إِذا قضيت الْحَاجة عِنْد قبر من قُبُور الْأَوْلِيَاء فَمن أَيْن يعرف أَن قضاءها لأجل الْقَبْر
فقد قَالَ ﷺ إِن النّذر لَا يَأْتِي بِخَير وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ الْبَخِيل
وَفِي لفظ النّذر لَا يَأْتِي لِابْنِ بِآدَم بِشَيْء وَلَكِن يلقيه الْقدر فَيعْطى على النّذر مَالا يعْطى على غَيره
فَإِن كَانَ ذَلِك فِي النّذر الَّذِي نقضي أَكثر الْحَوَائِج عِنْده فَكيف يكون عِنْد غَيره نقضي بِهِ الْحَاجة فالحاجة إِمَّا أَن تكون قد قضيت بِغَيْر دُعَائِهِ فَلَا كَلَام وَإِمَّا بدعائه فَيكون قد اجْتهد فِي الدُّعَاء اجْتِهَادًا لَو اجتهده فِي غير تِلْكَ الْبقْعَة أَو عِنْد الصَّلِيب مثلا لقضبت فَيكون السَّبَب اجْتِهَاده فِي الدُّعَاء لَا خُصُوص الْقَبْر وَلِهَذَا قد نقضي حوائج الْمُشْركين عِنْد أوثانهم وصلبانهم وكنائسهم فَهَل يقوم مُسلم إِنَّه يجوز قصد صلبانهم وأوثانهم لذَلِك
[ ١٧٣ ]
وَلَو قيل إِن للقبر تَأْثِير فِي ذَلِك سَوَاء كَانَ باتصال روح الدَّاعِي وروح الْمَيِّت فيقوى بذلك كَمَا يزعمه ابْن سينا وَأَبُو حَامِد الْغَزالِيّ وأمثالهما فِي زِيَارَة الْقُبُور أَو كَانَ بِسَبَب آخر فَيُقَال لَيْسَ كل سَبَب نَالَ الانسان حَاجته يكون مَشْرُوعا وَلَا مُبَاحا وَإِنَّمَا يكون مَشْرُوعا إِذا غلبت مصْلحَته على مفسدته مِمَّا أذن فِيهِ الشَّرْع
وَمن هَذَا الْبَاب تَحْرِيم السحر مَعَ مَاله من التَّأْثِير وَقَضَاء بعض الْحَاجَات وَمَا يدْخل فِي ذَلِك من عبَادَة الْكَوَاكِب ودعائها واستحضار الْجِنّ وَالْكهَانَة والاستسقام بالأزلام وأنواع السحريات مَعَ كَونهَا لَهَا نوع كشف وتأثير
وَفِي هَذَا تَنْبِيه على جملَة الْأَسْبَاب الَّتِي تقضي بهَا الْحَوَائِج
وَأما تَفْصِيل ذَلِك فَلهُ مَوضِع آخر
لكل الْعَاقِل يعلم أَن أمة من الْأُمَم لَا تَجْتَمِع على أَمر بِلَا سَبَب فلأجل ذَلِك اجْتمع نَاس بالسحرة وناس بالشرك وَعبادَة الْأَصْنَام والخليل يَقُول ﴿رب إنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس﴾ وَلم يقل أحد إِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ إِن الْأَصْنَام تخلق وتحيي وتجلب الرزق بل عبدوها لحاجتهم إِلَيْهَا من حسن قصد الْمُشْركين للقبور المعظمة وَقصد النَّصَارَى لصورة القديسين يتخذونهم شُفَعَاء ووسائط ووسائل
وَيَكْفِي الْمُسلم أَن يعلم أَن الله لم يحرم شَيْئا إِلَّا ومفسدته مَحْضَة أَو غالبة