لفظ الْأَيْمَان إِذا أفرد ذخل فِيهِ الْأَعْمَال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة مِمَّا يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَقيل الْإِيمَان قَول عمل أَي قَول الْقلب وَاللِّسَان وَعمل الْقلب والجوارح وَمِنْه قَوْله ﷺ الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ أَو بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة أَعْلَاهَا قَول ال رله إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وَالْحيَاء شُعْبَة ن الْإِيمَان وَقَوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا﴾ الْآيَة
[ ١٣١ ]
فالإيمان الْمُطلق يدْخل فِيهِ الْإِسْلَام كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لوفد عبد الْقَيْس آمركُم بِالْإِيمَان بِاللَّه أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه شَهَادَة أَلا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَأَن تُؤَدُّوا خمس مَا غَنِمْتُم
وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من السّلف كل مُؤمن مُسلم وَلَيْسَ كل مُسلم مُؤمنا فَأَما إِذا اقْترن لفظ الْإِيمَان بِالْعَمَلِ أَو بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يفرق بَينهمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وكما فِي الصَّحِيح لما سزله جِبْرِيل ﵇ عَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان فَقَالَ الْإِسْلَام أَن تشهد أَلا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتى الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت قَالَ فَمَا الْإِيمَان قَالَ أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره قَالَ فَمَا الْإِحْسَان قَالَ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك
فَفرق بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام لما فرق السَّائِل بَينهمَا
وَفِي ذَلِك النَّص أَدخل الْإِسْلَام فِي الْإِيمَان لما أفرده بِالذكر
وَكَذَلِكَ لفظ الْعَمَل فرن الْإِسْلَام هُوَ من الْعَمَل الظَّاهِر هُوَ مُوجب إِيمَان الْقلب وَمُقْتَضَاهُ وَإِذا حصل إِيمَان الْقلب حصل إِيمَان الْجَوَارِح ضَرُورَة وَلَا بُد فِي إِيمَان الْقلب من تَصْدِيق الْقلب وانقياده ورلا فَلَو زعم أَنه صدق قلبه أَن مُحَمَّد رَسُول الله وَهُوَ ببغضه ويحسده ويستكبر عَن مُتَابَعَته لم يكن قد آمن قلبه
وَالْإِيمَان وَإِن تضمن التصذيق فَلَيْسَ هُوَ مُرَاد مَا قَالَه فَلَا يُقَال لكل مُصدق بشئ إِنَّه مُؤمن بِهِ فَلَو قَالَ أَنا أصدق بِأَن الْوَاحِد نصف الْإِثْنَيْنِ وَأَن السماد فَوْقنَا وَالْأَرْض تحتنا وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُشَاهِدهُ النَّاس لم يقل لهَذَا إِنَّه
[ ١٣٢ ]
مُؤمن بذلك بل لَا يسْتَعْمل رلا فِيمَا أخبر بِهِ عَن شئ من الْأُمُور الغاذبة كَقَوْل إحوة يُوسُف لأبيهم وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا فَإِنَّهُم أَخْبرُوهُ بِمَا غَابَ عَنهُ
وَفرق بَين آمن لَهُ وآمن بِهِ فَالْأول يُقَال للمخبر وَالثَّانِي للمخبر بِهِ كَمَا قَالَ إخْوَة يُوسُف وكما قَالَ تَعَالَى ﴿يُؤمن بِاللَّه ويؤمن للْمُؤْمِنين﴾ فَفرق بَين إيمَانه بِاللَّه وإيمانه للْمُؤْمِنين لِأَن المُرَاد تَصْدِيق إِذا أَخْبرُوهُ وَأما إيمَانه بِاللَّه فَهُوَ من بَاب الْإِقْرَار بِهِ
وَمِنْه قَوْله ﴿أنؤمن لبشرين مثلنَا﴾ أَي نقر لَهما ولصدقهما وَمِنْه ﴿أفتطمعون أَن يُؤمنُوا لكم﴾ وَقَوله ﴿فَآمن لَهُ لوط﴾
وَمن الْمَعْنى الآخر ﴿يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ و﴿آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ﴾ ﴿وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه﴾ أَي أقرّ بذلك
فالمقصود أَن لفظ الْإِيمَان إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي بعض الْأَخْبَار وَهُوَ مَأْخُوذ من الْأَمْن كَالْإِقْرَارِ مَأْخُوذ من قر فالمؤمن صَاحب أَمن كَا الْمقر صَاحب إِقْرَار فَلَا بُد فِي ذَلِك من عمل الْقلب بِمُوجب تَصْدِيقه فَإِذا علم أَن مُحَمَّد رَسُول الله وَلم يقْتَرن بِهِ حبه وَلَا تَعْظِيمه بل كَانَ يحسده فانه لَيْسَ بِمُؤْمِن بل هُوَ كَافِر
وَمن هَذَا الْبَاب كفر إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَأهل الْكتاب الَّذين يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم
فمجرد علم الْقلب لَا يَكْفِي بل لَا بُد من عمل الْقلب بِمُوجب علمه مثل محبَّة الْقلب لَهُ واتباعه لَهُ بل أَشد النَّاس عذَابا مالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ كَمَا قَالَ ﷺ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع
وَلَكِن الْجَهْمِية ظنُّوا أَن مُجَرّد علم الْقلب وتصديقه هُوَ لإيمان وَأَن من دلّ الشَّرْع عَليّ أَنه لَيْسَ بِمُؤْمِن فَإِن ذَلِك يدل على عدم علم قلبه وَهَذَا من أعظم الْجَهْل شرعا وعقلا
[ ١٣٣ ]
وَحَقِيقَة قَوْلهم توجب التَّسْوِيَة بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر وَلِهَذَا أطلق الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهم القَوْل بكفرهم بذلك
فَإِن من الْمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان يعلم بِقَلْبِه الْحق وَقد يبغضه لغَرَض آخر فَلَيْسَ كل مستكبر عَن الْحق يكون غير عَالم بِهِ فَحِينَئِذٍ لَا بُد من تَصْدِيق الْقلب وَعَمله وَهَذَا معنى قَول السّلف الْإِيمَان قَول وَعمل
ثمَّ إِذا تحقق الْقلب بالتصديق والمحبة التَّامَّة المتضمنة للإرادة لزم وجود الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَإِن الْإِرَادَة الجازمة إِذا اقْترن بهَا الْقُدْرَة التَّامَّة ازم وجود المُرَاد قطعا
وَأَبُو طَالب وَإِن كَانَ عَالما بِأَن مُحَمَّد رَسُول الله وَهُوَ محب لَهُ فَلم تكن محبته لَهُ كمحبة الله بل لِأَنَّهُ ابْن أَخِيه فَيُحِبهُ لِلْقَرَابَةِ وإدا أحب ظُهُوره فَلَمَّا كَانَ يحصل لَهُ بِهِ من الشّرف والرياسة فَأصل محبوبه الرياسة وَلِهَذَا لما عرض عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ الشَّهَادَة عِنْد الْمَوْت أحب دينه أَكثر من دين ابْن أَخِيه فَم يقر بِهِ لِئَلَّا يَزُول عَن دينه فَلَو كَانَ حبه كحب أبي بكر ﵁ وَغَيره من الْمُؤمنِينَ لنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ قطعا فَلهَذَا كَانَ حبه حبا مَعَ الله لَا حبا لله فَلم يقبل الله مِنْهُ مَا فعله مَعَ الرَّسُول من نصرته ومؤازرته لِأَنَّهُ لم يعمله لله بِخِلَاف أبي بكر الَّذِي فعله ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى
فَهَذَا يُحَقّق أَن الْإِيمَان والتوحيد لَا بُد فيهمَا من أَعمال الْقلب فَلَا بُد من إخلاص الدّين لله وَالدّين لَا يكون دينا رلا بِعَمَل صَالح
وَكَذَا لفظ الْعِبَادَة والتوكل رذا أطلقت الْعِبَادَة دخل فِيهَا التَّوَكُّل وَنَحْوه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَقَوله ﴿اعبدوا ربكُم﴾ وَإِذا قرنت اخْتصّت كَقَوْلِه ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَقَوله ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾
وتنوع دلَالَة لفظ الشئ فِي عُمُومه وخصوصه بِحَسب الْإِفْرَاد والاقتران
[ ١٣٤ ]
كثير كَلَفْظِ الْمَعْرُوف وَالْمُنكر نَحْو يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن النكر فَيدْخل فِي الْمُنكر كل مَا كرهه الله تَعَالَى كَمَا يدْخل فِي الْمَعْرُوف كل مَا يُحِبهُ
وَفِي لفظ الْفَقِير والمسكين إِذا أفرد أَحدهمَا دخل فِيهِ الآخر وَإِذا اقْترن اخْتصَّ وَكَذَا الْإِلَه والرب مثل قَوْله ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ فَإِن الْإِلَه هُوَ المعبود والرب هُوَ الَّذِي يرب غَيره فيدبره
وَلِهَذَا كَانَت الْعِبَادَة مُتَعَلقَة باسم الْإِلَه مُتَعَلق باسم الرب وَلما كَانَت الْعِبَادَة مُتَعَلقَة باسم الله جَاءَت الْأَذْكَار الْمَشْرُوعَة بِهَذَا الِاسْم كَلِمَات الْأَذَان الله أكبر وَمثل الشَّهَادَتَيْنِ والتحيات لله وَالتَّسْبِيح والتهليل سُبْحَانَ الله الْحَمد لله وَالله أكبر
وَأما السُّؤَال فكثيرا مَا يَجِيء باسم الرب نَحْو رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين رَبِّي إِنِّي ظلمت نَفسِي رَبنَا إِنِّي أسكت من ذريتي بواد غير ذى زرع الْآيَة
وَقد نقل عَن مَالك أَنه قَالَ أكره أَن يَقُول فِي دُعَائِهِ يَا سَيِّدي ياحنان يَا منان وَلَكِن بِمَا دعت بِهِ الْأَنْبِيَاء رَبنَا رَبنَا نَقله عَنهُ الْعُتْبِي فِي الْغَنِيمَة
فَإِذا سبق إِلَى الْقلب قصد السُّؤَال ناسب أَن يسْأَل باسم الرب وَلَو سَأَلَ باسم الله لتَضَمّنه اسْم الرب كَانَ حسنا وَأما إِذا سبق إِلَيّ الْقلب قصد الْعِبَادَة فاسم الله أولى بذلك
وَلما كَانَ يُونُس المغاضبة ومنازعة الْقدر وَنَوع مُعَارضَة فِي خلقه وَأمره ووساوس فِي حكمته ورجته احْتَاجَ أَن يدْفع عَنهُ ذَلِك فَيحْتَاج العَبْد أَن يدْفع عَنهُ ذَلِك وَيعلم أَن الْحِكْمَة وَالْعدْل فِيمَا اقْتَضَاهُ علمه وحكمته فروى أَن يُونُس نَادَى بارتفاع الْعَذَاب عَن قومه بعد أَن أظلهم وَخَافَ أَن ينْسب إِلَيّ الْكَذِب فَنَادَى من الْقدر وَحصل من منازعته الْإِرَادَة مَا يزاحم الإلهية فَنَاسَبَ أَن يجرد الإلهية ويخلصها لله وَحده
[ ١٣٥ ]
وَقَوله تَعَالَى ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت﴾ يتَضَمَّن الْبَرَاءَة مِمَّا سوى الله من الْآلهَة الْبَاطِلَة سَوَاء قدر هوى النَّفس أَو طَاعَة الْخلق أَو غير ذَلِك بِخِلَاف آدم فَإِنَّهُ اعْترف أَولا بِذَنبِهِ فَقَالَ رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده شئ من مُنَازعَة الْإِرَادَة لما أَمر الله بِهِ مَا يزاحم الإلهية بل ظن صدق إِبْلِيس فَنَاسَبَ رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا فيكوننا قبلنَا تغريره بِنَا وَمَا أظهر من نصحنا فَقَصره فَكَانَ مُحْتَاجين إِلَى أَن يربيهما بربوبتيه بِكُل حَال فَلَا يغترا بِمثل ذَلِك فشهدا حاجتهما إِلَى ربهما الَّذِي لَا يقْضِي حاجتهما غَيره
وَهَذَا مبْنى على القَوْل بالعصمة
وَالنَّاس متفقون عَليّ أَن الآنبياء معصومون فِيمَا يبلغون عَن الله فَلَا يقرونَ فِي ذَلِك على خطأ بِاتِّفَاق الْمُسلمين لَكِن هَل يتَصَوَّر مَا يَسْتَدْرِكهُ الله فَينْسَخ مَا يلقى الشَّيْطَان وَيحكم الله آيَاته فَهَذَا فِيهِ قَولَانِ
والمأثور عَن السّلف يُوَافق الْقُرْآن بذلك
وَأما الْعِصْمَة فِي غير مَا يتَعَلَّق بتبليغ الرسَالَة فللناس فِيهِ نزاع هَل هُوَ ثَابت بِالْعقلِ أَو بِالسَّمْعِ ومتنازعون فِي الْعِصْمَة من الكباذر والصغاذر أَو من بَعْضهَا وَهَذِه الْعِصْمَة إِنَّمَا هِيَ فِي الإفرار عَلَيْهَا لافي فعلهَا أم لَا يجب القَوْل بالعصمة إِلَّا فِي التَّبْلِيغ فَقَط وَهل تجب الْعِصْمَة من الْكفْر والذنُوب قبل الْبعْثَة أم لَا
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور الْمُوَافق للأثر إِثْبَات الْعِصْمَة من الْإِقْرَار على الذُّنُوب مُطلقًا
وَقَول من يجوز إقرارهم عَلَيْهَا وحجج الْقَائِلين بالعصمة إِذا حررت إِنَّمَا تدل عَليّ هَذَا القَوْل وحجج النفاة لَا تدل على وُقُوع ذَنْب أقرّ عَلَيْهِ الأنبياد فَإِن وُقُوع الذَّنب إِذا لم يقر عَلَيْهِ لم يحصل بِهِ تنفير وَلَا نقص فَإِن التَّوْبَة النصوح بِرَفْع اله بهَا صَاحبهَا أَكثر مِمَّا كَانَ أَولا وَكَذَلِكَ التأسي بالأنبياء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا أقرُّوا عَلَيْهِ بِدَلِيل النّسخ وَنَحْوه
[ ١٣٦ ]
وَمن قَالَ إِن إِلْقَاء يُونُس إِلَيّ بطن الْحُوت كَانَ قبل النُّبُوَّة فَلَيْسَ هُوَ من هَذَا الْبَاب