قد حرم الله تَعَالَى على العَبْد أَن يسْأَل العَبْد مَسْأَلَة إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَإِن كَانَ إِعْطَاء السَّائِل مستحيا فَمن طلب من غَيره وَاجِبا أَو مُسْتَحبا كَانَ قَصده مصلحَة المسؤل أَو مصلحَة نَفسه فَهُوَ مثاب عَليّ ذَلِك
فَإِن قصد حُصُول مَطْلُوبه من غير قصد بِحُصُول النَّفْع للمسؤل فَهَذَا من نَفسه أَتَى
وَمثل هَذَا السُّؤَال لَا يَأْمر الله بِهِ قطّ إِذْ هُوَ سُؤال مَحْض الْمَخْلُوق من غير قصد لنفعه وَالله يَأْمُرنَا أَن نعبده وَحده ويأمرنا أَن نحسن إِلَيّ عبَادَة وَهَذَا لم يقْصد لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَلم يقْصد الرَّغْبَة إِلَى الله وَلَا إِلَى دُعَائِهِ وَلَا قصد الْإِحْسَان إِلَى عبَادَة الَّذِي هُوَ الزَّكَاة وَإِن كَانَ قد لَا يَأْثَم بِمثل هَذَا السُّؤَال لَكِن فرق بَين مَا يُؤمر العَبْد بِهِ وَبَين مَا يُؤذن لَهُ فِيهِ
أَلا ترى أَن السّبْعين ألفا الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة بِلَا حِسَاب هم الَّذين لَا يسْتَرقونَ وَإِن كَانَ من الاسترقاء مَا هُوَ جَائِز
فصل
والإله هُوَ الَّذِي تألهه الْقُلُوب بِكَمَال الْمحبَّة والتعظيم والإجلال والرجاء وَالْخَوْف وَمَعَ علم الْمُؤمن أَن الله رب كل شئ ومليكه فَلَا يُنكر مَا خلقه الله من الْأَسْبَاب فَيَنْبَغِي أَن يعرف فِي الْأَسْبَاب ثَلَاثَة أُمُور
أَحدهَا أَن السَّبَب الْمعِين لَا يسْتَقلّ بالمطلوب بل لَا بُد مَعَه من أَسبَاب أخر وَمَعَ هَذَا فلهَا مَوَانِع
[ ٢٦٨ ]
الثَّانِي لَا يجوز أَن يعْتَقد أَن الشئ سَبَب لَا يعلم فَمن أثبت سَببا بِلَا علم أَو بِخِلَاف الشَّرْع كَانَ مُبْطلًا كمن يظنّ أَن النّذر سَبَب فِي رفع الْبلَاء
الثَّالِث أَن الْأَعْمَال الدِّينِيَّة لَا يجوز أَن يتَّخذ شئ مِنْهَا سَببا للدنيا إِلَّا أَن تكون مَشْرُوعَة فَإِن الْعِبَادَة مبناها على الإذان من الشَّارِع فَلَا يجوز أَن يُشْرك بِاللَّه فيدعو غَيره وَإِن ظن أَن ذَلِك سَبَب فِي حُصُول بعض أغراضه
وَكَذَلِكَ لَا يعبد الله بالبدع وَإِن ظن فِي ذَلِك ثَوابًا فَإِن الشَّيْطَان قد تعين الْإِنْسَان على بعض مقاصده إِذا أشرك وَقد يحصل لَهُ بالْكفْر وَالْفِسْق والعصيان بعض أغراضه فَلَا يجوز لَهُ ذَلِك