وولدان أهل الْجنَّة خلق الْجنَّة
وَأَبْنَاء الدُّنْيَا إِذا دخلُوا الْجنَّة يكمل خلقهمْ على صُورَة آدم أَبنَاء ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ طول سِتِّينَ ذِرَاعا
وروى أَن الْعرض سَبْعَة أَذْرع
وأرواح الْمُؤمنِينَ تنعم فِي الْجنَّة
وأرواح الْكفَّار تعذب فِي النَّار
وَولد الزِّنَا كَغَيْرِهِ يجازى بِعَمَلِهِ لَا ينْسبهُ وَإِنَّمَا يذم ولد الزِّنَا لمظنة أَن يعْمل خبيثا كَمَا هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ
وَأكْرم الْخلق عِنْد الله أَتْقَاهُم لله
وَأَوْلَاد الْمُشْركين فيهم عدَّة أَقْوَال أَصَحهَا جَوَاب رَسُول الله ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة الحَدِيث إِلَى قَوْله قيل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت من يَمُوت من أَطْفَال الْمُشْركين فَقَالَ الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين
يَعْنِي الله أعلم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ لَو عاشوا حَتَّى يبلغُوا الْحلم
وَقد روى أَنهم فِي الْقِيَامَة يبْعَث إِلَيْهِم رَسُول الله فَيظْهر فيهم مَا علم من الطَّاعَة والمصية
وَقد روى أَنهم يحبسن فِي عرصات الْقِيَامَة
وَقد دلّت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَن بَعضهم فِي الْجنَّة وَبَعْضهمْ فِي النَّار
وَلَيْسَ فِي الْجنَّة شمس وَلَا قمر وَلَا ليل وَلَا نَهَار وَلَكِن تعرف البكرة والعشية بأنوار تظهر من قبل الْعَرْش
[ ١٨٧ ]
قَاعِدَة
علم الله السَّابِق يُحِيط بالأشياء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر فَلَا محو فِيهِ وَلَا تَغْيِير وَلَا إِثْبَات وَلَا نقص وَلَا زِيَادَة
وَأما اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي لَا يطلع عَلَيْهِ غَيره فَهَل فِيهِ محو وَإِثْبَات على قَوْلَيْنِ
وَأما الصُّحُف الَّتِي بأيدي الْمَلَائِكَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من قَوْله ﷺ فَيُؤْمَر بكتب رزقه وَعَمله وأجله وشقي أَو سعيد فَهَل يصل فِيهَا المحو وَالْإِثْبَات فَإِنَّهُ قد يقدر لَهُ من الْعُمر مُدَّة لم يعْمل شَيْئا يزِيد بِهِ على ذَلِك مِمَّا علمهمْ الله أَن يَفْعَله مثل أَن يصل رَحمَه فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من سره أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وينسأ لَهُ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه أَو غير ذَلِك من الْأَسْبَاب كَمَا روى التِّرْمِذِيّ إِن الله أرى آدم ابْنه دَاوُد فأعجبه فَسَأَلَ عَن عمر فَقَالَ أَرْبَعِينَ سنة فوهبه آدم من عمره سِتِّينَ سنة وَكتب عَلَيْهِ بذلك كتابا ثمَّ بعد ذلكك أنكر ونسى فَجحد فَجحدت ذُريَّته
فقد علم أَن الله قدر لَهُ أَرْبَعِينَ سنة بِلَا سَبَب وَعلم أَنه يحصل لَهُ سِتُّونَ بِسَبَب هبة أَبِيه لَهُ
وَقَوله تَعَالَى ﴿أولم نُعَمِّركُمْ مَا يتَذَكَّر فِيهِ من تذكر﴾ فَيكون المُرَاد طول الْأَعْمَار وقصرها
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ الْآيَة
[ ١٨٨ ]
تَشْمَل الْكَافِر فَلهُ مِنْهَا حق الْوَعيد وتشمل الْمُؤمن المرتكب الْكَبِيرَة فَلهُ نصيب من ضنك الْعَيْش بِقدر إعراضه عَن الذّكر
وَمذهب أهل السّنة أَن الشَّخْص الْوَاحِد تَجْتَمِع فِيهِ الْحَسَنَات والسيئات فَيسْتَحق الثَّوَاب وَالْعِقَاب جَمِيعًا
وَسَمَاع الْمَيِّت لقرع نعَالهمْ وَالسَّلَام عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا ثَبت أَن جنس الْأَمْوَات يسمعونه لَيْسَ ذَلِك مَخْصُوصًا بِقوم مُعينين بل هُوَ مُطلق
وَقَوله تَعَالَى ﴿فَإنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ المُرَاد السماع المعتاذ الَّذِي يتَضَمَّن الْقبُول وَالِانْتِفَاع كَمَا فِي حق الْكفَّار السماع النافع فِي قَوْله ﴿وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل﴾
فَإِذا كَانَ قد نفى عَن الْكَافِر السّمع مُطلقًا وَعلم أَنه إِنَّمَا نفى سمع الْقلب المتضمن للفهم وَالْقَبُول لَا مُجَرّد سَماع الْكَلَام فَكَذَلِك الْمُشبه بِهِ وَهُوَ الْمَيِّت
والْحَدِيث الَّذِي قَالَ النَّبِي ﷺ فِيهِ إِن الْمَيِّت إِذا حمل قَالَ قدموني أَو يَقُول يَا وَيْلَهَا الحَدِيث
لَيْسَ هَذَا هُوَ الْكَلَام الْمُعْتَاد بتحريك اللِّسَان فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لسمعه كل أحد وَلكُل هُوَ أر بَاطِن آخر وَلَيْسَ هُوَ مُجَرّد الرّوح فَإِن الرّوح مُنْفَصِل عَن الْبدن فالنائم قد يسمع وَيتَكَلَّم وَذَلِكَ بِرُوحِهِ وبدنه الْبَاطِن بِحَيْثُ يظْهر أثر ذَلِك فِي بدنه حَتَّى إِنَّه قد يقوم ويصيح وَيَمْشي ويتنعم بدنه ويتعذب وَمَعَ ذَلِك فعيناه مغمضتان وغالبهم أَن لِسَانه لَا يَتَحَرَّك لَكِن إِذا قوي أَمر الْبَاطِن فقد ينْطَلق المسان الظَّاهِر حَتَّى يصوت بِهِ وَلَو نُودي من حَيْثُ الظَّاهِر لَا يسمع فَكَمَا أَن النَّائِم حَاله لَا تشبه حَال الْيَقظَان وَلَا أَحْوَاله مُخْتَصَّة بِالروحِ فالميت أبلغ من ذَلِك فَإِن مَعْرفَته بالأمور أكمل من النَّائِم
وإرداك الْإِنْسَان بعد مَوته لأمور الْآخِرَة أكمل من إِدْرَاك أهل الدُّنْيَا وَإِن
[ ١٨٩ ]
كَانَ قد تعرض للْمَيت حَال لَا يدْرك فِيهَا كَمَا قد يعرض ذَلِك للنائم وَقد روى من مَاتَ وَلم يوص لَا يَسْتَطِيع الْكَلَام
وأرواح الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَت فِي الْجنَّة فلهَا اتِّصَال بِالْبدنِ إِذا شَاءَ الله تَعَالَى من غير زمن طَوِيل كَمَا تنزل الْمَلَائِكَة فِي طرفَة عين
قَالَ مَالك رَحْمَة الله تَعَالَى بَلغنِي أَن الرّوح مُرْسلَة تذْهب حَيْثُ شَاءَت وَلِهَذَا روى أَنَّهَا على أفنية الْقُبُور وَأَنَّهَا فِي الْجنَّة والجميع حق
وَفِي الصِّحَاح أَنَّهَا ترد إِلَيْهِ بعد الْمَوْت وَيسْأل وَترد فَتكون مُتَّصِلَة بِالْبدنِ بِلَا ريب وَالله أعلم
وَقد استفاضت الْأَخْبَار بِمَعْرِفَة الْمَيِّت بِحَال أَهله وَأَصْحَابه فِي الدُّنْيَا وَأَن ذَلِك يعرض عَلَيْهِ وَأَنه يرى ويدري بِمَا يفعل عِنْده وَيسر بِمَا كَانَ حسنا ويتألم بِمَا كَانَ قبيحا وَرُوِيَ أَن عَائِشَة ﵂ بعد أَن دفن عمر ﵁ كَانَت تستتروتقول كَانَ أبي وَزَوْجي فَأَما عمر فأجنبي تَعْنِي أَنه يَرَاهَا
وروى أَن الْمَوْتَى يسْأَلُون الْمَيِّت عَن حَال أَهْليهمْ فيعرفهم أَحْوَالهم وَأَنه ولد لفُلَان ولد وَتَزَوَّجت فُلَانُهُ وَمَات فلَان فَمَا جَاءَ فَيَقُولُونَ رَاح إِلَى أمه الهاوية
مَسْأَلَة بِنَاء الْمَسَاجِد على الْقُبُور محرم بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة
وَلَو بنى على الْقَبْر مَسْجِد نهى عَنهُ أَيْضا بِاتِّفَاق الْعلمَاء
وَإِنَّمَا تنازعوا فِي تطيينه فَرخص فِيهِ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَكَرِهَهُ أَبُو حنيفَة كالتجصيص
وَبِنَاء القباب والمساجد على الْقُبُور مُحدث فِي الْإِسْلَام من قريب
وَكَذَلِكَ تَرْتِيب الْقِرَاءَة على الْقُبُور مُحدث
[ ١٩٠ ]
وَقد تنَازع الْعلمَاء فِيمَن أهْدى للْمَيت عبَادَة بِذَنبِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالْقِرَاءَة فمذهب أَحْمد وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا وُصُول ذَلِك
وَالْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ أَن ذَلِك لَا يصل
وَاتَّفَقُوا على وُصُول الْعِبَادَات الْمَالِيَّة كَالْعِتْقِ وَالْوَقْف على من يتَعَلَّم الْقُرْآن ويعلمه أَو الحَدِيث أَو الْعلم أَو نَحوه من الْأَعْمَال الْمَأْمُور بهَا فِي الشَّرِيعَة فَهَذَا أفضل من الْوَقْف على من يقْرَأ وَيهْدِي ثَوَابه لأي من كَانَ نَبِي أَو غَيره
وَلم يقل أحد إِن الْقِرَاءَة عِنْد الْقَبْر أفضل من غَيره
وكل من وقف وَقفا على شَيْء من أَعمال البركان لَهُ أجره وَلِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِ وَسلم أجر ذَلِك كُله لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي علم الدّين وَسن للنَّاس وعلمهم جَمِيع الْخيرَات فَلهُ أجر من عمل بذلك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء فَإِنَّهُ هُوَ الدَّاعِي إِلَى كل خير وَهدى ﷺ
مَسْأَلَة الدّين الَّذِي بعث الله بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه هُوَ عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ فَإِذا كَانَ مَطْلُوب العَبْد من الْأُمُور الَّتِي لَا يقدر عَلَيْهَا إِلَّا الله مثل شِفَاء مريضه أَو وَفَاء دينه من غير جِهَة مُعينَة أَو عافيته مِمَّا بِهِ من بلَاء الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَو انتصاره على عدوه أَو هِدَايَة قلبه أَو غفران ذَنبه أَو دُخُوله الْجنَّة من النَّار أَو أَن يتَعَلَّم الْعلم وَالْقُرْآن أَو أَن يصلح قلبه وَيحسن خلقه وَذَلِكَ فَهَذَا لَا يجوز أَن يطْلب إِلَّا من الله تَعَالَى
وَلَا يجوز أَن يُقَال لملك وَلَا نَبِي وَلَا شيخ ميت أَو حَيّ اغْفِر لي ذَنْب
[ ١٩١ ]
وَانْصُرْنِي على عدوي فَمن سَأَلَ مخلوقا شَيْئا من ذَلِك فَهُوَ مُشْرك بِهِ قد أَتَّخِذ لله ندا يجب أَن يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَهَذَا مثل دين النَّصَارَى
وَكَذَا قَوْله يَا سَيِّدي فلَان أَنا فِي حَسبك أَو فِي جيرتك فلَان يظلمني يَا شَيْخي فلَان انصرفي عَلَيْهِ
وَأما مَا يقدر عَلَيْهِ العَبْد فَيجوز أَن يطْلب مِنْهُ فِي بعض الْأَحْوَال دون بعض فَإِن مَسْأَلَة الْمَخْلُوق قد تكون جَائِزَة وَقد تكون مَنْهِيّا عَنْهَا وَمن ذَلِك قَوْله يَا فلَان ادْع الله لي اسْأَل الله لي كَذَا فَطلب الدُّعَاء مِمَّن هُوَ فَوْقه أَو دونه مَشْرُوع
وَقد قَالَ ﷺ من سَأَلَ الله لي الْوَسِيلَة حلت عَلَيْهِ شَفَاعَتِي وَذَلِكَ لأجل منفعَته ﷺ بِطَلَب الْوَسِيلَة لَهُ ومنفعتنا بالشفاعة
وَفرق بَين من يطْلب من غَيره الدُّعَاء لمنفعته مِنْهُ وَبَين من يسْأَل غَيره لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَقَط
وَفِي الصَّحِيح أَن عمر ﵁ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذا أجد بِنَا نتوسل إِلَيْك نبيك فتسقينا وَإِنَّا نتوسل إِلَيْك بعم نَبينَا فاسقنا
وَأما زِيَارَة الْقُبُور الْمَشْرُوعَة فَهِيَ أَن يسلم على الْمَيِّت وَيَدْعُو لَهُ فَقَط كَالصَّلَاةِ على جنَازَته
فَلَيْسَ فِي الزِّيَارَة الْمَشْرُوعَة حَاجَة للحي إِلَى الْمَيِّت وَلَا توسل بِهِ بل فِيهَا مَنْفَعَة الْمَيِّت كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالله يرحم هَذَا ويثيبه على عمله وَيرْحَم هَذَا ويثيبه على دُعَائِهِ للْمَيت وتذكره الدَّار الْآخِرَة كَمَا علم النَّبِي ﷺ الصَّحَابَة الزِّيَارَة وكما كَانَ هُوَ ﷺ يزور
وَالْمَقْصُود أَن من يَأْتِي إِلَى الْقَبْر أَو إِلَى رجل صَالح ويستنجده فَهَذَا على ثَلَاث دَرَجَات
[ ١٩٢ ]
إِحْدَاهمَا أَن يسْأَل حَاجته مثل أَن يكون أَن يَقُول اغْفِر لي وَنَحْوه فَهَذَا شرك كَمَا تقدم
الثَّانِيَة أَن يطْلب مِنْهُ أَن يَدْعُو لَهُ لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْإِجَابَة فَهَذَا مَشْرُوع فِي الْحَيّ وَأما الْمَيِّت فَلم يشرع لنا أَن نقُول لَهُ ادْع لنا وَلَا اسْأَل لنا رَبك وَلم يفعل ذَلِك أحد من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا أَمر بِهِ أحد من الْأَئِمَّة وَلَا ورد فِيهِ حَدِيث بل فِي الصَّحِيح أَن عمر ﵁ استسقى بِالْعَبَّاسِ وَلم يَأْتِ قبر النَّبِي ﷺ بل كَانُوا إِذا جَاءُوا قَبره سلمُوا عَلَيْهِ فَإِذا دعوا استقبلوا الْقبْلَة ودعوا الله وَحده لَا شريك لَهُ كَمَا يَدعُونَهُ فِي سَائِر الْبِقَاع
وَقد ثَبت أَنه ﷺ نهى عَن إتْيَان قَبره واتخاذه عيدا ومسجدا فِي أَحَادِيث كَثِيرَة
وَلِهَذَا قَالَ الْعلمَاء إِنَّه لَا يجوز بِنَاء الْمَسَاجِد على الْقُبُور
وَلَا يجوز أَن ينذر للقبر وَلَا للمجاورين عِنْده شَيْء من الْأَشْيَاء لَا دَرَاهِم وَلَا زَيْت وَلَا شمع وَلَا حَيَوَان وَلَا غير ذَلِك
وَلم يقل أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين إِن الصَّلَاة عِنْد الْقُبُور عِنْد الْقُبُور وَفِي مشَاهد الْمَوْتَى مُسْتَحبَّة أَو فِيهَا فَضِيلَة وَلَا أَن الدُّعَاء وَالصَّلَاة أفضل عِنْد الْقُبُور مِنْهَا عِنْد غَيرهَا
بل اتَّفقُوا كلهم على أَن الصَّلَاة فِي الْمَسَاجِد والبيوت أفضل من الصَّلَاة عِنْد قُبُورهم الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ
وَقد شرع الله الصَّلَاة فِي الْمَسَاجِد دون الْمشَاهد
وَلِهَذَا اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن من زار قبرهم النَّبِي ﷺ أَو غَيره
[ ١٩٣ ]
من أهل بَيته أَو غَيرهم أَنه لَا يتمسح بِهِ وَلَا يقبل مَا أقيم عَلَيْهِ من الانصاب وَلَا يُطَاف حوله بل لَيْسَ شَيْء يشرع تقبيله إِلَّا الْحجر الْأسود
وَقد ثَبت أَن عمر ﵁ قَالَ فِيك إِنَّك حجر لَا تضر وَلَا تَنْفَع
وَلَكِن تنَازع الْفُقَهَاء فِي وضع الْيَد على مِنْبَر النَّبِي ﷺ لما كَانَ الْمِنْبَر مَوْجُودا فكرهه مَالك وَغَيره
وَأما التمسح بِقَبْر النَّبِي ﷺ وَتَقْبِيله فكلهم نهى عَنهُ أَشد النَّهْي
وَذَلِكَ أَنهم علمُوا مَا قَصده الرَّسُول ﷺ من حسم مَادَّة الشّرك وَتَحْقِيق التَّوْحِيد لله وَحده
وَهَذَا مِمَّا يظْهر بِهِ الْفرق بَين سُؤال النَّبِي ﷺ فِي حَيَاته وَبعد مَوته وسؤال العَبْد الصَّالح فِي حَيَاته وَبعد مَوته وَذَلِكَ أَن أحدا فِي حَيَاته لَا يعبد لِأَنَّهُ لَا يُمكن أحدا من ذَلِك كَمَا قَالَ الْمَسِيح ﵇ مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دَامَت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد
وَقَالَ نَبينَا ﷺ لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن مَرْيَم فَإِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله وَكَذَا لما سجد لَهُ معَاذ ﵁ نَهَاهُ وَقَالَ إِنَّه لَا يصلح السُّجُود إِلَّا لله
وم كَانَ أحد أحب إِلَيْهِم من رَسُول الله ﷺ وَمَا كَانُوا يقومُونَ لَهُ إِذا قدم عَلَيْهِم مَا يرَوْنَ من كَرَاهَته لذَلِك
فَهُوَ شَأْن أَنْبيَاء الله تَعَالَى وأوليائه وَإِنَّمَا يقر على الغلو فِيهِ وتعظيمه من يُرِيد الْعُلُوّ فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ كفرعون ومشائخ الضَّلَالَة الَّذين غرضهم الْعُلُوّ فِي الأَرْض
[ ١٩٤ ]
والفتنة بالأنبياء وَالصَّالِحِينَ واتخاذهم أَرْبَابًا والاشراك بهم فِي غيبتهما أقرب من الْفِتْنَة بالملوك ورؤساء الدُّنْيَا
فَظهر الْفرق بَين سُؤال النَّبِي ﷺ وَالْعَبْد الصَّالح فِي حَيَاته بِحُضُورِهِ وَبَين سُؤَاله فِي ماته وغيبته
وَمن أعظم الشّرك أَن يستغيث الْإِنْسَان بِرَجُل ميت عِنْد المصائب فَيَقُول يَا سَيِّدي فلَان كَأَنَّهُ يطْلب مِنْهُ إِزَالَة ضَرَره أَو جلب نَفعه كَمَا هُوَ حَال النَّصَارَى فِي الْمَسِيح وَأمه وأجبارهم وَرُهْبَانهمْ
فَإِذا حصل هَذَا الشّرك نزلت عَلَيْهِم الشَّيَاطِين وأغوتهم وَرُبمَا خاطبتهم كَمَا كَانَت نَفْعل مَعَ أَصْحَاب الْأَصْنَام لَا سِيمَا عِنْد سَماع المكاء والتصدية فَإِن الشَّيَاطِين تتنزل عَلَيْهِم عِنْده وَقد يُصِيب أحدهم من الإرغاء والأزباء والصباح الْمُنكر وتكلمه بِمَا لَا يعقله هُوَ وَلَا الْحَاضِرُونَ وأمثال ذَلِك
وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ أَن يَقُول اللَّهُمَّ بجاه فلَان عنْدك أَو ببركة فلَان أَو بِحرْمَة فلَان عنْدك أفعل لي كَذَا وَكَذَا فَهَذَا يَفْعَله كثير من النَّاس لَكِن لم ينْقل عَن أحد من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا سلف الْأمة أَنهم كَانُوا يدعونَ بِمثل هَذَا الدُّعَاء
قَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى لم يبلغنِي عَن أحد من الْعلمَاء فِي ذَلِك مَا أحكيه إِلَّا مَا رَأَيْته فِي فتاوي الْعِزّ بن عبد السَّلَام فَإِنَّهُ أفتى أَنه لَا يجوز
[ ١٩٥ ]
لأحد أَن يفعل هَذَا إِلَّا بِالنَّبِيِّ ﷺ إِن صَحَّ الحَدِيث فِي النَّبِي ﷺ أَو معنى ذَلِك
وَذَلِكَ أَنه روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه علم بعض أَصْحَابه أَن يَدْعُو فَيَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك وأتوسل إِلَيْك بنبيك نَبِي الرَّحْمَة يَا مُحَمَّد يَا رَسُول الله إِنِّي أتوسل بك إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتي ليقضيها لي اللَّهُمَّ شُفْعَة فِي
فَهَذَا الحَدِيث اسْتدلَّ بِهِ طَائِفَة على التوسل بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاته ومماته
وَلَيْسَ فِيهِ على فرض صِحَّته أَنه دَعَاهُ واستغاث بِهِ بل فِيهِ أَنه سَأَلَهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي قَوْله ﷺ فِي حَدِيث الْمَشْي إِلَى الصَّلَاة اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِحَق السَّائِلين بِحَق السَّائِلين وبحق ممشاي هَذَا فَالله قد جعل على نَفسه حَقًا فَقَالَ تَعَالَى وَكَانَ حَقًا نصر الْمُؤمنِينَ
وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث جَوَاز التوسل بِهِ فِي مماته وَلَا مغيبه بل إِنَّمَا فِيهِ التوسل بِهِ فِي حَيَاته بِحُضُورِهِ كَمَا استسقى عمر بِالْعَبَّاسِ لما مَاتَ النَّبِي ﷺ إِنَّا كُنَّا نتوسل إِلَيْك نَبينَا وَذَلِكَ أَن التوسل بِهِ فِي حَيَاته هُوَ أَنهم كَانُوا يتوسلون بِهِ أَي يسألونه أَن يَدْعُو الله فيدعو لَهُم وَيدعونَ فيتوسلون بِشَفَاعَتِهِ ودعائه كَمَا سَأَلُوهُ أَن يستسقى لَهُم يَوْم الْجُمُعَة
وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَة ﵁ لما استسقى قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا نتشفع إِلَيْك بخيارنا يزِيد بن الْأسود الجرشِي ارْفَعْ يَديك يَا يزِيد إِلَى الله فَرفع يَدَيْهِ ودعا ودعوا فسقوا
وَكَذَلِكَ قَالَ الْعلمَاء يسْتَحبّ أَن يستسقى بِأَهْل الصّلاح وَالدّين وَإِن كَانُوا من أهل بَيت رَسُول الله ﷺ كَانَ أحسن
وَلم يذكر أحد من الْعلمَاء أَنه يشرع التوسل بِالنَّبِيِّ ﷺ
[ ١٩٦ ]
وَلَا بِالرجلِ الصَّالح بعد مَوته وَلَا فِي مغيبه وَلَا استحبوا ذَلِك فِي الأستسقاء وَلَا فِي الاستنصار وَلَا غير ذَلِك من الْأَدْعِيَة
وَالدُّعَاء مخ الْعِبَادَة وَالْعِبَادَة مبناها على السّنة والاتباع لَا على الْهوى والابتداع فَإِنَّمَا يعبد بالأهواء والبدع
وَأما وضع الرَّأْس عِنْد الكبراء من الشُّيُوخ أَو غَيرهم أَو تَقْبِيل الأَرْض أَو نَحْو ذَلِك فَهُوَ مِمَّا لَا نزاع بَين الْأَئِمَّة فِي النَّهْي عَنهُ بل مُجَرّد الانحناء بِالظّهْرِ لغير الله منهى عَنهُ
وَقَول الْقَائِل انْقَضتْ حَاجَتي ببركة فلَان فمنكر من القَوْل وزور لِأَن قَائِلا قَالَ النَّبِي ﷺ مَا شَاءَ الله وشئت فَقَالَ ﷺ أجعلني الله ندا بل مَا شَاءَ وَحده
وَقَول الْقَائِل ببركة الشَّيْخ فقد يَعْنِي بِهِ معنى صَحِيحا مثل بركَة دُعَائِهِ أَو بركَة مَا أَمر بِهِ من الْخَيْر أَو بركَة اتِّبَاعه لَهُ على الْحق وطاعته لَهُ من طَاعَة الله أَو بركَة معاونته على الْحق وموالاته فِي الدّين وَنَحْو ذَلِك
وَقد يَعْنِي بِهِ معنى بَاطِلا مثل دُعَائِهِ الْمَيِّت وَالْغَائِب واستقلال الشَّيْخ بذلك تَأْثِيرا أَو فعله لَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا الله أَو مُتَابَعَته أَو مطاوعته على الْبدع والمنكرات وَنَحْو هَذِه الْمعَانِي الْبَاطِلَة
فَالَّذِي لَا ريب فِيهِ أَن الْعَمَل بِطَاعَة الله وَدعَاهُ الْمُؤمنِينَ بَعضهم لبَعض وَنَحْو ذَلِك هُوَ نَافِع فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَذَلِكَ بِفضل الله وَرَحمته
وَأما قَول الْقَائِل إِن الْغَوْث هُوَ القطب الْجَامِع فِي الْوُجُود وَتَفْسِير ذَلِك بِأَنَّهُ مدد الْخَلَائق فِي رزقهم ونصرتهم حَتَّى إِنَّه مدد الْمَلَائِكَة وَالْحِيتَان فِي الْبَحْر فهذ كفر بالِاتِّفَاقِ
وَكَذَلِكَ إِن عني بالغوث مَا يَقُوله بَعضهم إِن فِي الأَرْض ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجلا النجباء مِنْهُم سَبْعُونَ نفسا وَمِنْهُم أَرْبَعُونَ أبدالا وَمِنْهُم سَبْعَة
[ ١٩٧ ]
أقطاب وَمِنْهُم أَرْبَعَة أوتاد وَمِنْهُم وَاحِد غوث وَأَنه مُقيم بِمَكَّة وَأَن أهل الأَرْض إِذا نابهم نائبة ونصرهم فزعوا إِلَى الثلاثمائة والبضعة عشر وَأُولَئِكَ يفزعون إِلَى السّبْعين وَالسَّبْعُونَ إِلَى الْأَرْبَعين والأرعون إِلَى السَّبْعَة والسبعة إِلَى الْأَرْبَعَة وَالْأَرْبَعَة إِلَى الْوَاحِد وَبَعْضهمْ يزِيد فِي ذَلِك وَينْقص فِي الْأَعْدَاد والأسماء والمراتب فَإِن لَهُم فِي هَذَا الْبَاطِل مقالات حَتَّى يَقُول بَعضهم إِن رزقه ينزل من السَّمَاء باسم غوث الْوَقْت واسْمه خضر بِنَاء عَليّ قَول من يَقُول مِنْهُم إِن الْخضر مرتبَة وَإِن لكل زمَان خضرًا وَإِن لهمفي قَوْلَيْنِ فَهَذَا كُله بَاطِل لَا أصل لَهُ فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ وَلَا قَالَه أحد من سلف الْأمة وَلَا أئمتها وَلَا من الشُّيُوخ الْكِبَار الْمُتَقَدِّمين الَّذين يصلحون للاقتداء بهم
وَمَعْلُوم أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر وَعمر وعليا ﵃ كَانُوا خير هَذِه الْخَلَائق فِي زمانهم وَكَانُوا بِالْمَدِينَةِ لم يَكُونُوا بِمَكَّة
وَمثل ذَلِك مَا يَقُوله الفلاسفة من الْعُقُول الْعشْرَة الَّتِي يَزْعمُونَ أَنَّهَا الْمَلَائِكَة وَهُوَ مثل مَا يَقُوله النَّصَارَى فِي الْمَسِيح كل ذَلِك كفر بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة
وَقد روى بَعضهم حَدِيثا فِي أبي لؤلؤة غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَأَنه أحد السَّبْعَة وَهُوَ كذب بِاتِّفَاق أهل الْمعرفَة
وَقد يرْوى بعض هَذِه الْأَحَادِيث أَبُو معيم فِي الْحِلْية وَالشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى فَلَا يغتر بشئ مِنْهَا
وَكَذَلِكَ يُقَال ثَلَاثَة مَالهَا أصل بَاب النَّصَارَى وغوث الصُّوفِيَّة ومتنظر الرافضة
وَالصَّوَاب أَن الْخضر مَاتَ فَإِنَّهُ لَو كَانَ مَوْجُودا فِي زمن النَّبِي ﷺ لآمن بِهِ وجاهد مَعَه
[ ١٩٨ ]
ثمَّ لَيْسَ للْمُسلمين بِهِ حَاجَة فَإِنَّهُم أخذُوا دينهم عَن الْمَعْصُوم النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي علمهمْ الْكتاب وَالْحكمَة
ثمَّ كَيفَ يظْهر للْمُشْرِكين وَلَا يظْهر للسابقين الْمُوَحِّدين
وَكَيف يظْهر لقوم كفار يرفع سفينتهم وَلَا يظْهر لخير أمة أخرجت للنَّاس وَقد قَالَ نَبِيّهم ﷺ لَو كَانَ مُوسَى حَيا مَا وَسعه إِلَّا آتباعي وَقَالَ لَو اتبعتموه وتركتموني لَو كَانَ حَيا للضللتم وَإِذا نزل عِيسَى ﵇ من السَّمَاء فانا يحكم بِملَّة مُحَمَّد ﷺ
وَعَامة مَا يحْكى عَن الْخضر إِمَّا كذب وَإِمَّا مبْنى على ظن مثل الَّذِي رأى شخصا فَقَالَ لَهُ إِنَّه الْخضر وَهَذَا مثل قَول الرافضة فِي المنتظر
ويروى عَن الإِمَام أَحْمد ﵁ أَنه ذكر لَهُ ذَلِك فَقَالَ من أحالك على غَائِب فَمَا أنصفك وَمَا لبس عَلَيْهِ الإ الشَّيْطَان
وَقد يُرَاد بالغوث أَنه أفضل أهل زَمَانه فَهَذَا مُمكن لَكِن قد يكون ذَلِك جمَاعَة وَقد يتساوون وَقد يتقاضلون من وَجه دون وَجه
وَبِكُل حَال فتسمية هَذَا غوثا أَو قطبا أَو جَامعا بِدعَة وضلالة مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان وَلَا يعلم بهَا أحد من السّلف وَمَا زَالَ السّلف يظنون فِي بعض النَّاس أَنه أفضل أهل زَمَانه وَلَا يطلقون هَذِه التَّسْمِيَة عَلَيْهِ
وَقَالَ بعض الْكِبَار المنتحلين لهَذَا إِن القطب ينْطق علمه من علم الله وَقدرته عَن قدرَة اله فَيعلم مَا يُعلمهُ الله وَيقدر على مَا يقدر عَلَيْهِ الله وَزعم أَن النَّبِي ﷺ كَانَ كَذَلِك وانتقل ذَلِك عَنهُ إِلَى أبي الْحسن ثمَّ انْتقل إِلَى شَيْخه فَهَذَا كفر قَبِيح وَجَهل صَرِيح وَالله الْمُسْتَعَان
مَسْأَلَة الاعتداء فِي الدُّعَاء غير جَائِز منهى عَنهُ فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَهُوَ أَن يسْأَل الله منَازِل الْأَنْبِيَاء أَو أَكثر من ذَلِك من السُّؤَال الَّذِي لَا يصلح
[ ١٩٩ ]
والاعتداء فِي الطُّهْر عَنهُ وَهُوَ الزِّيَادَة على الْمَشْرُوع قَالَ ﷺ سَيكون فِي هَذِه الْأمة قوم يَعْتَقِدُونَ فِي الطُّهْر وَالدُّعَاء
مَسْأَلَة عِيسَى بن مَرْيَم ﷺ حَتَّى رَفعه الله تَعَالَى إِلَيْهِ بِرُوحِهِ وبدنه وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنِّي متوفيك﴾ أَي قابضك وَكَذَلِكَ ثَبت أَنه ينزل على المنارة الْبَيْضَاء شَرْقي دمشق فَيقْتل الدَّجَّال وَيكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير وَيَضَع الْجِزْيَة حكما عدلا مقسطا
وَيُرَاد بالتوفي الِاسْتِيفَاء وَيُرَاد بِهِ الْمَوْت وَيُرَاد بِهِ النّوم وَيدل على كل وَاحِد الْقَرِينَة الَّتِي مَعَه
وَلَا يجوز ذبخ الضَّحَايَا وَلَا غَيرهَا فِي الْمَسْجِد وَلَا الدّفن فِيهِ وَلَا تَغْيِير الْوَقْف عَلَيْهِ لغير مصلحَة وَلَا الِاسْتِنْجَاء فِي الْمَسْجِد
وَفِي كَرَاهَة الْوضُوء فِيهِ نزاع إِلَّا أَن يحصل مَعَه بصاق أَو مخاط فِي الْمَسْجِد فَإِن البصاق فِيهِ خَطِيئَة وكفارتها دَفنهَا فَكيف بالمخاط
وَمن لم يأتمر بِمَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله وَلم ينْتَه عَمَّا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله بل يرد على من أمره بِالْمَعْرُوفِ أَو نَهَاهُ عَن الْمُنكر يُعَاقب الْعقُوبَة الشَّرْعِيَّة
وَلَا تغسل الْمَوْتَى فِي الْمَسْجِد وَلَا يحدث فِيهِ مَا يضر بالمصلين فَإِن أحدث أزيل وأعيد إِلَى الصّفة الأولى وَأصْلح مِنْهَا
مَسْأَلَة قَالَ أَبُو الْعَالِيَة سَأَلت أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَة على الله للَّذين يعْملُونَ السوء بِجَهَالَة﴾ فَقَالُوا اكل من عصى الله فَهُوَ جَاهِل وكل مَا تَابَ قبل الْمَوْت فقد تَابَ من قريب
وَأما كِتَابَة لَا إِلَه إِلَّا الله على الدَّرَاهِم فمحدث من خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان وَإِلَى الْآن وَكَانُوا يَكْتُبُونَ عَلَيْهَا نَحوا من ذَلِك
وَيجوز للمحدث مسكها وَإِذا كَانَت مَعَه فِي منديل أَو خريطة وشق عَلَيْهِ مسكها جَازَ أَن يدْخل بهَا بَيت الْخَلَاء
[ ٢٠٠ ]
وَلم يضْرب الرَّسُول ﷺ وَلَا أَصْحَابه دَرَاهِم وَإِنَّمَا حدث ضربهَا فِي خلَافَة عبد الْملك كَمَا تقدم
وَمَرْيَم بنت عمرَان وآسيا زَوْجَة فِرْعَوْن من أفضل النِّسَاء
والفواضل من هَذِه الْأمة كخديجة وَعَائِشَة وَفَاطِمَة ﵅ أفضل مِنْهَا كَمَا أَن المفضلين من رجال هَذِه الْأمة أفضل من فضلاء رجال غَيرهَا
فَإِن الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة الْمُسلمين وَحكى الْإِجْمَاع عَلَيْهِ غير وَاحِد أَنَّهُمَا ليستا نبيتين وَإِنَّمَا غايتهما الصديقية كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن
وصديقوا هَذِه الْأمة رجالها ونساؤها أفضل من صديق غَيرهَا
وَأما الْأَبْكَار فَالله يزوجهن فِي الْجنَّة
وَمَا أعلم صِحَة ذَلِك وَالله أعلم
وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَن من لم يُؤمن بِمُحَمد ﷺ بعد بُلُوغ رسَالَته إِلَيْهِ أَنه كَافِر مخلد فِي النَّار وَمن ارتاب فِي ذَلِك فَهُوَ كَافِر يجب قَتله كَمَا استتاب عمر وَعلي ﵄ طَائِفَة جهلت حُرْمَة الْخمر فضلت أَنَّهَا تُبَاح للصالحين دون غَيرهم وَاتفقَ الصَّحَابَة على أَن هَؤُلَاءِ إِن أصروا قتلوا
مَسْأَلَة نقل عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ أَنه قَالَ عَن شدَّة
وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي سعيد ﵁ فِي حَدِيثه الطَّوِيل الَّذِي فِيهِ تجلي الله تَعَالَى لعبادة يَوْم الْقِيَامَة وَأَنه يحتجب ثمَّ يتجلى قَالَ فَيكْشف عَن سَاقه فينطرون إِلَيْهِ
وَالَّذِي فِي الْقُرْآن سَاق لَيست مُضَافَة فَلهَذَا وَقع النزاع هَل هُوَ من الصِّفَات أم لَا
قَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَلَا أعلم خلافًا عَن الصَّحَابَة فِي شَيْء
[ ٢٠١ ]
مِمَّا يعد من الصِّفَات الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن إِلَّا هَذِه الْآيَة لعدم الْإِضَافَة فِيهَا وَالَّذِي يَجْعَلهَا من الصِّفَات يَقُول فِيهَا كَقَوْلِه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لما خلقت بيَدي﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ مَعَ الصِّفَات تثبت وَيجب تَنْزِيه الرب تَعَالَى عَن التَّمْثِيل لِأَنَّهُ لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير
وَمن نبش قُبُور الْمُسلمين عُدْوانًا عُوقِبَ بِمَا يردعه وَأَمْثَاله عَن ذَلِك وَكَذَا من خرب مَسْجِدهمْ فَعَلَيهِ إِعَادَته من مَاله
مَسْأَلَة خرج مُسلم عَن عَائِشَة ﵄ قَالَت سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات وبرزوا لله الْوَاحِد القهار﴾ فَأَيْنَ يكون النَّاس يَوْمئِذٍ قَالَ على الصِّرَاط
فالأرض تبدل كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّاس يحشرون على أَرض بَيْضَاء عفراء كقرصة النقى لَيْسَ فِيهَا علم لأحد
قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ هِيَ أَرض بَيْضَاء كَهَيئَةِ الْفضة لم يعْمل عَلَيْهَا خَطِيئَة وَلَا سفك فِيهَا دم حرَام وَيجمع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد ينفذهم الْبَصَر وَيسْمعهُمْ الدَّاعِي حُفَاة عُرَاة غرلًا كَمَا خلقُوا فَيَأْخُذ النَّاس من كرب ذَلِك الْيَوْم وشدته حَتَّى يلجمهم الْعرق
وَبَعْضهمْ يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ
وَكَذَا هُوَ مُجَاهِد وَغَيره من السّلف
فَهَذَا الحَدِيث وَسَائِر الْآثَار تبين أَن النَّاس يحشرون على الأَرْض المبتلة وَالْقُرْآن يُوَافق على ذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات وبرزوا لله الْوَاحِد القهار﴾
وحشرهم وحسابهم يكون قبل الصِّرَاط فَإِن الصِّرَاط عَلَيْهِ ينجون إِلَى الْجنَّة وَيسْقط أهل النَّار فِيهَا كَمَا ثَبت فِي الْأَحَادِيث
[ ٢٠٢ ]
وَحَدِيث عَائِشَة ﵂ الْمُتَقَدّم يدل على أَن التبديل وهم على الصِّرَاط لَكِن البُخَارِيّ لم يُورِدهُ فَلَعَلَّهُ تَركه لهَذِهِ الْعلَّة وَغَيرهَا فَإِن سدنه جيد
أَو يُقَال تبدل الأَرْض قبل الصِّرَاط وعَلى الصِّرَاط تبدل السَّمَوَات
وَأما قَوْله ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب﴾ فالطي غير التبديل
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه يطوى السَّمَوَات ثمَّ يأخذهن بِيَمِينِهِ ثمَّ يَقُول أَنا الْملك أَنا الْجَبَّار أَيْن الجبارون أَيْن المتكبرون وَفِي لفظ يَأْخُذ الجهار سمواته وأرضه بِيَدِهِ وَهُوَ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة
فطى السَّمَوَات لَا يُنَافِي أَن يكون الْخلق فِي موضعهم وَلَيْسَ فِي شَيْء من الحَدِيث أَنهم يكونُونَ عِنْد الطي على الجسر كَمَا روى ذَلِك وَقت تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَإِن كَانَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَة مَا فِيهَا
وَالَّذِي لَا ريب فِيهِ أَنه لَا بُد من تبديلها وطيبها
وَمذهب سلف الْأمة إِثْبَات الصِّفَات لله كَمَا جَاءَت إِثْبَاتًا بِلَا تَمْثِيل وتنزيها بِلَا تَعْطِيل
وَفِي يَوْم الْقِيَامَة تبدل الْجُلُود فِي النَّار كَمَا أخبر سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ
فَقيل إِنَّه تغير الْجُلُود فِي الصِّفَات لَا فِي الذوات فَكلما تَغَيَّرت الصِّفَات صَار هَذَا غير هَذَا وَإِن كَانَ الأَصْل وَاحِدًا وَهَذَا كَمَا تمد الأَرْض وَتَكون السَّمَاء كَالْمهْلِ وكما يُعَاد خلق الانسان وَيبقى طوله سِتُّونَ ذِرَاعا
[ ٢٠٣ ]
قَاعِدَة
الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن النَّار لَا يخلد فِيهَا أحد من أهل الْإِيمَان والتوحيد كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الْأَحَادِيث إِنَّه يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَنَحْوه
وَلَكِن لَا بُد أَن يدْخل النَّار عصاة أهل التَّوْحِيد بِذُنُوبِهِمْ ويعاقبون على مِقْدَار ذنوبهم ثمَّ يخرجُون بشفاعة النَّبِي ﷺ وَغَيره
وَأما أهل الْبدع فَلهم أَقْوَال مضطربة بَاطِلَة
فجمهور الْمُعْتَزلَة والخوارج يَقُولُونَ من دخل النَّار خلد فِيهَا وَآخَرُونَ من المرجئة يَقُولُونَ إِنَّا لَا نقطع لمُعين
فَأُولَئِك اعتقدوا أَن الْإِيمَان مَتى ذهب بعضه ذهب جَمِيعه
قَالُوا وَالْفَاسِق قد نقص إيمَانه وَالْحق مَا عَلَيْهِ السّلف
وَقَوله ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن الحَدِيث إِنَّمَا سلبه كَمَال الْإِيمَان الْوَاجِب وَحَقِيقَته الَّتِي بهَا يسْتَحق الْجنَّة والنجاة من النَّار
وَكَذَلِكَ قَوْله من غَشنَا لَيْسَ منا وَشبهه
وَمَا ورد من نُصُوص الْوَعيد الْمُطلقَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَسَوف نصليه نَارا﴾ فَهُوَ مُبين ومفسر بِمَا فِي الْكتاب وَالسّنة من النُّصُوص المبينة لذَلِك الْمقيدَة لَهُ
وَكَذَلِكَ مَا ورد من نُصُوص الْوَعْد الْمُطلقَة
وَكَذَلِكَ بَين أَن الْحَسَنَات تمحو السَّيِّئَات والخطايا تكفر بالمصائب وَغَيرهَا من الْعَمَل الصَّالح من غَيره كالدعاء لَهُ وَالصَّدََقَة عَنهُ وَالصِّيَام وَالْحج عَنهُ
فَقَوله لَا يدْخل النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان نفي بِهِ الدُّخُول الْمُطلق الَّذِي توعد بِهِ فِي الْقُرْآن توعدا مُطلقًا وَهُوَ دُخُول الخلود فِيهَا وَأَنه
[ ٢٠٤ ]
لَا يخرج مِنْهَا بشفاعة وَلَا غَيرهَا مثل قَوْله ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾
فَيُقَال إِن من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان يمْنَع من هَذَا الدُّخُول الْمَعْرُوف لَا أَنه لَا يصبهُ شَيْء من عَذَاب النَّار لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ يَقُول الله تَعَالَى أخرجُوا من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان وَقَالَ وَأما أهل النَّار الَّذين هم أَهلهَا فَإِنَّهُم لَا يموتون فِيهَا وَلَا يحيون وَلَكِن نَاس أَصَابَتْهُم بِذُنُوبِهِمْ فأماتتهم إمانة حَتَّى إِذا كَانَ حما أذن فِي الشَّفَاعَة فَخَرجُوا ضبائر ضبائر فينبتون على نهر الْجنَّة
وَكَذَلِكَ قَوْله لَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبة مِثْقَال ذرة من كبر نفي الدُّخُول الْمُطلق الْمَعْرُوف وَهُوَ دُخُول الْمُؤمنِينَ الَّذين أعدت لَهُم الْجنَّة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وسيق الَّذين اتَّقوا رَبهم إِلَى الْجنَّة زمرا حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ الْآيَة وَقَوله ﴿يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ بِمَا غفر لي رَبِّي وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين﴾ وأمثال ذَلِك مِمَّا يُطلق فِيهِ الدُّخُول وَالْمرَاد الدُّخُول ابْتِدَاء من غير سبق عَذَاب فِي النَّار بِحَيْثُ لَا يفهم من ذَلِك يُعَذبُونَ فَهَذَا الدُّخُول لَا يَنَالهُ من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر
وَأَيْضًا فَهَذِهِ الْأَحَادِيث مُبين فِيهَا سَبَب دُخُوله الْجنَّة من الْعَمَل الصَّالح وَسبب دُخُول النَّار كالكبر
فَإِن وجد فِي العَبْد أحد السببين فَقَط فَهُوَ من أَهله وَإِن وجدا فِيهِ مَعًا ستحق الْجنَّة وَالنَّار
وَمن مَعَه كبر وايمان يسْتَحق النَّار فيعذب فِيهَا حَتَّى يَزُول الْكبر من قلبه وَحِينَئِذٍ يدْخل الْجنَّة وَلم يبْق فِي قلبه كبر وَلَا مِثْقَال ذرة مِنْهُ كَمَا أَنه لَو تَابَ مِنْهُ لم يكن من أَهله
وَكَذَا إِذا عذب بِذَنبِهِ فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَة لم يكن حِينَئِذٍ من أَهله
[ ٢٠٥ ]
فَقَوله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مُؤمنَة حق إِذا أُرِيد بِهِ الدُّخُول الْمُطلق الْكَامِل أُرِيد بالمومن الْكَامِل الْمُطلق وَإِذا أُرِيد بِالدُّخُولِ مُطلق الدُّخُول فقد يتَنَاوَل الدُّخُول بعد الْعَذَاب فَإِنَّهُ يُرَاد بِهِ مُطلق الْمُؤمن حَتَّى يتَنَاوَل الْفَاسِق الَّذِي فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان فَإِن هَذَا يدْخل ي مُطلق المومن كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾
وَلَا يدْخل فِي الْمُؤمن الْمُطلق كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا﴾ الْآيَة
وَمثل هَذَا كثير فِي الْكتاب وَالسّنة ينتفى الِاسْم عَن الْمُسَمّى تَارَة لنفي حَقِيقَته وكماله وَيثبت لَهُ تَارَة لوُجُود أَصله وَبَعضه حَتَّى يُقَال للْعَالم الْقَاصِر والصانع الْقَاصِر هَذَا عَالم وَهَذَا صانع بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَا يعلم وَإِلَى من لَا يصنع وَيُقَال هَذَا لَيْسَ بعالم وَلَا صانع لوُجُود نَقصه وتقصيره وَيُقَال للكامل هُوَ الْعَالم والصانع وَهَذَا هُوَ الشجاع وَأَمْثَاله كثير من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات كالمؤمن وَالْكَافِر وَالْفَاسِق وَالْمُنَافِق وَالله أعلم
وورود حَوْض النَّبِي ﷺ قبل الصِّرَاط فَيردهُ قوم ويذاد عَنهُ آخَرُونَ وَقد بدلُوا وغيرو وَالله أعلم
وَلَا ريب أَن قَوْله ﷺ أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده إِنَّمَا كَانَ أَرَادَ أَن يكْتب لأبي بكر ﵁ الْعَهْد بالخلافة بعده كَمَا فسر ذَلِك فِي حَدِيث عَائِشَة ﵁ يَوْم الْخَمِيس قَالَ لَهَا ادعِي لَهَا أَبَاك وأخاك أكتب لأبي بكر كتابا لَا يخْتَلف النَّاس بعدِي ثمَّ أعلم أَن الله يَأْبَى ذَلِك والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر وَذَلِكَ لما أَنه كَانَ نصب لَهُم من الْعَلامَة على خِلَافَته من الصَّلَاة بِالنَّاسِ إِمَامًا وسد خوخة غَيره وإخباره بحبه أَكثر من غَيره وَغير ذَلِك من العلامات ثمَّ قَالَ عمر ﵁ نسخ الله كِتَابه ذَلِك عَن
[ ٢٠٦ ]
النَّاس وَإِلَّا فَلَمَّا كَانَ النَّبِي ﷺ يتْرك حكم الله وَلَا يبلغهُ لقَوْل عمر
وَقَول ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس﴾ المُرَاد بِهِ فِي حق من شكّ فِي خلَافَة أبي بكر وَصدق ابْن عَبَّاس ﵄ فَإِنَّهَا رُؤْيا حق من شَاءَ الله فتْنَة
وَأما من أَرَادَ الله هداه فَذَلِك خير لمزيد اجْتِهَاده وموافقته الْحق
وَالله يبتلى بِمَا يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم