "أن عمر نهى الإماء عن التقنع"، واشتهر فلم ينكر. وذكر أبو الخطاب رواية: أن عورتها: الفرجان، كما ذكر شيخنا في الكتاب المشروح.
والحرة كلها عورة، إلا الوجه. وفي الكفين روايتان.
أما وجه الحرة فإنه يجوز كشفه في الصلاة، بغير خلاف نعلمه. وعنه في الكفين: تكشفهما، وهو قول مالك والشافعي، لما روي عن ابن عباس وعائشة في قوله: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: ١ "الوجه والكفين". وعنه: أنهما من العورة، لقوله ﷺ: "المرأة عورة". ٢ صححه الترمذي. وقول ابن عباس وعائشة خالفه ابن مسعود فقال: "الثياب وما سوى الوجه والكفين، يجب ستره في الصلاة"، وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: القدمان ليسا من العورة، ولنا: قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ٣ وحديث أم سلمة، وفيه: "نعم، إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها"، وما عدا ما ذكر، فعورة بالإجماع، لقوله: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار". ٤
_________________
(١) ١ سورة النور آية: ٣١. ٢ الترمذي: الرضاع (١١٧٣) . ٣ سورة النور آية: ٣١. ٤ الترمذي: الصلاة (٣٧٧)، وأبو داود: الصلاة (٦٤١)، وابن ماجة: الطهارة وسننها (٦٥٥)، وأحمد (٦/١٥٠، ٦/٢١٨، ٦/٢٥٩) .
[ ١٠٥ ]
ويستحب أن يصلي في ثوبين، لقول عمر: "إذا وسّع الله عليكم فوسّعوا، صلّى رجل في إزار ورداء إلخ".
ولا يجزئ إلا ما ستر العورة عن غيره ونفسه، فلو كان القميص واسع الجيب، يرى عورته إذا ركع أو سجد، لم تصح، لقوله: "ازرره، ولو بشوكة". ويجب عليه أن يضع على عاتقه شيئًا من اللباس مع القدرة، اختاره ابن المنذر، وأكثر أهل العلم على خلافه. ولنا: قوله ﷺ: "لا يصلّ الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء". ١ رواه مسلم. وقال القاضي وأبو الخطاب: يجب ستر المنكبين، لقوله: "إذا صلى أحدكم في ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه على عاتقيه". ٢ صحيح.
و"يستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة"، روي ذلك عن عمر وابنه وعائشة. قال أحمد: اتفق عامتهم على درع وخمار، وما زاد فهو خير وأستر. ويكره لها النقاب وهي تصلي، قال ابن عبد البر أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام.
وإذا انكشف من العورة يسير لا يفحش، لم تبطل. وقال التميمي: إن بدت وقتًا واستترت وقتًا لم يعد، لحديث عمرو بن سلمة، فلم يشترط اليسير.
ومن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا، صلى فيه، لأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة. وقال الشافعي: يصلي عريانًا، فإن عدم صلى جالسًا يومئ إيماء، وإن صلى قائمًا جاز. وعنه: يصلي قائمًا ويسجد بالأرض، وقاله مالك والشافعي وابن المنذر، لقوله: "فإن لم تستطع فقاعدًا". ٣ ويصلي العراة جماعة، وإمامهم وسطهم، وقال مالك: يصلون أفرادًا، ويتباعد بعضهم عن بعض، وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة ويقدمهم إمامهم.
ويكره في الصلاة السدل، وهو أن يطرح على كتفيه ثوبًا ولا يرد طرفيه
_________________
(١) ١ البخاري: الصلاة (٣٥٩)، ومسلم: الصلاة (٥١٦)، والنسائي: القبلة (٧٦٩)، وأبو داود: الصلاة (٦٢٦)، وأحمد (٢/٢٤٣، ٢/٢٥٥، ٢/٤٦٤)، والدارمي: الصلاة (١٣٧١) . ٢ البخاري: الصلاة (٣٥٩)، ومسلم: الصلاة (٥١٦)، والنسائي: القبلة (٧٦٩)، وأبو داود: الصلاة (٦٢٦)، وأحمد (٢/٢٥٥)، والدارمي: الصلاة (١٣٧١) . ٣ البخاري: الجمعة (١١١٧)، وأبو داود: الصلاة (٩٥٢) .
[ ١٠٦ ]
على الكتف الأخرى، لقول أبي هريرة: "إنه ﷺ نهى عن السدل في الصلاة". ١ رواه أبو داود. فإن رد أحد طرفيه على الكتف الأخرى، أو ضم طرفيه بيديه، لم يكره. وروي عن جابر وابن عمر: "الرخصة في السدل". قال ابن المنذر: لا أعلم حديثًا يثبت، وحكاه الترمذي عن أحمد.
ويكره اشتمال الصماء، وهو أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره. وعنه: يكره، وإن كان عليه غيره. و"يكره تغطية الأنف، قياسًا على الفم"، روي عن ابن عمر. وعنه: لا يكره لتخصيص النهي بالفم.
ويكره لف الكم، لقوله: "ولا أكف شعرًا ولا ثوبًا". ٢ ويكره شد الوسط بما يشبه شد الزنار، فأما ما لا يشبه فلا يكره. قال أحمد: لا بأس به، أليس قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يصلّ أحدكم إلا وهو محتزم". ٣؟ وسئل عن: الرجل يصلي وعليه القميص، يأتزر بالمنديل فوقه؟ قال: نعم، "فعل ذلك ابن عمر". ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان، لقوله: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة". ٤ وقيل: لا يحرم، لأن في آخر الخبر: "إلا رقمًا في ثوب". متفق عليه.
و"يكره التصليب في الثوب"، لحديث عائشة. وإن لبس الحرير لمرض أو حكة، أو في الحرب، أو لبسه الصبي، فعلى روايتين. و"لا بأس بلبس الخز"، روي عن عمران وأنس وأبي هريرة والحسن بن علي وابن عباس وغيرهم.
ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر، "فأما الأحمر فقيل: يكره، وهو مذهب ابن عمر". والصحيح: لا بأس به، لقوله: "رأيت رسول الله ﷺ في حلة حمراء". ٥ وحديث رافع في إسناده مجهول، ويحتمل أنها معصفرة، ولو قدر التعارض، فأحاديثنا أصح.
_________________
(١) ١ الترمذي: الصلاة (٣٧٨)، وأبو داود: الصلاة (٦٤٣)، وأحمد (٢/٢٩٥)، والدارمي: الصلاة (١٣٧٩) . ٢ البخاري: الأذان (٨١٦)، ومسلم: الصلاة (٤٩٠)، والترمذي: الصلاة (٢٧٣)، والنسائي: التطبيق (١٠٩٣، ١٠٩٦، ١٠٩٧، ١٠٩٨، ١١١٣، ١١١٥)، وأبو داود: الصلاة (٨٨٩، ٨٩٠)، وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (٨٨٣، ٨٨٤، ١٠٤٠)، وأحمد (١/٢٢١، ١/٢٥٥، ١/٢٧٠، ١/٢٧٩، ١/٢٨٥، ١/٢٩٢، ١/٣٠٥، ١/٣٢٤)، والدارمي: الصلاة (١٣١٨، ١٣١٩) . ٣ أحمد (٢/٤٥٨) . ٤ البخاري: بدء الخلق (٣٢٢٥)، ومسلم: اللباس والزينة (٢١٠٦)، والترمذي: الأدب (٢٨٠٤)، والنسائي: الصيد والذبائح (٤٢٨٢) والزينة (٥٣٤٧، ٥٣٤٨، ٥٣٥٠)، وأبو داود: اللباس (٤١٥٣،٤١٥٥)، وابن ماجة: اللباس (٣٦٤٩)، وأحمد (٤/٢٨، ٤/٢٩، ٤/٣٠) . ٥ البخاري: المناقب (٣٥٥١)، ومسلم: الفضائل (٢٣٣٧)، والترمذي: اللباس (١٧٢٤) والمناقب (٣٦٣٥)، والنسائي: الزينة (٥٠٦٠، ٥٠٦٢، ٥٢٣٣، ٥٣١٤)، وأبو داود: الترجل (٤١٨٣)، وأحمد (٤/٢٩٠، ٤/٣٠٠) .
[ ١٠٧ ]
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ولا يلزم سترها بالطين، قال الشيخ: وهو الصواب المقطوع به. وقال: لا يختلف المذهب أن ما بين السرة والركبة من الأمة عورة. وحكى جماعة أصحابنا أنها السوأتان فقط، وهذا غلط قبيح فاحش، خصوصًا وعلى الشريعة عمومًا.
قوله: إلا الوجه، قال الشيخ: التحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر، إذ لم يجز.
وفي الكفين روايتان: الثانية: ليسا بعورة، اختاره الشيخ. واختار أن القدمين ليسا بعورة. ولا يصح نفل آبق، قال الشيخ: بطلان فرضه قوي، ولو غير هيئة مسجد فكغصب. وإن منعه غيره أو زحمه وصلى مكانه، ففي الصحة وجهان، قال الشيخ: الأقوى البطلان.
وقال الشيخ: يحرم لبس شهرة، وهو ما قصد به الارتفاع، أو إظهار التواضع، لكراهة السلف لذلك. وحرم أيضًا الإسراف في المباح. واختار جواز لبس الحرير للكافر. قال: وعلى قياسه: بيع آنية الذهب والفضة لهم، وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعها لبيعها لهم، وعملها لهم بالأجرة، فإذا استوى وما نسج معه فعلى وجهين، قال الشيخ: الأشبه يحرم، لعموم الخبر. انتهى.
وظاهر كلام المصنف: دخول الخز في الخلاف، والصحيح من المذهب: إباحة الخز، نص عليه. وفرّق أحمد بأنه لبس الصحابة، وبأنه لا سرف فيه ولا خيلاء. وقال أبو بكر: يباح العلَم وإن كان مذهّبا، وهو رواية اختارها الشيخ. وقال: إطالة الذؤابة كثيرًا من الإسبال. وقال: الأفضل مع القميص السراويل، من غير حاجة إلى الإزار والرداء.
[ ١٠٨ ]