الأصل في تحريمه: النصُّ والإجماع، ويضمن بمثله كالإحرام. وعن داود: لا جزاء فيه، لأنه لم يرو فيه نص. ولنا: "أن الصحابة قضوا في حمام الحرم بشاة"، ولم ينقل عن غيرهم خلاف. وللصوم مدخل فيه عند الأكثرين، خلافا لأبي حنيفة. وكل ما يضمن في الإحرام يضمن في الحرم، إلا القمل، فإنه يباح في الحرم بغير خلاف.
وأجمعوا على تحريم قطع شجر الحرم البري الذي لم ينبته الآدمي، وعلى إباحة الإذخر، وما أنبته الآدمي من البقول والزرع والرياحين، حكاه ابن المنذر. وما أنبته من الشجر فقيل: له قلعه من غير ضمان، وقال الشافعي: الجزاء بكل حال، أنبته الآدمي أو نبت بنفسه، لعموم قوله: "لا يُعضد شجرها". ١ ويحرم قطع الشوك والعوسج، وعن الشافعي: لا يحرم، لأنه يؤذي، أشبه السباع. ولنا: قوله: "لا يُعضد شجرها"، ٢ وفي لفظ: "لا يُختلى شوكها". ٣ ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش، لأنه بمنزلة الميت، ولا يقطع ما انكسر ولم يبِن، لأنه قد تلف.
ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي، ولا فيما سقط، ولا نعلم فيه خلافًا، لأن الجزاء إنما ورد في القطع؛ وأما إذا قطعه الآدمي، فقال أحمد: من شبهه بالصيد لم ينتفع بحطبها، وليس له أخذ ورق الشجر. وقال الشافعي: له أخذه. ولنا: قوله: "لا يُخبط
_________________
(١) ١ البخاري: العلم (١١٢)، ومسلم: الحج (١٣٥٥)، وأبو داود: المناسك (٢٠١٧)، وأحمد (٢/٢٣٨)، والدارمي: البيوع (٢٦٠٠) . ٢ البخاري: العلم (١١٢)، ومسلم: الحج (١٣٥٥)، وأبو داود: المناسك (٢٠١٧)، وأحمد (٢/٢٣٨)، والدارمي: البيوع (٢٦٠٠) . ٣ البخاري: العلم (١١٢)، ومسلم: الحج (١٣٥٥) .
[ ٣١٢ ]
شوكها، ولا يُعضد شجرها". ١ رواه مسلم. وفي رعي الحشيش وجهان: أحدهما: لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة. والثاني: يجوز، وهو مذهب الشافعي، لأن الهدايا لم ينقل سدّ أفواهها.
ويباح أخذ الكمأة منه، لأنه يشبه الثمرة. ويجب ضمان شجر الحرم وحشيشة [وبه قال الشافعي] . ٢ وقال مالك: لا يضمن. قال ابن المنذر: لا أجد دلالة أوجب بها في شجر الحرم فرضًا من كتاب الله ولا سنة ولا إجماع، وأقول كما قال مالك: يستغفر الله تعالى. ويكره إخراج تراب الحرم وحصاه، "لأن ابن عمر وابن عباس كرهاه"، ولا يكره إخراج ماء زمزم.
وصيد المدينة وشجرها وحشيشها حرام، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يحرم، لأنه لو حرم لبين بيانًا عامًا ولوجب فيه الجزاء. ولنا: حديث علي وابن زيد وأبي رافع وأبي هريرة، متفق عليه. رواه مسلم عن سعد وجابر وأنس؛ وهذا يدل على تعميم البيان، وليس هو في الدرجة دون أخبار تحريم الحرم. وقد أثبتوه على أنه ليس بممتنع أن بينه بيانًا خاصًا أو بينه بيانًا عامًا، فبنقل خاص كصفة الأذان والوتر والإقامة.
ويفارق حرم مكة في شيئين:
أحدهما: أنه يجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه، من المساند والوسائد والرحل، ومن حشيشها ما يحتاج إليه للعلف، لما روى أحمد عن جابر: أنه لما حرّم المدينة قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا، فرخص لنا. فقال: "القائمتان والوسادة والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيئًا". قيل: المسند: مردود البكرة. وفي حديت علي: "إلا أن يعلف رجل بعيره". رواه أبو داود،
_________________
(١) ١ البخاري: العلم (١١٢) وفي اللقطة (٢٤٣٤) والديات (٦٨٨٠)، ومسلم: الحج (١٣٥٥) . ٢ ما بين القوسين ساقط من الطبعة السلفية.
[ ٣١٣ ]
الثاني: أن من صاد صيدًا خارجه، ثم أدخله إليها، يلزمه إرساله، لقوله ﷺ: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ "، ١ وهو طائر صغير. ولا جزاء في صيد المدينة في قول الأكثر، وعنه: فيه الجزاء، وهو قول الشافعي في القديم، لقوله: "مثل ما حرّم إبراهيم مكة"، ٢ وجزاؤه: إباحة سلب الفاعل لمن أخذه، لحديث سعيد، رواه مسلم. وإن لم يسلبه أحد، فلا شيء عليه إلا التوبة.
وحدّ حرمها: ما بين ثور إلى عير، وهو ما بين لابتيها، وهو بريدٌ في بريد، كذا فسره مالك. ولا يحرم صيد وج ولا شجره، وقال أصحاب الشافعي: "يحرم"، للحديث؛ وقد ضعفه أحمد.
_________________
(١) ١ البخاري: الأدب (٦١٢٩)، ومسلم: الآداب (٢١٥٠)، والترمذي: الصلاة (٣٣٣) والبر والصلة (١٩٨٩)، وأبو داود: الأدب (٤٩٦٩)، وابن ماجة: الأدب (٣٧٢٠، ٣٧٤٠)، وأحمد (٣/١١٤، ٣/١١٩، ٣/١٧١، ٣/١٨٨، ٣/١٩٠، ٣/٢٠١، ٣/٢١٢، ٣/٢٢٢، ٣/٢٧٨، ٣/٢٨٨) . ٢ البخاري: الجهاد والسير (٢٨٩٣) .
[ ٣١٤ ]