وَمن سلم على الْمُصَلِّين وَكَانَ فيهم من يحسن الرَّد بِالْإِشَارَةِ فَلَا بَأْس كَمَا كَانَ الصَّحَابَة ﵃ على النَّبِي ﷺ يسلمُونَ وَهُوَ يرد عَلَيْهِم بِالْإِشَارَةِ وَإِن لم يكن فيهم من يحسن الرَّد بِالْإِشَارَةِ بل قد يتَكَلَّم أحدهم فَلَا يَنْبَغِي إِدْخَاله فِيمَا يقطع صلَاته أَو يتْرك بِهِ الرَّد الْوَاجِب
وَلَا تكون الصَّدَقَة إِلَّا لوجه الله فَمن سَأَلَ بِغَيْر الله من صَحَابِيّ أَو شيخ أَو غَيره فينهى عَن ذَلِك فانه حرَام قطعا بل شرك
وَتجوز الْجُمُعَة فِي القلعة لِأَنَّهَا مَدِينَة أُخْرَى أَو قَرْيَة أَو شبه إِقَامَة جمعتين للْحَاجة
وَلَيْسَ قبل الْجُمُعَة سنة راتبة وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا ظهر مَقْصُورَة فقبلها مَا قبل الظّهْر وَهُوَ غير سديد لِأَن الظّهْر الْمَقْصُورَة لَا سنة لَهَا
وَيتَوَجَّهُ أَن يُقَال لما سنّ عُثْمَان ﵁ الْأَذَان الأول انفق الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ فَصَارَ أذانا شَرْعِيًّا وَحِينَئِذٍ فَتكون الصَّلَاة بَينه وَبَين الثَّانِي جَائِزَة حَسَنَة وَلَيْسَت سنة راتبة كَالصَّلَاةِ قبل الْمغرب فَمن فعل لم يُنكر عَلَيْهِ وَمن ترك لم يُنكر عَلَيْهِ وَهَذَا أعدل الْأَقْوَال وَإِن كَانَ رَسُول الله ﷺ لم يصل قبلهَا شَيْئا فقد قَالَ بَين كل أذانين صَلَاة لمن شَاءَ
وَقد يكون تَركهَا أفضل إِذا كَانَ الْجُهَّال يظنون أَنَّهَا سنة راتبة أَو وَاجِبَة فَتتْرك حَتَّى يعرف النَّاس أَنَّهَا لَيست براتبة لَا سِيمَا إِذا داوم عَلَيْهَا النَّاس فَيَنْبَغِي تَركهَا أَحْيَانًا كَمَا اسْتحبَّ أَكثر الْعلمَاء أَن لَا يداوم على قِرَاءَة السَّجْدَة يَوْم الْجُمُعَة وَإِن فعله لأجل تأليف الْقُلُوب وَترك الْخِصَام فَحسن
فالفعل الْوَاحِد يسْتَحبّ فعله تَارَة وَيتْرك أُخْرَى بِحَسب الْمصَالح
وَكَذَلِكَ لَو جهر بالبسملة من يرى المخافتة بهَا لأجل تأليف قُلُوب الْمَأْمُومين خَلفه أَو خَافت بهَا من يرى الْجَهْر فَحسن كَمَا كَانَ عمر ﵁ يجْهر
[ ٧٦ ]
بالاستفتاح لأجل تَعْلِيم السّنة وَقد جهر غير وَاحِد من الصَّحَابَة بالاستعاذة والبسملة ليعلم الْمَأْمُون أَن قرَاءَتهَا فِي الصَّلَاة سنة كَمَا قَرَأَ ابْن عَبَّاس ﵄ على جَنَازَة بِأم الْكتاب جَهرا
وَالنَّاس قد تنازعوا فِي الْقِرَاءَة على الْجِنَازَة فَقيل لَا قِرَاءَة فِي الْجِنَازَة وَقيل وَاجِبَة وَقيل سنة وَهُوَ أعدل الثَّلَاثَة وَالسَّلَف فعلوا هَذَا وَهَذَا كَانُوا يصلونَ على الْجِنَازَة بِالْقِرَاءَةِ وَغَيرهَا كَمَا يصلونَ بالجهر بالبسملة وَبِغير جهر بهَا وَتارَة بالاستفتاح وَتارَة بِغَيْرِهِ وَكَانُوا يرفعون الْيَدَيْنِ فِي المواطن الثَّلَاثَة تَارَة وَتارَة بِغَيْر رفع وَتارَة بتسليمتين وَتارَة بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة ويقرءون خلف الإِمَام فِي السِّرّ تَارَة وَتارَة لَا يقرءُون وَيُكَبِّرُونَ على الْجِنَازَة أَرْبعا تَارَة وَتارَة خمْسا وَتارَة سبعا كل ذَلِك ثَابت عَنْهُم وَتارَة يرجعُونَ فِي الْأَذَان بِغَيْر تَرْجِيع وَتارَة يوترون الْإِقَامَة وَتارَة يشفعونها
فَهَذِهِ الْأُمُور وَإِن كَانَ بَعْضهَا أرجح من الآخر فَمن فعل الْمَرْجُوح فقد فعل جَائِزا وَقد يكون الْمَرْجُوح أرجح للْمصْلحَة الراجحة كَمَا قد يكون ترك الرَّاجِح أرجح وَهَذَا وَاقع فِي عَامَّة الْأَعْمَال حَتَّى فِي حَال الشَّخْص الْوَاحِد قد يكون الْمَفْضُول لَهُ أفضل بِحَسب حَاله لكَونه عَاجِزا عَن الْأَفْضَل أَو لكَون محبَّة أَو رغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أَكثر فَيكون لَهَا حَقه أفضل لما بِهِ مزِيد علمه وحبه وانتفاعه كَالْمَرِيضِ ينْتَفع بالدواء الَّذِي يشتهيه مَالا ينْتَفع بمالا يشتيه وَإِن كَانَ جنس ذَلِك أفضل
وَمن هَذَا الْبَاب صَار الذّكر لبَعض النَّاس فِي بعض الْأَوْقَات أفضل من الْقِرَاءَة وَالْقِرَاءَة لبَعْضهِم فِي بعض الْأَوْقَات خير من الصَّلَاة وأمثال ذَلِك لكَمَال انتفاعه لَا لِأَن جنسه أفضل وَلِأَن تَفْضِيل بعض الْأَعْمَال على بعض إِن لم يعرف التَّفْضِيل فَإِنَّهُ يتنوع بتنوع الْأَحْوَال فِي كثير من الْأَعْمَال وَإِلَّا وَقع فِيهِ اضْطِرَاب كثير قَالَ من النَّاس من إِذا اعْتقد اسْتِحْبَاب فعل ورجحانه
[ ٧٧ ]
يحافظ عَلَيْهِ مَالا يحافظ على الْوَاجِبَات حَتَّى يخرج بِهِ الْأَمر إِلَى الْهوى والتعصيب وَالْحمية الْجَاهِلِيَّة كَمَا تَجدهُ فِيمَن يخْتَار بعض هَذِه الْأُمُور فيراها شعارا لمذهبه
وَالْوَاجِب أَن يعْطى كل ذِي حق حَقه وبوسع مَا وَسعه الله وَرَسُوله ويؤلف مَا أَلفه الله وَرَسُوله ويداعي مَا أحب الله وَرَسُوله وَيعلم أَن خير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهدى هدي مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ وَأَن الله بَعثه رَحْمَة للْعَالمين لسعادة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة