وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ فَأَنَّهُ كَانَ يخص نَفسه بِالدُّعَاءِ وَهُوَ إِمَام كَمَا فِي الاستفتاح اللَّهُمَّ باعدييني وَبَين خطاي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب الخ وَفِي قَوْله ﴿أعوذ بك من عَذَاب جَهَنَّم﴾ بعد التَّشَهُّد وَقَوله بعد رَفعه من الرُّكُوع بعد قَوْله لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطى لما منعت يَقُول اللَّهُمَّ طهرني من خطاياي بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد وَغير ذَلِك من الْأَدْعِيَة المأثورة عَنهُ ﷺ وروى عَنهُ ﴿لَا يحل لرجل يؤم قوما فيخص نَفسه بِالدُّعَاءِ﴾ فَإِن صَحَّ هَذَا الحَدِيث يكون المُرَاد بِهِ الدُّعَاء الَّذِي يُؤمن عَلَيْهِ الْمَأْمُوم كدعاء الْقُنُوت فَإِن الْمُؤمن دَاع لقَوْله تَعَالَى مُوسَى وأخيه ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ وَكَانَ أَحدهمَا يَدْعُو وَالْآخر يُؤمن
فَإِذا كَانَ الْمَأْمُوم يُؤمن وَيَدْعُو الإِمَام فالدعاء يكون بِصِيغَة الْجمع كَمَا فِي دُعَاء الْفَاتِحَة ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الخ﴾
مَسْأَلَة وَمن حفظ الْقُرْآن غير مُعرب فَلم يُمكنهُ أَن يقرأه إِلَّا يلحن الْعَجم أَو عَجزه عَن حفظ إعرابه وَنَحْوه فليقرأ كَمَا يُمكنهُ فَهُوَ أولى من تَركه ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾
وَمن اعْتقد أَنه بِمُجَرَّد تلفظه بِالشَّهَادَةِ يدْخل الْجنَّة وَلَا يدْخل النَّار فَهُوَ ضال مُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
[ ٩٣ ]
وَالْحَمْد يتَضَمَّن الْمَدْح وَالثنَاء بجميل المحاسن سَوَاء كَانَ للمحمود إِحْسَان إِلَى الحامد أَولا
وَالشُّكْر لَا يكون إِلَّا على الْإِحْسَان إِلَى الشاكر
فَمن هَذَا الْوَجْه يكون الْحَمد أَعم لِأَنَّهُ على المحاسن وَالْإِحْسَان لَكِن الشُّكْر يكون بِالْقَلْبِ وَالْيَد وَاللِّسَان كَمَا قيل أفادتكم النعماء مني ثَلَاثَة يَدي ولساني وَالضَّمِير والمحجبا
وَالْحَمْد إِنَّمَا يكون بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان
فَمن هَذَا الْوَجْه يكون الشُّكْر أَعم فَهَذَا أَعم من جِهَة أَنْوَاعه وَالْحَمْد أَعم من جِهَة أَسبَابه وَفِي الحَدِيث الْحَمد لله رَأس الشُّكْر
قَالَ ابْن حزم وَغَيره من الْمُتَأَخِّرين لَا يجوز الدُّعَاء إِلَّا بالتسعة وَالتسْعين اسْما فَلَا يُقَال يَا حنان يَا منان يَا دَلِيل الحائرين
وَجُمْهُور الْمُسلمين على خلاف ذَلِك وَعَلِيهِ مضى سلف الْأمة وَهُوَ الصَّوَاب وَفِي الْكتاب وَالسّنة مَا يزِيد على التِّسْعَة وَالتسْعين مثل الرب وَأكْثر الدُّعَاء الْمَشْرُوع بِهِ حَتَّى كره مَالك أَن يَقُول يَا سَيِّدي بل يَقُول يَا رب لِأَنَّهُ الْأَنْبِيَاء فِي الْقُرْآن وَكَذَلِكَ المنان
وَفِي السّنَن أَنه ﷺ سمع دَاعيا يَدْعُو اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِأَن لَك الْحَمد لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أَنْت الله المنان بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض يَاذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام يَا حَيّ يَا قيوم فَقَالَ ﷺ لقد دَعَا الله باسمه الْأَعْظَم الَّذِي إِذا دعى بِهِ أجَاب وَإِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى
وَقد قَالَ أَحْمد لرجل ودعه قل يَا دَلِيل الحائرين دلَّنِي على طَرِيق الصَّادِقين
[ ٩٤ ]
وَأنكر طَائِفَة كَالْقَاضِي أبي يعلى وَابْن عقيل أَن يكون من أَسْمَائِهِ تَعَالَى الدَّلِيل
وَالصَّوَاب مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور لِأَن الدَّلِيل فِي الأَصْل هُوَ الْمُعَرّف للمدلول
وَفِي الصَّحِيح إِن الله وتر إِن الله جميل إِن الله لطيف إِن الله طيب فَهَذَا فِي الْأَحَادِيث كثير وتتعه يطول مثل سبوح قدوس وَفِي الحَدِيث أَنه ﷺ كَانَ يَقُول سبوح قدوس واسْمه الشافي كَمَا فِي الصَّحِيح أَنْت الشافي لَا شافي إِلَّا أَنْت
وَكَذَلِكَ مثل أَسْمَائِهِ المضافة مثل أرْحم الرَّاحِمِينَ وَخير الغافرين وَرب الْعَالمين وَمَالك يَوْم الدّين وَأحسن الْخَالِقِينَ وجامع النَّاس ليَوْم لَا ريب فِيهِ ومقلب الْقُلُوب مِمَّا ثَبت الدُّعَاء بهَا بِإِجْمَاع الْمُسلمين
وَله أَسمَاء اسْتَأْثر بعلمها كَمَا فِي قَوْله ﷺ فِي حَدِيث تفريج الكرب الَّذِي رَوَاهُ ابْن مَسْعُود أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وَذَهَاب غمى وهمي فَهَذَا يدل على أَن فِي أَسْمَائِهِ تِسْعَة وَتِسْعين مَوْصُوفَة بِأَنَّهَا من أحصاها دخل الْجنَّة لَا أَن مَعْنَاهَا أَنه لَيْسَ لَهُ غَيرهَا