وَأما استفتاح الفأل بالمصحف فَلم ينْقل عَن السّلف فِيهِ شئ وَقد تنَازع فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ
وَذكر القَاضِي أَبُو يعلى أَن ابْن بطة فعله وَذكر عَن غَيره أَنه كرهه
وَإِنَّمَا كَانَ الفال أَن تسمع نَحْو يَا بُرَيْدَة قَالَ يَا أَبَا بكر يرد أمرنَا
وَأما الطَّيرَة فَأن يكون قد بَدَأَ فِي فعل أَمر أَو عزم عَلَيْهِ فَيسمع كلمة مَكْرُوهَة مثل مَا يتم فيتركه فَهَذَا منهى عَنهُ
وَالَّذِي يَنْبَغِي الاستخارة الَّتِي علمهَا النَّبِي ﷺ أمته لم يَجْعَل الفأل والطيرة أمرا باعثا عَليّ شئ من الْفِعْل أَو التّرْك وَإِنَّمَا يأتمر وينتهى بذلك أهل الْجَاهِلِيَّة الَّذين يستقسمون بالأزلام
وَقد حرم الله الاستقسام بهَا كالضرب بالحصا وَالشعِير واللوح والخشب وَالْوَرق الكتوب عَلَيْهِ حُرُوف أبجد وأبيات شعر وَنَحْو ذَلِك منهى عَنهُ لِأَنَّهَا من أَسبَاب الاستقسام بالازلام
فصل
فِيمَن قَالَ لَا بُد لنا من وَاسِطَة بَيْننَا وَبَين الله تَعَالَى
فَإِذا أَرَادَ بالواسطة أَنه لَا بُد من وَاسِطَة تبلغه أَمر الله وَنَهْيه فَهَذَا حق لَا بُد للنَّاس من رَسُول يبلغ عَن الله أمره وَنَهْيه وَيُعلمهُم دين الله الَّذِي تعبدهم بِهِ
[ ٢٦٦ ]
فَهَذَا مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أهل الْملَل وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ كَافِر بِالْإِجْمَاع
وَإِن أَرَادَ بالواسطة أَنه لَا بُد مِنْهُ فِي جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار ورزق الْعباد وهداهم فَهَذَا شرك
وَقد كفر الله بِهِ الْمُشْركين حَيْثُ اتَّخذُوا من دونه شُفَعَاء وأولياء يستجلبون بهم الْمَنَافِع
فَمن جعل الْمَلَائِكَة أَو غَيرهم أَرْبَابًا أَو وَاسِطَة يَدعُوهُم ويتوكل عَلَيْهِم ويسألهم أَو يسْأَل الله بهم غفران الذُّنُوب وهداية الْقُلُوب وتفريج الكربات وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ كَافِر بِإِجْمَاع الْمُسلمين
وَمن جعل الْمَشَايِخ من أهل الْعلم وَالدّين وسائط عَن الرَّسُول يبلغون الْأمة شرائع الرَّسُول وهديه فقد أصَاب وَقد قَالَ ﷺ الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء
وكل أحد يُؤْخَذ من كَلَامه وَيتْرك إِلَّا رَسُول الله ﷺ
وَمن أثبتهم وسائط بِمَعْنى الْحجاب الَّذين بَين الْملك ورعيته بِحَيْثُ يكونُونَ هم يرفعون إِلَى الله حوائج خلقه فَهَذَا شرك وَكفر