مَا يُعلمهُ الْإِنْسَان من حق وباطل فَإِنَّهُ يقوم بِقَلْبِه وَيحل بِرُوحِهِ المنفوخة فِيهِ الْمُتَّصِلَة بِالْقَلْبِ الَّذِي هُوَ المضغة الصنوبرية الشكل
وَقد قيل إِنَّه يقوم بِجَمِيعِ الْجَسَد وَلَيْسَ لبَعض ذَلِك مَكَان من الْجَسَد يتَمَيَّز بِهِ عَن مَكَان آخر بِاتِّفَاق النَّاس وَإِنَّمَا الرّوح هِيَ الَّتِي يعبر عَن محلهَا الأول بِالْقَلْبِ تَارَة وتسميها الفلاسفة النَّفس الناطقة وَهِي الحاملة لجَمِيع الاعتقادات فتتنور قُلُوب الْمُؤمنِينَ وأرواحهم بالمعارف الألهية ونظام قُلُوب الْكَافرين بالعقائد الْفَاسِدَة كَمَا ضرب الله مثل الْمُؤمن وَالْكَافِر فِي سُورَة النُّور
وَمَا يحصل عِنْد الذّكر الْمَشْرُوع من الْبكاء ووجل الْقلب واقشعرار الجسوم فَمن أفضل الْأَحْوَال الَّتِي نطق بهَا الْكتاب
أما الِاضْطِرَاب الشَّديد والغشى والصيحان فَإِن كَانَ صَاحبه لم يعلم مَا هُوَ عَلَيْهِ لم يلم وَسَببه قُوَّة الْوَارِد مَعَ ضعف الْقلب وَالْقُوَّة والتمكن أفضل كَمَا هُوَ حَال النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَأما السّكُون قسوة وجفاء فَهَذَا مَذْمُوم
فصل
الْقُنُوت مَشْرُوع عِنْد النَّازِلَة فِي الصَّلَوَات وَفِي الْفجْر وَالْمغْرب أوكد والنازلة هِيَ الْعَدو نَحْو استنصاره ﷺ للمستضعفين تَحت يَد الْعَدو ودعائه على الَّذين قتلوا أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة
[ ١٠٠ ]
وَأما قنوت الْإِنْسَان للاسترزاق فَلم يُؤثر عَن أحد من السّلف وَلَا علمت أحدا ذكره
وَاحْتج من زَعمه سنة دائمة فِي الْفجْر بقول الله تَعَالَى ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ وَيَقُول الْوُسْطَى الْفجْر والقنوت فِيهَا وكلنَا المقدمتين ضَعِيفَة
أما الصَّلَاة الْوُسْطَى فَهِيَ الْعَصْر بِلَا شكّ عِنْد من عرف الْأَحَادِيث
وَأما الْقُنُوت فَهُوَ المداومة على الطَّاعَة كَمَا قَالَ ﴿أم من هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدا وَقَائِمًا﴾ فَلَا يجوز حمله على طول الْقيام للدُّعَاء وَغَيره لِأَن الله أَمر بِالْقيامِ لَهُ قَانِتِينَ وَالْأَمر للْوُجُوب
وَقيام الدُّعَاء الْمُتَنَازع فِيهِ لَا يجب بِالْإِجْمَاع والقائم فِي حَال قِرَاءَته هُوَ فانت أَيْضا وَلما نزلت أمروا بِالسُّكُوتِ ونهوا عَن الْكَلَام فَعلم أَن السُّكُوت من تَمام الْقُنُوت الْمَأْمُورَة ب وَذَلِكَ وَاجِب فِي جَمِيع أَجزَاء الْقيام
والْحَدِيث مَا زَالَ يقنت حَتَّى فَارق الدُّنْيَا وَإِن صَححهُ الْحَاكِم فَهُوَ يصحح الموضوعات وَعِنْده تساهل فَلَا يقوم بِمثلِهِ الْحجَّة
قَالُوا وَقَوله الآخر ثمَّ ترك أَي الدُّعَاء لَا أصل لَهُ والْحَدِيث فِيهِ مَا قنت بعد الرُّكُوع إِلَّا شهرا فَتبين أَنه لم يقنت بعد الرُّكُوع إِلَّا شهرا فَبَطل التَّأْوِيل
والقنوت قبل الرُّكُوع قد يُرَاد بِهِ طول الْقيام قبل الرُّكُوع سَوَاء كَانَ فِيهِ دُعَاء أَولا فَلَا يكون اللَّفْظ دَالا على قنوت الدُّعَاء
وَقد ذهب طَائِفَة إِلَى أَن الْقُنُوت مَشْرُوع فِي جَمِيع الصَّلَوَات وَهُوَ شَاذ وَالصَّحِيح أَنه ﷺ قنت لسب النَّازِلَة ثمَّ ترك كَمَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث وَعَلِيهِ الحَدِيث وَعَلِيهِ الْخُلَفَاء الراشدون فَإِن عمر ﵁ لما جَاءَت النَّصَارَى
[ ١٠١ ]
قنت عَلَيْهِم فَقَالَ اللَّهُمَّ عذب كفرة أهل الْكتاب إِلَى آخِره فَجعله بعض النَّاس سنة راتبة فِي قنوت رَمَضَان وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِنَّمَا قلت بِمَا يُنَاسِبهَا وَلَو قلت دَائِما لنقله الْمُسلمُونَ عَن نَبِيّهم ﷺ فَأَنَّهُ من الْأُمُور الَّتِي تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله