الَّذِي جَاءَت بِهِ السّنة هُوَ مَا كَانَ على عهد رَسُول الله ﷺ وخلفائه من أَنه كَانَ بعض المؤذنين يُؤذن قبل الْفجْر وَبَعْضهمْ بعد طُلُوع الْفجْر وأبلغ مَا قَالَه الْفُقَهَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد غَيرهم فِي تَقْدِيم الْأَذَان من نصف اللَّيْل مَعَ أَن زبا حنيفَة وَغَيره بنهون عَن الْأَذَان قبل الْوَقْت مُطلقًا
فَأَما مَا سوى الْأَذَان من تَسْبِيح ونشيد وَرفع صَوت بِدُعَاء فَلَيْسَ بمسنون عِنْد الْأَئِمَّة وَلَا أعلم أحدا استحبه بل ذكره طاذفة من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد من الْبدع الْمَكْرُوهَة وَمَا كَانَ مَكْرُوها لم يكنت لأحد أَن يَأْمر بِهِ وَلَا يُنكر على تَركه وَلَا يعلق بِهِ اسْتِحْقَاق رزق وَلَا يلْزم فعله وَلَو شَرطه وَاقِف وَإِذا قيل فِي بعض هَذِه الصُّور مصلحَة راجحة على مفسدتها فَيقْتَصر من ذَلِك على الْقدر الَّذِي يحصل بِهِ الْمصلحَة دون الزِّيَادَة الَّتِي هِيَ ضَرَر بِلَا مصلحَة راجحة
فصل
لَا يجب على الْمَالِكِي وَلَا على غَيره تَقْلِيد أحد من الْأَئِمَّة بِعَيْنِه فِي جَمِيع الدّين بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة الْكِبَار
وَالصَّلَاة بالنعلين سنة أَمر رَسُول الله ﷺ وَأمر إِذا كَانَ فِيهَا إذى أَن يدلكهما بِالْأَرْضِ فَإِنَّهَا لَهما طهُور وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح من قولي
[ ٤١ ]
الْعلمَاء وَصلَاته ﷺ وَأَصْحَابه بالنعال فِي الْمَسْجِد مَعَ أَنهم يَسْجُدُونَ عَليّ مَا يلاقي النِّعَال كل ذَلِك دَلِيل على طَهَارَة أَسْفَل النَّعْل مَعَ أَنهم كَانُوا يروحون إِلَى الحش للبراز فرذا رأى عَلَيْهِمَا أثر النَّجَاسَة فدلكهما بِالْأَرْضِ طهرتا وخمرة الْخلّ هَل يجب إراقتها على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره أصَحهمَا الإراقة
مَسْأَلَة وَلَا يجوز أَن يذبح فِي الْمَسْجِد وَلَا أَن يقبر فِيهِ وَلَا أَن يستنجى وَلَا يُغير وَقفه مصلحَة وَفِي كَرَاهَة الْوضُوء نزاع
وَمن رد على الآمرين بِالْمَعْرُوفِ والناهين عَن الْمُنكر فِيهِ عُوقِبَ
وَلَا يغسل الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد
وَإِذا كَانَ الرجل مُتبعا لبَعض الْأَئِمَّة فَرَأى فِي بعض المساذل أَن مَذْهَب غَيره أقوى فَاتبعهُ كَانَ قد أحسن وَلم يقْدَح ذَلِك فِي عَدَالَته بِلَا نزاع بل هَذَا أولى بِالْحَقِّ وَأحب إِلَى الله وَرَسُوله مِمَّن يتعصب لوَاحِد معِين غير النَّبِي ﷺ كمن يرى أَن قَول هَذَا الْمعِين هُوَ الصَّوَاب الَّذِي يَنْبَغِي اتِّبَاعه دون قَول الإِمَام الَّذِي خَالفه فَمن فعل هَذَا كَانَ جَاهِلا ضَالًّا بل قد يكون كَافِرًا
فَإِنَّهُ مَتى اعْتقد أَنه على النَّاس اتِّبَاع وَاحِد بِعَيْنِه من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة دون الإِمَام الآر فَإِنَّهُ يجب أَن يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل
بل غَايَة مَا يُقَال إِنَّه يسوغ أَو يَنْبَغِي أَن يجب على الْعَاميّ أَن يُقَلّد وَاحِد لَا بِعَيْنِه من غير تعْيين زيد وَلَا عَمْرو
وَأما أَن يَقُول قَائِل إِنَّه يجب على الْأمة تَقْلِيد فلَان أَو فلَان فَهَذَا لَا يَقُوله مُسلم
وَمن كَانَ مواليا للأئمة محبا لَهُم يُقَلّد كل وَاحِد مِنْهُم فِيمَا يظْهر لَهُ أَنه مُوَافق للسّنة فَهُوَ محسن فِي ذَلِك بل هُوَ أحسن حَالا من غَيره
فالأئمة اجْتِمَاعهم حجَّة قَاطِعَة وَاخْتِلَافهمْ رَحْمَة وَاسِعَة فَمن تعصب لوَاحِد
[ ٤٢ ]
بِعَيْنِه كَانَ يمنزلة الرافضة الَّذين يتعصبون لوَاحِد من الصَّحَابَة دون غَيره وكالخوارج وَهَذِه طَريقَة أهل الْبدع والأهواء الَّذين هم خارجون عَن الشَّرِيعَة بِإِجْمَاع الْأمة وَالْكتاب وَالسّنة
ثمَّ عَامَّة المتعصبين لوَاحِد إِمَّا مَالك أَو الشَّافِعِي أَو أَحْمد أَو أبي حنيفَة أَو غَيره غَايَته أَن يكون جَاهِلا بِقَدرِهِ فِي الْعلم وَالدّين وبقدر الآخرين فَيكون جَاهِلا ظَالِما وَالله يَأْمر بِالْعلمِ وبالعدل وَينْهى عَن الْجَهْل وَالظُّلم
فَالْوَاجِب مُوالَاة الْمُؤمنِينَ وَالْعُلَمَاء وَقصد الْحق واتباعه وليعلم أَن من اجْتهد مِنْهُم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَمن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر
وبلاد الشرق من أَسبَاب تسليط الله عَلَيْهِم التّرْك كَثْرَة التَّفَرُّق والفتن بَينهم فِي الْمذَاهب وكل ذَلِك من الِاخْتِلَاف الَّذِي ذمه الله فَإِن الِاعْتِصَام بِالْجَمَاعَة والائتلاف من أصُول الدّين وَالْوَاجِب على الْخلق اتِّبَاع الْمَعْصُوم الَّذِي لَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾
فعلى أَقْوَاله وأحواله وأفعاله توزن جَمِيع الْأَحْوَال والأقوال وَالْأَفْعَال
وَالله يوفقنا وإخواننا وساذر الْمُؤمنِينَ لما يُحِبهُ ويرضاه