وهو على ضربين: حجر على الإنسان لحظ نفسه، وحجر لحق غيره، كالمريض والراهن والمفلس، وهو المذكور هنا. ومن لزمه ديْن مؤجل لم يطالب به قبل أجله، ولم يحجر عليه من أجله؛ فإن كان بعضه حالًا وماله يفي بالحال لم يحجر عليه أيضًا. وقال بعض أصحاب الشافعي: إن ظهرت أمارات الفلس، ككون ماله بإزاء ديْنه، ولا نفقة له إلا من ماله، حجر عليه. فإن أراد سفرًا يحل الديْن قبل مدته، فلغريمه منعه، إلا أن يوثقه برهن أو كفيل. فإن كان لا يحل قبله، ففي منعه روايتان. فإن كان إلى الجهاد، فله منعه إلا بضمين أو رهن، لأنه يتعرض فيه لذهاب نفسه. وقال الشافعي: ليس له منعه من السفر، ولا المطالبة بكفيل، إذا كان مؤجلًا، سواء كان يحل قبل محل سفره أو لاَ، إلى الجهاد أو غيره. ولنا: أنه سفر يمنع استيفاء الدين في محله، فملك منعه إذا لم يوثقه. وإن كان حالًا وله ما يفي به، لم يحجر عليه لعدم الحاجة، ويأمره الحاكم بالوفاء؛ فإن أبى حبسه، لقوله: "ليُّ الواجد ظلم يُحلّ عِرضه وعقوبته". ١ رواه أحمد. فإن أصر باعه الحاكم وقضى ديْنه، وهذا مذهب الشافعي وأبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: ليس له بيع ماله، لكن يجبره على البيع وإلا حبسه ليبيع، إلا أن يكون عليه أحد النقدين وماله من الآخر، فيدفع أحدهما عن الآخر. ولنا: "أنه ﷺ حجر على معاذ، وباع ماله في ديْنه". رواه الخلال. وعن عمر أنه خطب فقال: "إن
_________________
(١) ١ النسائي: البيوع (٤٦٨٩)، وأبو داود: الأقضية (٣٦٢٨)، وابن ماجة: الأحكام (٢٤٢٧)، وأحمد (٤/٣٨٨) .
[ ٥٣٥ ]
أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج فأدان معرضًا، فأصبح وقد رين به. فمن كان عليه مال فليحضر غدًا، فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه". وإن ادعى الإعسار، وكان ديْنه عن عوض كالبيع والقرض أو عرف له مال سابق، حبسه إلى أن يقيم البينة على نفاد ماله أو إعساره، وهل يحلف معها؟ على وجهين. وإن لم يكن كذلك حلف وخلي سبيله. قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الديْن. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس، وبه قال الليث. وحكي عن مالك: لا تسمع البينة على الإعسار، لأنها شهادة على النفي. ولنا: حديث قبيصة، وفيه: "حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة". ١ وتسمع البينة في الحال، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يحبس شهرًا، وقيل: ثلاثة أشهر، وروي أربعة، حتى يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال لأظهره. فإن قال الغريم: أحلفوه لي مع بينته أنه لا مال له، لم يستحلف. وفيه وجه آخر: أنه يستحلف، لأنه يحتمل أن يكون له مال خفي. فإن كان الحق ثبت عليه في غير مقابلة مال أخذه، كأرش جناية، ومهر، وضمان، ولم يعرف له مال، حلف وخلي سبيله؛ وهذا قول الشافعي وابن المنذر، فإنه قال: العقوبة حبس، ولم نعلم له ذنبًا، والأصل عدم ماله. ومتى ثبت إعساره عند الحاكم، لم يجز مطالبته، ولا ملازمته. وقال أبو حنيفة: لغرمائه ملازمته من غير أن يمنعوه من الكسب، لقوله: لصاحب الحق اليد واللسان. ولنا: أن من ليس لصاحب الحق مطالبته، لم تكن له ملازمته،
_________________
(١) ١ مسلم: الزكاة (١٠٤٤)، وأحمد (٣/٤٧٧) .
[ ٥٣٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ . ١ والحديث فيه مقالة، قاله ابن المنذر. ثم يحمل على الموسر بدليل ما ذكرنا. وفي حديث الذي أصيب في ثماره: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك ". ٢ رواه مسلم. وإن كان له مال لا يفي بدينه فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمه إجابتهم. ويستحب إظهار الحجر عليه والإشهاد عليه، لتجتنب معاملته.
(فصل): ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام:
أحدها: تعلق حق الغرماء بماله، فلا يصح تصرفه فيه، ولا يقبل إقراره عليه إلا العتق، على إحدى الروايتين. فإن أقر بدين تبع به بعد فك الحجر عنه، وهو قول مالك والشافعي في قول. وقال في آخر: يشاركهم، اختاره ابن المنذر، والأخرى: لا ينفذ عتقه، وبه قال مالك والشافعي، وهو أصح، إن شاء الله. فإن تصرف في ذمته بشراء أو إقرار أو ضمان صح، ويتبع به بعد فك الحجر عنه. وإن جنى شارك المجني عليه الغرماء. وإن جنى عبده قدم المجني عليه بثمنه.
الثاني: "أن من وجد عنده عينًا باعه إياها، فهو أحق بها بشرط كون المفلس حيًا ولم ينقد من ثمنها شيئًا، والسلعة قائمة بحالها لم يتلف بعضها، ولم تتغير صفتها بما يزيل اسمها"؛ روي ذلك عن عثمان وعلي؛ وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر. وقال الحسن وأبو حنيفة: هو أسوة الغرماء، ولنا: قوله: "من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به". ٣ متفق عليه. فإن بذل
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٨٠. ٢ مسلم: المساقاة (١٥٥٦)، والترمذي: الزكاة (٦٥٥)، والنسائي: البيوع (٤٥٣٠، ٤٦٧٨)، وأبو داود: البيوع (٣٤٦٩)، وابن ماجة: الأحكام (٢٣٥٦)، وأحمد (٣/٣٦، ٣/٥٨) . ٣ البخاري: في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (٢٤٠٢)، ومسلم: المساقاة (١٥٥٩)، والترمذي: البيوع (١٢٦٢)، والنسائي: البيوع (٤٦٧٦)، وأبو داود: البيوع (٣٥١٩، ٣٥٢٣)، وابن ماجة: الأحكام (٢٣٥٨)، وأحمد (٢/٢٢٨، ٢/٢٥٨، ٢/٣٨٥، ٢/٤١٠)، ومالك: البيوع (١٣٨٣)، والدارمي: البيوع (٢٥٩٠) .
[ ٥٣٧ ]
الغرماء الثمن لم يلزمه قبوله. وقال مالك: لا رجوع له. ولنا: الخبر الذي روينا. فإن اشترى المفلس من إنسان في ذمته وتعذر الاستيفاء، لم يكن له الفسخ، سواء علم أو لم يعلم، لأنه لا يستحق المطالبة بثمنها، فلا يستحق الفسخ لتعذره. وقيل: له الخيار لعموم الخبر. وفيه وجه ثالث: أنه إن كان عالمًا بفلسه فلا فسخ، وإلا فله. ومن استأجر أرضًا للزرع فأفلس قبل مضي شيء من المدة، فللمؤجر الفسخ. وإن كان بعدها فهو غريم. وإن كان بعد مضي بعضها، لم يملك الفسخ. ولو اكترى من يحمل له متاعًا إلى بلد ثم أفلس المكتري قبل حمل شيء، فللمكري الفسخ. وإن حمل البعض أو بعض المسافة، لم يكن له الفسخ، في قياس المذهب.
فإن أقرض رجلًا مالًا ثم أفلس المقترض وعين ماله قائمة، فله الرجوع فيها، للخبر. وإنما يستحق الرجوع بشروط خمسة:
(أحدها): أن يكون المفلس حيًا، فإن مات فهو أسوة الغرماء. وقال الشافعي: له الرجوع، لما روى أبو داود عن أبي هريرة، مرفوعًا: "أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه". ١ ولنا: ما روى أبو داود في حديث أبي هريرة: "فإن مات، فصاحب المتاع أسوة الغرماء". ٢ وحديثهم مجهول الإسناد، قاله ابن المنذر. وقال ابن عبد البر: يرويه أبو المعتمر عن الزرقي، ثم هو غير معمول به إجماعًا، فإنه جعل المتاع لصاحبه لمجرد موت المشتري، من غير شرط آخر.
_________________
(١) ١ البخاري: في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (٢٤٠٢)، ومسلم: المساقاة (١٥٥٩)، والترمذي: البيوع (١٢٦٢)، والنسائي: البيوع (٤٦٧٦)، وأبو داود: البيوع (٣٥١٩، ٣٥٢٣)، وابن ماجة: الأحكام (٢٣٦٠)، وأحمد (٢/٢٥٨، ٢/٤١٠، ٢/٤١٣، ٢/٤٦٨، ٢/٤٧٤، ٢/٤٨٧)، ومالك: البيوع (١٣٨٣)، والدارمي: البيوع (٢٥٩٠) . ٢ أبو داود: البيوع (٣٥٢٠)، وابن ماجة: الأحكام (٢٣٥٩، ٢٣٦١) .
[ ٥٣٨ ]
(الثاني): ألا يكون البائع قبض شيئًا وإلا سقط الرجوع، وبه قال إسحاق والشافعي في القديم. وقال في الجديد: له أن يرجع في قدر ما بقي من الثمن. وقال مالك: إن شاء رد ما قبض ورجع في العين، وإن شاء حاصَّ الغرماء. ولنا: في حديث أبي هريرة: "أيما رجل أفلس، فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئًا، فهو له". ١ رواه أحمد، ولفظ أبي داود "وإن كان قبض من ثمنها شيئًا، فهو أسوة الغرماء". ٢ فإن قيل: يرويه أبو بكر بن عبد الرحمن مرسلًا، قلنا رواه مالك وموسى بن عقبة عن الزهري عن أبي هريرة، كذلك أخرجه أبو داود.
(الثالث): أن تكون باقية لم يتلف منها شيء، وبه قال إسحاق. وقال مالك والشافعي: له الرجوع في الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف. ولنا: قوله: "من أدرك متاعه بعينه"، وهذا لم يجده بعينه. وإن كان المبيع عينًا كثوبين، ففي جواز الرجوع في الباقي منهما روايتان. وإن تغيرت بما يزيل اسمها، كطحن الحنطة ونسج الغزل وتقطيع الثوب قميصًا، سقط الرجوع. وقال الشافعي: فيه قولان: أحدهما: به أقول: يأخذ عن ماله، ويعطي قيمة عمل المفلس.
(الرابع): أن لا يتعلق بها حق الغير، فإن رهنها لم يملك الرجوع، لقوله: "عند رجل قد أفلس"، وهذا لم يجده عنده، وهذا لا نعلم فيه خلافًا.
(الخامس): أن لا يكون زاد زيادة متصلة كالسمن، وعنه: لا تمنع، وهو مذهب مالك، لأنه يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها به. فأما الزيادة المنفصلة والنقص بهزال، فلا تمنع الرجوع والزيادة للمفلس. وعنه:
_________________
(١) ١ أحمد (٢/٥٢٥) . ٢ ابن ماجة: الأحكام (٢٣٥٩) .
[ ٥٣٩ ]
للبائع. وقوله: "الخراج بالضمان" ١ يدل على أن النماء والغلة للمشتري. وإن اشترى زيتًا فخلطه بزيت آخر، سقط الرجوع، وقال مالك: يأخذ أرشه. وقال الشافعي: إن خلطه بمثله أو دونه، لم يسقط الرجوع، ويأخذ متاعه بالكيل أو الوزن. وإن خلطه بأجود منه، ففيه قولان: أحدهما: يسقط حقه، وبه أقول. انتهى. ولنا: أنه لم يجد عين ماله، وإنما يأخذ عوضه كالثمن. وإن قصر الثوب، فإن لم تزد قيمته فللبائع الرجوع. وإن زادت فلا رجوع. وقال القاضي: له الرجوع، لأنه متاعه بعينه. فعلى قولهم، إن كانت القصارة بعمل المفلس أو بأجرة وفاها، فهما شريكان فيه. فإذا كان قيمته خمسة فساوى ستة، فللمفلس سدسه. فإن اختار البائع دفع قيمة الزيادة إلى المفلس، لزمه قبولها، لأنه يتخلص من ضرر الشركة من غير مضرة. وإن لم يختر البيع، أخذ كل واحد بقدر حقه. وإن كان العمل من صانع لم يستوف أجره، فله حبس الثوب على استيفاء أجره. فإن كانت الزيادة بقدر الأجر دفعت إليه. وإن كانت أقل فله حبس الثوب على استيفاء قدر الزيادة، ويضرب مع الغرماء بما بقي. وإن كانت أكثر فله قدر أجره، وما فضل للغرماء. فإن اشترى أمة حائلًا، فحملت ثم أفلس، فزادت قيمتها بالحمل، فهي زيادة متصلة تمنع الرجوع، على قول الخرقي، ولا تمنعه، على رواية الميموني. وإن أفلس بعد الوضع، فهي منفصلة، فتكون للمفلس، ويمتنع الرجوع في الأم لما فيه من التفريق بينهما. ويحتمل أن يرجع في الأم على ما ذكرنا في التي قبلها، ويدفع قيمة الولد. وعلى قول أبي بكر: الزيادة للبائع، فيكون له الرجوع.
(فصل): فإن كان المبيع شجرًا، لم يخل من أربعة أحوال:
_________________
(١) ١ الترمذي: البيوع (١٢٨٥)، والنسائي: البيوع (٤٤٩٠)، وأبو داود: البيوع (٣٥٠٨)، وابن ماجة: التجارات (٢٢٤٣) .
[ ٥٤٠ ]
(أحدها): أن يفلس وهي بحالها، فله الرجوع.
(الثاني): أن يكون فيها ثمر ظاهر فيشترطه المشتري فيأكله أو يتصرف فيه، أو يذهب بجائحة ثم يفلس، فهل للبائع الرجوع في الأصول، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف؟ على روايتين. وتلف بعضها كجميعها. وإن زادت فهي متصلة في أحد العينين، قد ذكرنا حكمها.
(الثالث): أن يبيعه شجرًا فيه ثمرة لم تظهر، فإن أفلس بعد تلف الثمرة أو بعضها، فحكمه كتلف بعض المبيع وزيادته المتصلة؛ ولهذا دخل في مطلق البيع، بخلاف التي قبلها.
(الرابع): باعه شجرة حائلًا فأثمرت، فإن أفلس قبل التأبير، فالطلع زيادة متصلة تمنع الرجوع؛ ويحتمل أن يرجع في النخل دون الطلع. وعلى رواية الميموني: يرجع والطلع للبائع. والقول الثاني: يرجع في الأصل دون الطلع. وإن أفلس بعد التأبير، فلا يمنع الرجوع، والطلع للمشتري، إلا على قول أبي بكر. ولو باعه أرضًا فارغة فزرعها المشتري، رجع في الأصل دون الزرع، قولًا واحدًا. وإن أفلس والطلع غير مؤبر، فلم يرجع حتى أبر، لم يكن له الرجوع، لأن العين لا تنتقل إلا باختياره، ولم يختر إلا بعد التأبير. وإن أفلس بعد أخذ الثمرة أو ذهابها بجائحة، فله الرجوع في الأصل، والثمرة للمشتري، إلا على قول أبي بكر. وكل موضع لا يتبع الثمر الشجر إذا رجع البائع فيه، فليس له المطالبة بقطعه قبل أوان الجذاذ؛ وكذلك إذا رجع في الأرض المزروعة، لأنه زرع بحق، وليس عليه أجرة، لأنه يجب تبقيته، وكأنه استوفى منفعة الأرض فلم يكن عليه ضمان. فإن اتفق المفلس والغرماء على التبقية
[ ٥٤١ ]
أو القطع فلهم ذلك؛ وإن اختلفوا وطلب بعضهم القطع وكانت قيمته يسيرة، لم يقطع لأنه إضاعة مال، وقد نهي عنه. وإن كانت قيمته كثيرة، قدم قول من طلب القطع، لأنه إن كان المفلس فهو يطلب براءة ذمته، وإن كان الغرماء فهم يطلبون تعجيل حقوقهم. وقيل: ينظر ما فيه الحظ فيعمل به، لأنه أنفع للجميع. فإن أقر الغرماء بالطلع للبائع، أو شهدوا به فردت شهادتهم، حلف المفلس وثبت الطلع له دونهم، لأنهم أقروا أنه لا حق لهم فيه. فإن أراد دفعه إلى أحدهم أو تخصيصه بثمنه، فله ذلك لإقرارهم. فإن امتنع الغريم من قبوله، أُجبر عليه أو على الإبراء من قدره من ديْنه. وإن أراد قسمه عليهم، لزمهم قبوله أو الإبراء. فإن قبضوا الثمرة لزمهم ردها إلى البائع؛ فإن باعها وقسم ثمنها فيهم أو دفعه إلى بعضهم، لم يلزمهم رده، لأنهم اعترفوا بالعين لا بثمنها. وإن عرض عليهم الثمرة بعينها، لم يلزمهم أخذها، إلا أن يكون فيهم من له من جنسها، فيلزمه أخذها، لأنه بصفة حقه. فإن صدق المفلس البائع في الرجوع قبل التأبير، وكذبه الغرماء، لم يقبل إقراره وعليهم اليمين أنهم لا يعلمون رجوعه قبله، لأن اليمين في حقهم ابتداء، بخلاف ما لو ادعى حقًا وأقام شاهدًا لم يكن لهم أن يحلفوا مع الشاهد، فلا يحلفون لإثبات حق غيرهم.
وإن غرس الأرض أو بنى فيها، فله الرجوع ودفع قيمة ما فيها، إلا أن يختار المفلس والغرماء القلع ومشاركته بالنقص. فإذا قلعوه، فله الرجوع في أرضه. ويحتمل أن لا يستحق الرجوع إلا بعد القلع، لأنه أدرك متاعه مشغولًا. فإن قلنا: له حق الرجوع قبله، لزمهم تسويتها وأرش النقص، كما لو دخل فيلًا دار إنسان فكبرُ، فأراد صاحبه إخراجه فلم يمكن إلا بهدم فيهدم،
[ ٥٤٢ ]
ويضمن صاحبه النقص، بخلاف النقص في ملك المفلس. وإن قلنا: ليس له الرجوع قبل القلع، لم يلزمهم تسوية الحفر ولا أرش النقص. فإن امتنعوا من القلع لم يجبروا، لأنه غرس بحق. ومفهوم: "ليس لعرق ظالم حق" ١ أنه إذا لم يكن ظالمًا فله حق. فإن بذل البائع قيمة الغرس والبناء ليملكه، أو قال اقلع وأضمن النقص، فله ذلك إن قلنا: له الرجوع قبل القلع، كالشفيع إذا أخذ الأرض وفيها غراس. وإن قلنا: ليس له الرجوع قبل القلع، لم يكن له ذلك، لأنه بناء المفلس وغرسه، فلم يجبر على بيعه وقلعه، كما لو لم يرجع في الأرض. وإذا أفلس وفي يده عين ديْن بائعها مؤجل، وقلنا: لا يحل الديْن بالفلس، فقال أحمد: يكون موقوفًا إلى أن يحل ديْنه، فيختار البائع الفسخ أو الترك. وقال الشافعي: تباع في الديون الحالّة، والأول أولى للخبر.
(فصل):
(الحكم الثالث): بيع الحاكم ما له وقسم ثمنه، لما ذكرنا من حديث معاذ. ويستحب إحضار المفلس والغرماء، لأنه أطيب لقلوبهم، ويأمرهم أن يقيموا مناديًا ينادي على المتاع. فإن تراضوا ثقة أمضاه، وإلا رده. فإن قيل: لم يرده، وقد اتفقوا عليه، فأشبه اتفاق الراهن والمرتهن على أن يبيع غير ثقة، قلنا: الحاكم هنا له نظر، لأنه قد يظهر غريم آخر. ولا تباع داره التي لا غنى له عنها، وبه قال إسحاق. وقال مالك: تباع ويكتري له بدلها، اختاره ابن المنذر، لقوله: "خذوا ما وجدتم"، وينفق عليه بالمعروف من ماله إلى أن يقسم، إلا إن كان ذا كسب، كقوله: "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول". ٢ وممن أوجب الإنفاق عليه وزوجته وأولاده: مالك والشافعي، ولا نعلم فيه
_________________
(١) ١ الترمذي: الأحكام (١٣٧٨)، وأبو داود: الخراج والإمارة والفيء (٣٠٧٣) . ٢ البخاري: الزكاة (١٤٢٦)، والنسائي: الزكاة (٢٥٣٤)، وأبو داود: الزكاة (١٦٧٦)، وأحمد (٢/٢٣٠، ٢/٢٤٥)، والدارمي: الزكاة (١٦٥١) .
[ ٥٤٣ ]
خلافًا. وتجب كسوتهم، قال أحمد: يترك له قدر ما يقوم به معاشه، ويباع الباقي. وهذا في حق الشيخ الكبير وذوي الهيئات الذين لا يمكنهم التصرف بأبدانهم. ومن استأجر دارًا وبعيرًا أو غيرهما ثم أفلس المؤجر، فالمستأجر أحق بالعين حتى يستوفي حقه، لا نعلم فيه خلافًا. ومن مات وعليه دين مؤجل، لم يحل إذا وثق الورثة، وعنه: يحل. وهل يمنع الديْن انتقال التركة إلى الورثة؟ على روايتين: إحداهما: لا يمنع، للخبر: " من ترك مالًا، فلورثته". ١ والثانية: يمنع، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . ٢ وهل يجبر على إيجار نفسه لوفاء دينه؟ على روايتين: إحداهما: لا يجبر، لقوله: "وليس لكم إلا ذلك". والثانية: يجبر، وهو قول عمر بن عبد العزيز، "لأنه ﷺ باع سرقًا في ديْنه". رواه الدارقطني من رواية خالد بن مسلم الزنجي، وفيه كلام. والحر لا يباع، ثبت أنه باع منافعه. ومتى فك الحجر عنه، فلزمته ديون وظهر له مال فحجر عليه، شاركهم غرماء الحجر الأول. وقال مالك: لا يدخلون حتى يستوفي الذين تجددت حقوقهم، إلا أن يكون له فائدة من ميراث، أو يجنى عليه جناية.
(الحكم الرابع): انقطاع المطالبة عن المفلس، فمن أقرضه أو باعه شيئًا، لم يملك مطالبته حتى يفك الحجر عنه.
(فصل): الضرب الثاني المحجور عليه لحظّه، وهو الصبي والمجنون والسفيه.
_________________
(١) ١ البخاري: الحوالات (٢٢٩٧)، ومسلم: الفرائض (١٦١٩)، والترمذي: الجنائز (١٠٧٠)، والنسائي: الجنائز (١٩٦٣)، وأبو داود: الخراج والإمارة والفيء (٢٩٥٥)، وابن ماجة: الأحكام (٢٤١٥)، وأحمد (٢/٢٩٠، ٢/٤٥٣) . ٢ سورة النساء آية: ١١.
[ ٥٤٤ ]
والأصل فيه قوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية. ١ قال سعيد وعكرمة: هو مال اليتيم، لا تؤته إياه وأنفق عليه. فلا يصح تصرفهم قبل الإذن. ومن دفع إليهم ماله ببيع أو قرض رجع فيه ما كان باقيًا. فإن أتلفه واحد منهم فمن ضمان مالكه، لأنه سلطه عليه برضاه، علِم بالحجر أو لم يعلم. فإن حصل في يده برضى صاحبه من غير تسليط كالوديعة والعارية، فاختار القاضي أنه يلزم الضمان إن أتلفه أو تلف بتفريطه؛ ويحتمل أن لا يضمن. وأما ما أخذه بغير اختيار المالك كالغصب والجناية فعليه ضمانه، وكذلك الحكم في الصبي والمجنون. ومذهب الشافعي على ما ذكرنا. فإن أودع عند الصبي والمجنون أو أعارهما، فلا ضمان عليهما فيما تلف، وإن أتلفاه فوجهان، نذكرهما في الوديعة. وإذا عقل المجنون انفك الحجر بلا حكم حاكم، بغير خلاف، وكذا الصبي إذا رشد وبلغ؛ وقال مالك: لا يزول إلا بحكم حاكم لأنه موضع اجتهاد. ولنا: قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ ٢.
فالحجر ثلاثة أقسام: قسم يزول بغير حاكم وهو الجنون، وقسم لا يزول إلا بحكمه وهو الحجر للسفه، وقسم فيه الخلاف وهو الحجر للصغر، ولا يدفع إليه ماله قبل الرشد ولو صار شيخًا. قال ابن المنذر: أكثر علماء الأمصار يرون الحجر على كل مضيع لماله، صغيرًا كان أو كبيرًا؛ وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة فكّ عنه الحجر ودفع إليه ماله، لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ . ٣ ولنا: قوله:
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٥. ٢ سورة النساء آية: ٦. ٣ سورة الأنعام آية: ١٥٢.
[ ٥٤٥ ]
﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، ١ وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، ٢ علق الدفع على شرطين: بلوغ النكاح والإيناس، وقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾، ٣ فأثبت الولاية على السفيه. والآية التي احتج بها، إنما تدل بدليل خطابها وهو لا يقول به؛ ثم هي مخصوصة فيما قبل الخمس والعشرين بالإجماع، لعلة السفه، وهو موجود بعدها. كما خصصت في حق المجنون، وما ذكرنا من المنطوق أولى. إذا ثبت هذا، فإنه لا يصح تصرفه ولا إقراره. وقال أبو حنيفة: يصح بيعه وإقراره، لأن البالغ عنده لا يحجر عليه، وإنما لم يسلم إليه ماله، للآية. ولنا: أنه لا يُدفع إليه ماله لعدم رشده، فلم يصح تصرفه وإقراره، ولأنه إذا نفذ تلف ماله.
ويثبت بلوغ ذكر وأنثى بخروج المني الدافق يقظة أو منامًا، بجماع أو احتلام أو غير ذلك، لا نعلم فيه خلافًا، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ الآية، ٤ وقوله: "رُفع القلم عن ثلاثة إلخ". ٥
الثاني: بلوغ خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي، وقال داود: لا حد للبلوغ من السنين، للحديث المتقدم، وهو قول مالك. وقال أصحابه: تسع عشرة أو ثماني عشرة. ولنا: حديث ابن عمر. ولما سمعه عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله: أن لا يعرضوا إلا لمن بلغ خمس عشرة سنة.
الثالث: إنبات الشعر الخشن، وبه قال مالك والشافعي في قول. وفي الآخر: هو بلوغ في حق المشركين. وقال أبو حنيفة: لا اعتبار به. ولنا: حديث حكم سعد في بني قريظة.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٥. ٢ سورة النساء آية: ٦. ٣ سورة البقرة آية: ٢٨٢. ٤ سورة النور آية: ٥٩. ٥ الترمذي: الحدود (١٤٢٣)، وابن ماجة: الطلاق (٢٠٤٢)، وأحمد (١/١١٦، ١/١١٨، ١/١٤٠، ١/١٥٨) .
[ ٥٤٦ ]
والحيض بلوغ في حق الجارية، لا نعلم فيه خلافًا، لقوله: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، ١ وكذلك الحمل يحصل به البلوغ، لأن الولد من مائهما.
والرشد: الصلاح في المال، في قول أكثر أهل العلم. وقال الشافعي وابن المنذر: الرشد الصلاح في الدين والمال. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الآية، ٢ قال ابن عباس: "صلاحًا في أموالهم". وقولهم: الفاسق غير رشيد، قلنا: غير رشيد في دينه، رشيد في ماله. ولا يدفع إليه ماله حتى يُختبر، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ . ٣ وعنه: لا يُدفع إلى الجارية مالها حتى تتزوج وتلد، أو تقيم في بيت الزوج سنة، لقول شريح: "عهد إليَّ عمر ألا أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولًا أو تلد". ولنا: عموم قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية، ٤وحديث عمر إن صح، فهو مختص بمنع العطية. ووقت الاختبار قبل البلوغ في إحدى الروايتين، لأنه سماهم يتامى، ولأنه مد اختبارهم إلى البلوغ. ولا تثبت الولاية على الصبي والمجنون إلا للأب، ثم وصيه، ثم الحاكم. وقال الشافعي: يقوم الجد مقام الأب في الولاية. وليس لوليهما التصرف في مالهما إلا على وجه الحظ لهما، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الترمذي: الصلاة (٣٧٧)، وأبو داود: الصلاة (٦٤١)، وابن ماجة: الطهارة وسننها (٦٥٥)، وأحمد (٦/١٥٠، ٦/٢١٨، ٦/٢٥٩) . ٢ سورة النساء آية: ٦. ٣ الآية السابقة. ٤ سورة النساء آية: ٦. ٥ سورة الإسراء آية: ٣٤.
[ ٥٤٧ ]
ولا يجوز أن يشتري من مالهما شيئًا لنفسه ولا يبيعهما إلا الأب، وبه قال مالك والشافعي، وزاد الجد. وله السفر بمالهما للتجارة والمضاربة به، ولا نعلم أحدًا كرهه إلا الحسن. وأجاز إسحاق أن يأخذه الولي مضاربة لنفسه، وبه قال أبو حنيفة؛ والصحيح: أن الربح كله لليتيم، لأنه لا يجوز أن يعقد مع نفسه. فأما إن دفعه إلى غيره، فللمضارب ما جعل له الولي. وإذا لم يكن في قرض ماله حظ له لم يجز. قيل لأحمد: "ابن عمر اقترض"، قال أحمد: إنما اقترض نظرًا لليتيم، إن أصابه شيء غرمه. وإن أودعه جاز ولا ضمان عليه، وهل له أن يستنيب فيما يتولى مثله؟ على روايتين. وله شراء الأضحية لليتيم الموسر، وهو قول أبي حنيفة ومالك، وقال الشافعي: لا يجوز. وإن كان خلط ماله أرفق به فهو أولى، وإن كان إفراده أرفق به أفرده، لقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الآية. ١ قال أحمد: إنما يجوز له بيع دور على الصغار إذا كان أحظ لهم، وهذا يقتضي الإباحة في كل موضع يكون أحظ؛ وهذا الصحيح إن شاء الله.
ومن فك عنه الحجر فعاود السفه أعيد الحجر عليه، وقال أبو حنيفة: لا يعاد الحجر على بالغ عاقل، روي عن النخعي؛ ولا ينفك الحجر إلا بحكم حاكم، وقيل بمجرد رشده.
ويصح تزويجه بغير إذن وليه، وقال الشافعي: لا يصح إلا بإذنه. وهل يصح عتقه على روايتين. ويصح تدبيره ووصيته. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: على أن إقرار المحجور عليه على نفسه جائز، إذا كان بزنى أو سرقة
_________________
(١) ١سورة البقرة آية: ٢٢٠.
[ ٥٤٨ ]
أو شرب خمر أو قذف أو قتل، وأن الحدود تقام عليه، وإن طلَّق نفذ في قول الأكثر، وقال ابن أبي ليلى: لا يقع.
وإن أقر بمال لم يلزمه حال حجره، ويحتمل ألا يلزمه مطلقة، وهو قول الشافعي. وللولي أن يأكل بقدر عمله إذا احتاج، وإن كان غنيًا لم يجز، للآية. وهل يلزمه العوض إذا أيسر؟ على روايتين. ومتى زال الحجر فادعى على الولي ما يوجب ضمانًا، فالقول قول الولي، وكذلك في دفع المال إليه بعد رشده، لأنه أمين؛ ويحتمل أن القول قول الصبي، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ . ١ وهل للزوج أن يحجر على امرأته في التبرع بما زاد على الثلث من مالها، فقال الشافعي وابن المنذر: ليس له ذلك، وقال مالك: له ذلك، وليس معه حديث يدل على تحديد المنع بالثلث، مع أن الحديث ضعيف: شعيب لم يدرك عبد الله بن عمرو، وفي الصحيح: "تصدّقن ولو من حليّكنّ"، ٢ ولم يستفصل.
ويجوز للولي أن يأذن للصبي في التجارة، ويصح تصرفه. وقال الشافعي: لا يصح حتى يبلغ. وهل له أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه؟ على روايتين: إحداهما: يجوز، لأنه ملك التصرف بنفسه، فملكه بنيابته. وإن رآه سيده أو وليه يتجر فلم ينهه، لم يصر إذنًا. وقال أبو حنيفة في العبد: يصير مأذونًا له، لأنه سكت عن حقه، فكان مسقطًا له كالشفيع.
وما استدان العبد فهو في رقبته، يفديه سيده أو يسلمه، وعنه: يتعلق بذمته، يتبع به العبد بعد العتق، إلا المأذون له، هل يتعلق برقبته أو ذمة سيده؟ على
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٦. ٢ البخاري: الزكاة (١٤٦٦)، والترمذي: الزكاة (٦٣٥) .
[ ٥٤٩ ]
روايتين. فأما أرش الجناية وقيمة المتلف ففي رقبته، أذن له أم لا، رواية واحدة. وكل ما تعلق برقبته خُير السيد بين تسليمه للبيع وبين فدائه؛ فإن كان ثمنه أقل مما عليه فليس لرب الدين إلا ذلك. ويصح إقرار المأذون له فيما أذن له فيه دون ما زاد عليه. ويجوز له هدية المأكول، وإعارة دابته، واتخاذ الدعوة ما لم يكن إسرافًا. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك بغير إذن السيد. ولنا: "أنه ﷺ كان يجيب دعوة المملوك". وهل لغير المأذون له الصدقة من قوته إذا لم يضرَّ به؟ على روايتين. وهل للمرأة الصدقة من بيت زوجها بغير إذنه بنحو ذلك؟ على روايتين: إحداهما: يجوز لقوله: "ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، كان لها أجرها. وله مثله بما كسب، ولها بما أنفقت". ١ والخازن مثل ذلك، ولم يذكر إذنًا، وقوله لأسماء: "لا توعي فيوعى عليك"، ٢ متفق عليهما. والثانية: لا يجوز، لقوله: "إن الله حرّم بينكم دماءكم وأموالكم إلخ"، ٣ وقوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس". ٤ والصحيح الأول، لأن الأحاديث فيه خاصة صحيحة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
اختار الشيخ أن من أراد سفرًا وهو عاجز عن وفاء دينه، أن لغريمه منعه حتى يقيم كفيلًا ببدنه.
وفي الإفصاح: أول من حبس على الديْن شريح، ومضت السنة قبله لا يحبس، لكن يتلازم الخصمان؛ فأما الحبس الآن على الديْن، فلا أعلم أنه يجوز عند أحد من المسلمين. وقال الشيخ: إن صبر على الحبس والضرب، كرر حتى يقضيه، لا أعلم فيه نزاعًا. ونقل حنبل: إذا تقاعد بحقوق الناس
_________________
(١) ١ البخاري: الزكاة (١٤٤٠)، ومسلم: الزكاة (١٠٢٤)، والترمذي: الزكاة (٦٧٢)، وأبو داود: الزكاة (١٦٨٥)، وابن ماجة: التجارات (٢٢٩٤)، وأحمد (٦/٤٤، ٦/٢٧٨) . ٢ البخاري: الهبة وفضلها والتحريض عليها (٢٥٩٠)، ومسلم: الزكاة (١٠٢٩)، وأحمد (٦/١٣٩، ٦/٣٤٥، ٦/٣٤٦، ٦/٣٥٣) . ٣ أحمد (٥/٤١١) . ٤ أحمد (٥/٧٢) .
[ ٥٥٠ ]
يباع عليه ويقضي. وقال الشيخ: من طولب بأداء حق فطلب إمهالًا أُمهل بقدر ذلك، اتفاقًا؛ لكن إن خاف غريمه منه، احتاط بملازمته أو كفيل أو ترسيم عليه. وقال: إذا مطل غريمه فاحتاج إلى الشكاية، فما غرم بسببه لزم المماطل. وقال: لو غرم بسبب كذب عليه عند ولي الأمر، رجع به على الكاذب. وقال: إن ضاق ماله عن ديونه، صار محجورًا عليه بغير حكم حاكم، ولا يصح تصرفه. ونقل حنبل: من تصدق وأبواه فقيران، رُد عليهما، لا لمن دونهما. ونص في رواية على أن من أوصى لأجانب وله أقارب محتاجون، أن الوصية تُرد عليهم. ونقل ابن منصور فيمن تصدق بماله كله عند موته: هذا كله مردود، ولو كان في حياته لم أجوّز إذا كان له ولد. وإن تصرف المحجور عليه في ذمته بشراء أو ضمان أو إقرار، صح ويتبع به بعد فك الحجر عنه. ولا يشارك من ديْنه قبل الحجر، وعنه: يصح إقراره إن أضافه إلى ما قبل الحجر أو أدانه عامل قبل قراضه. قاله الشيخ. وقال: بيع الحاكم مال المفلس بشرط أن يبيعه بثمن مثله المستقر في وقته أو أكثر. وسئل أحمد: متى تجوز هبة الغلام؟ قال: ليس فيه اختلاف: إذا احتلم أو يصير ابن خمس عشرة سنة. قال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد أن التبذير والإسراف: الإنفاق في الحرام. وفي النهاية: أو صدقة تضر بعياله، أو كان وحده ولم يثق بإيمانه. قال الشيخ: أو أخرج في مباح قدرًا زائدًا على المصلحة.
ولا تثبت الولاية على الصبي والمجنون إلا للأب، قاله في الفائق وغيره، ما لم يعلم فسقه. وقيل: للإمام ولاية، وقيل: للعصبة ولاية بشرط العدالة، اختاره الشيخ. واختار: إن عدم ولي فأمين يقوم مقامه. وقال: الحاكم
[ ٥٥١ ]
العاجز كالعدم. ولا يشتري من مالهما لنفسه، وعنه: يجوز إن وكل من يبيعه. وله أن يبيع ويشتري في مال المولى عليه، وجميع الربح للمولى عليه، وقيل: يستحق الأجرة، اختاره الشيخ. وله أن يأذن للصغيرة أن تلعب باللعب غير المصورة، وشراؤها لها من مالها، نص عليه. وله أن يأذن له بالصدقة بالشيء اليسير.
والصحيح: جواز بيعه عقارهما إذا كان فيه مصلحة، نص عليه، سواء حصل زيادة أم لا، اختاره الشيخ. والمنصوص عن أحمد: جواز الأكل لناظر الوقف بالمعروف، قال في الفائق: إلحاقه بعامل الزكاة في الأكل مع الغنى أولى؛ وعنه: يأكل إذا اشترط. وقال الشيخ: لا يقدم بمعلومه بلا شرط، إلا أن يأخذ أجر عمله مع فقره كوصي اليتيم. وإن رآه سيده يتجر فلم ينهه، لم يكن إذنًا، لكن قال الشيخ: الذي ينبغي أن يقال فيما إذا رأى عبده يبيع فلم ينهه، وفي جميع المواضع، أنه لا يكون إذنًا، ولا يصح التصرف، لكن يكون تغريرًا فيكون ضامنًا، بحيث أنه ليس له أن يطالب المشتري بالضمان. فإن ترك الواجب عندنا كفعل المحرم؛ كما نقول فيمن قدر على إنجاء إنسان من هلكة. بل الضمان هنا أقوى. وقال: إذا استدان أو اقترض بإذن السيد لزم السيد.
[ ٥٥٢ ]