يحول رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّل الْقَحْط
من النَّاس من قَالَ إِن الْيَد لَا ترفع إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء وَتركُوا رفع الْيَدَيْنِ فِي سَائِر الْأَدْعِيَة
وَمِنْهُم من فرق بَين دُعَاء الرَّغْبَة وَدُعَاء الرهبة فَقَالَ فِي دُعَاء الرَّغْبَة يَجْعَل ظَاهر كفيه إِلَى السَّمَاء وباطنهما إِلَى الأَرْض وَفِي الرهبة بِالْعَكْسِ يَجْعَل باطنهما إِلَى السَّمَاء وظاهرها إِلَى الأَرْض
وَقَالُوا الرَّاغِب كالمستطعم والراهب كالمستجير
وَالصَّحِيح الرّفْع مُطلقًا فقد تَوَاتر عَنهُ ﷺ كَمَا فِي الصِّحَاح أَن الطُّفَيْل قَالَ يَا رَسُول الله إِن دوسا قد عَصَتْ وأبت فَادع الله عَلَيْهِم فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اهد دوسا وائت بهم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لما دَعَا لأبي عَامر رفع يَدَيْهِ
وَفِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ لما دَعَا لأهل البقيع رفع يَدَيْهِ ثَلَاث مَرَّات رَوَاهُ مُسلم
وَفِيه أَيْضا أَنه رفع يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أمتِي أمتِي وَفِي آخِره ان الله تَعَالَى قَالَ إِنَّا سنرضيك فِي أمتك وَلَا نسوءك
[ ١٥٩ ]
وَفِيه أَنه لما نظر إِلَى الْمُشْركين وهم ألف وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة معد يَدَيْهِ وَجعل يَهْتِف بربه فَمَا زَالَت يَهْتِف بربه مَادًّا يَدَيْهِ حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبه الحَدِيث
وَفِي حَدِيث قيس بن سعد ﵁ فَرفع يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اجْعَل صلواتك ورحمتك على أبي سعد بن عبَادَة
وَبعث جَيْشًا فِيهِ عَليّ ﵁ فَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تمتنى حَتَّى تريني عليا
وَلما كَانَ أُسَامَة بن زيد ﵁ رديفة قَالَ فَرفع يَدَيْهِ يَدْعُو فَسقط خطام الناقلة فتناوله بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَهُوَ رَافع الْأُخْرَى
وَفِي حَدِيث الْقُنُوت رفع يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَيْهِم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْأول رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره
وروى عَنهُ أنس ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يرفع يَدَيْهِ فِي شَيْء من دُعَائِهِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِمَا أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ حَتَّى بَيَاض إبطَيْهِ وينحى فِيهِ يَدَيْهِ
وَهَذَا هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ ابْن عَبَّاس ﵄ الابتهال وَجعل الْمَرَاتِب ثَلَاثًا الْإِشَارَة بإصبع وَاحِدَة كَمَا كَانَ يفعل يَوْم الْجمع على الْمِنْبَر
وَالثَّانيَِة الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن تجْعَل يَديك حَذْو منكبيك كَمَا فِي أَكثر الْأَحَادِيث
الثَّالِثَة الابتهال وَهُوَ الَّذِي ذكره أنس ﵁ وَلِهَذَا قَالَ كَانَ يرفع يَدَيْهِ حَتَّى يرى بَيَاض إبطه وَهُوَ الرّفْع إِذا اشْتَدَّ وَكَانَ بطُون يَدَيْهِ مِمَّا يَلِي وَجهه وَالْأَرْض وَظُهُورهمَا مِمَّا يَلِي السَّمَاء
وَقد يكون أنس ﵁ أَرَادَ بِالرَّفْع على الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة كَمَا فِي مُسلم وَغَيره أَنه كَانَ لَا يزِيد على أَن يرفع إصبعه المسبحة
[ ١٦٠ ]
وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة قَولَانِ هما وَجْهَان فِي مَذْهَب أَحْمد فِي رفع الْخَطِيب يَدَيْهِ
قيل يسْتَحبّ قَالَه ابْن عقيل وَقيل لَا يسْتَحبّ بل هُوَ مَكْرُوه وَهُوَ أصح
قَالَ إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ هُوَ بِدعَة للخطيب وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِي ﷺ باصبعه إِذا دَعَا
وَأما فِي الاسْتِسْقَاء فَإِنَّهُ لما استسقى على الْمِنْبَر رفع يَدَيْهِ كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أنس ﵁ فقد روى فِي الحَدِيث أَنه استسقى بهم يَوْم الْجُمُعَة على الْمِنْبَر فَرفع يَدَيْهِ
وَقد ثَبت أَنه لم يكن يرفع يَدَيْهِ على الْمِنْبَر فِي غير الاسْتِسْقَاء فَيكون أنس أَرَادَ هَذَا الْمَعْنى لَا سِيمَا وَقد كَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان أحدث رفع الْأَيْدِي على الْمِنْبَر وَأنس ﵁ أدْرك هَذَا الْعَصْر وَقد أنكر ذَلِك على عبد الْملك عَاصِم بن الْحَارِث فَيكون هُوَ أخبر بِالسنةِ الَّتِي أخبر بهَا غَيره من أَن النَّبِي ﷺ لم يرفع يَدَيْهِ يَعْنِي على الْمِنْبَر إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء
وَهَذَا يبين أَن الاسْتِسْقَاء مَخْصُوص بمزيد الرّفْع وَهُوَ الابتهال الَّذِي ذكره ابْن عَبَّاس ﵄
فالأحاديث تأتلف وَلَا تخْتَلف
وَمن ظن أَن النَّبِي ﷺ فِي الرّفْع المعتدل جعل ظهر كفيه إِلَى السَّمَاء فقد أَخطَأ
وَكَذَلِكَ من ظن أَنه قصد بِوَجْهِهِ وَظهر يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء فقد أَخطَأ فَإِنَّهُ نهى عَن ذَلِك فَقَالَ إِذا سَأَلْتُم الله فأسألوه ببطون أكفكم وَلَا تسألوه بظهورها أخرجه أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ وَهُوَ من غير وَجه عَن مُحَمَّد بن كَعْب كلهَا واهية وروى أَحَادِيث أخر فِي أبي دَاوُد وَغَيره
[ ١٦١ ]
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا هُوَ الرّفْع الَّذِي استفاضت بِهِ الْأَحَادِيث وَعَلِيهِ الْأَئِمَّة والمسلمون من زمن نَبِيّهم إِلَى هَذَا التَّارِيخ
وَحَدِيث أنس الَّذِي تقدم يدل على أَنه لشدَّة الرّفْع انحنت يَدَاهُ فَصَارَ كَفه مِمَّا يَلِي السَّمَاء لشدَّة الرّفْع لَا قصدا لذَلِك كَمَا جَاءَ أَنه رفعهما حذاء وَجهه وَتقدم حَدِيث أنس ﵁ فَفِيهِ أَنه رَآهُ يَدْعُو بباطن كفيه وظاهرهما
فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَنْوَاع فِي هَذَا الرّفْع الشَّديد
رفع الابتهال يذكر فِيهِ أَن بطونها مِمَّا يَلِي وَجهه وَهَذَا أَشد
وَتارَة يذكر هَذَا وَهَذَا
فَتبين بذلك أَنه لم يقْصد فِي هَذَا الرّفْع الشَّديد لَا ظهر الْيَد وَلَا بَطنهَا لِأَن الرّفْع إِذا قوى تبقى أصابعهما نَحْو السَّمَاء مَعَ نوع من الانحناء الَّذِي يكون فِيهِ هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة
وَأما إِذا قصد تَوْجِيه بطن الْيَد أَو ظهرهَا لاظهر الْيَد وَلَا بَطنهَا لِأَن الرّفْع إِذا قوى تبقى أصابعهما نَحْو السَّمَاء مَعَ نوع من الانحناء الَّذِي يكون فِيهِ هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة
وَأما إِذا قصد تَوْجِيه بطن الْيَد أَو ظهرهَا فَإِنَّمَا كَانَ تَوْجِيه بَطنهَا وَهَذَا فِي الرّفْع الْمُتَوَسّط الَّذِي هُوَ رفع الْمَسْأَلَة الَّتِي يُمكن فِيهَا الْقَصْد وَرفع مَا يخْتَار من الْبَطن وَالظّهْر بِخِلَاف الرّفْع الشَّديد الَّذِي يرى بِهِ بَيَاض إبطَيْهِ فَلَا يُمكن فِيهِ تَوْجِيه بَاطِنهَا بل ينحنى قَلِيلا بِحَسب الرّفْع
فَبِهَذَا تتألف الْأَحَادِيث وَتظهر السّنة