وإن لم يتغيَّرْ؛ فقيلَ: لا ينجُسُ؛ وهو قولُ أهلِ المدينةِ، وكثيرٍ من أهلِ الحديثِ، وروايةٌ عن أحمدَ اختارها طائفةٌ من أصحابِه، ونصَرَها ابنُ عَقيلٍ وابنُ المنِّي وغيرُهما.
والثاني: ينجُسُ قليلُ الماءِ بقليلِ النجاسةِ، وهي روايةُ المصريينَ عن مالكٍ.
والثالثُ: مذهَبُ الشافعيِّ وروايةٌ عن أحمدَ: الفرق بين القليلِ والكثيرِ.
والرابعُ: الفرقُ بينَ البولِ والعَذِرةِ المائعةِ وغيرِهما، فالأولُ ينجُسُ منه ما أمكنَ نَزْحُه دونَ ما لا يمكنُ نَزْحُه؛ وهي المشهورةُ عن أحمدَ واختيارُ أكثرِ أصحابِه.
والخامسُ: أن الماءَ ينجُسُ بملاقاةِ النجاسةِ؛ سواءٌ كان قليلًا أو
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٧)، والفتاوى الكبرى (١/ ٢١٨).
[ ١ / ٥٩ ]
كثيرًا؛ لكن ما لم تصِلْ إليه لا ينجُسُ.
ثم حدُّوا ما لا تصِلُ إليه: بما لا يتحركُ أحدُ طرَفَيْه بتحركِ الطرفِ الآخَرِ.
ثم تنازعوا: هل هو بحركةِ المتوَضِّئِ أو المغتسِلِ؟
وقدَّرَه ابنُ الحسنِ بمسجِدِه، فوجدوه عشَرةَ أذرُعٍ في عشَرةِ أذرُعٍ.
وتنازعوا في الآبار إذا وقعَتْ فيها النجاسةُ؛ فزعم المريسيُّ أنه لا يمكنُ تطهيرُها، وقال أبو حنيفةَ: يمكنُ بالنَّزْحِ، ولهم في تقديرِ الدِّلاء أقوالٌ معروفةٌ.
والسادسُ: قولُ أهلِ الظاهرِ الذين يُنجِّسونَ ما بالَ فيه البائلُ دونَ ما أُلقِي فيه البولُ.
وأصلُ ذلك: أنَّ اختلاطَ الخبيثِ بالماءِ هل يُوجبُ تحريمَ الجميعِ، أم يُقالُ: بل استحالَ فلم يَبْقَ له حكمٌ؟
فهل الأصلُ الإباحةُ حتى يقومَ الدليلُ على التحريمِ، أم الأصلُ المنعُ إلا ما قام الدليلُ على إباحتِه؟
والصحيحُ: الأول؛ وهو أنَّ النجاسةَ متى استحالتْ فالماءُ طاهرٌ؛ قليلًا كانَ أو كثيرًا، فإنه داخلٌ في حدِّ الطيبِ، خارجٌ عن الخبيثِ، وقد صحَّ قولُه: «الماءُ طَهورٌ، لا يُنجِّسُه شيءٌ» (^١)، وهو عامٌّ في القليلِ
_________________
(١) سبق تخريجه ص … ظظ
[ ١ / ٦٠ ]
والكثيرِ وفي جميعِ النجاساتِ.
وأما إذا تغيرَ؛ فإنما حرُمَ لظهورِ جِرمِ النجاسةِ فيه؛ بخلافِ ما إذا استُهلكَ، ويبيِّنُ ذلك: أن الخمرَ واللبنَ لو وقَع في ماءٍ واستُهلكَ، فشرِبَه شاربٌ: لم يُحَدَّ، ولم ينشرِ الحرمةَ.
ونَهْيُه ﷺ عنِ البولِ في الماءِ الدائمِ (^١)؛ لأنه ذريعةٌ إلى تَنْجيسِه، فسَدَّ الذريعةَ، ولهذا يعُمُّ النهيُ البولَ في كلِّ ماءٍ راكدٍ، فلا يجوزُ فيما فوقَ القُلَّتَينِ، ولا فيما لا يمكنُ نَزْحُه، ولا فيما لا يتحركُ أحدُ طَرَفَيْه، ومَن قال: يجوزُ في ذلك؛ فقد خالفَ النصَّ؛ إذ هو عامٌّ.
وأمَّا قولُه: «الماءُ طَهورٌ، لا يُنَجِّسُه شيءٌ»؛ فلا يُقالُ: وصْفُ الماءِ بكونِه طَهورًا يدُلُّ على تَنْجيسِ غيرِهِ؛ لأنه يجوزُ تعليلُ الحكمِ بعِلَّتَينِ، وكونُ الماءِ طهورًا يوجبُ دفْعَ النجاسةِ عن نفْسِه، وأنه أَوْلى من غيرِه، ولا يمنعُ أن يكونَ في غيرِه ما يمنعُ عنه النجاسةَ.
وأيضًا؛ فإنهم سألوه عنِ الماءِ فخَصَّه بذلك؛ لحاجةِ السائلِ إليه، معَ أنه مفهومُ لقبٍ، وهو ضعيفٌ.
وأمَّا حديثُ القُلَّتَينِ إذا صحَّ؛ فمَنْطوقُه موافقٌ لغيرِه، وهو أنه إذا بلَغَ الماءُ قُلَّتَينِ لم يُنجِّسْه شيءٌ.
وأمَّا مفهومُه - إذا قُلْنا بدلالةِ مفهومِ العددِ - فإنما يدُلُّ على أنَّ
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣٩)، ومسلم (٢٨٢)، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» واللفظ للبخاري.
[ ١ / ٦١ ]
الحكمَ في المسكوتِ عنه مخالِفٌ للحكمِ في المنطوقِ بوجهٍ من الوجوهِ، ولا يُشترَطُ أن يكونَ الحكمُ مخالفًا للمنطوقِ من كلِّ وجهٍ، وهذا معنى قولِهم: «المفهومُ لا عمومَ له»، فلا يلزَمُ أنَّ كلَّ ما لم يبلُغِ القُلَّتَينِ أنَّه ينجُسُ، بل إذا قيلَ بالمخالفةِ في صورةٍ حصلَ المقصودُ، فمَنْطوقُه: أنه لا يحملُ الخبثَ عندَ بلوغِ القُلَّتَينِ، مفهومُه: والقليلُ (^١) قد يحمِلُ؛ لمَظِنَّةِ القِلَّةِ، فيكفي المخالفةُ بجوازِ احتمالِ الخبثِ في القليلِ دونَ الكثيرِ، فقد خالفَ المفهومُ للمنطوقَ بذلك وهو كافٍ؛ إذ لا يلزمُ أنَّ المفهومَ يخالفُ المنطوقَ في كلِّ صورةٍ من صُوَرِه؛ بل يكفي ولو بصورةٍ، فلا عمومَ للمفهومِ كما قُلْنا؛ وهذا ظاهرٌ.
والنبيُّ ﷺ لم يذكُرْ ذلك حكمًا عامًّا، إنما ذكَرَه في جوابِ مَن سألَه عن ماءٍ بعَيْنِه، فَيُتَقيَّدُ به، فإنَّ التخصيصَ إذا كان له سببٌ غيرُ اختصاصِ الحكمِ؛ لم يبْقَ حجةً بالاتفاقِ؛ كقولِه تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾.
فلما كان حالُ الماءِ المسؤولِ عنه أنه كثيرٌ قد بلَغَ القُلَّتَينِ، ومِن شأن الكثيرِ أنه لا يحمِلُ الخبَثَ، بل يستحيلُ فيه: دلَّ ذلك على أن مَناطَ الحكمِ كونُ الخبَثِ محمولًا؛ فحيثُ كان محمولًا - أي: موجودًا - كان نجِسًا، وحيثُ استُهلِكَ فهو غيرُ محمولٍ، فصار حديثُ القُلَّتَينِ موافقًا لقولِه: «الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ».
_________________
(١) في هامش (ع): (لعله: ومفهومه: القليل).
[ ١ / ٦٢ ]
ونكتة الجوابِ: أن كونه يحملُ الخبَثَ أو لا يحملُه؛ أمرٌ حِسِّيٌّ معروفٌ بالحسِّ، والدليلُ على هذا اتفاقُهم على أنَّ الماءَ إذا تغيَّرَ حملَ الخبثَ ونجَّسَه، فصار قولُه: «إذا بلغَ الماءُ قُلَّتَينِ لم يحمِلِ الخَبَثَ»، و: «لم يُنَجِّسْه شيءٌ»؛ مثلَ قولِه: «الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ»، وهو إنما أرادَ إذا لم يتغيرْ في الموضعَينِ، وأمَّا إذا كان قليلًا فقد يحملُ الخبثَ لضَعْفِه، وعلى هذا يُحمَلُ أمرُه في الكلبِ؛ لمَّا أمَر بتطهيرِ ما ولَغَ فيه سبعًا (^١).
وقوله: «ألقوها وما حولها»؛ لأنَّه مظنة التغيُّر، لا لأنَّه ملاقي النجاسة، لأنَّه لو كان الملاقي للنجس نجسًا؛ لتنجس البحر بما يلقى فيه من النجاسة، فعُلم أن إلقاء ما حولها للمظنة، فإنه قد يبقى فيه شيء محمولًا ولا يُتحقَّق.
وكذا قولُه: «فلا يُدخِلُ يدَه في الإناءِ حتى يغسِلَها ثلاثًا» (^٢)؛ المرادُ: الإناءُ الذي للماءِ المعتادِ للولوغِ، ولإدخالِ اليدِ، وهو الصغيرُ، والكلبُ يلَغُ بلسانِه شيئًا فشيئًا، فلا بدَّ أن يبقى في الماءِ من ريقِه، فيكونُ ذلك الخَبَثُ محمولًا والماءُ يسيرًا، فيُراقُ لأجلِ كونِ الخَبَثِ محمولًا، ويُغسَلُ الإناءُ الذي لاقاه ذلك الخبثُ؛ بخلافِ ما إذا استُهلِكَ الخبثُ؛ كالخمرِ إذا قلبَ اللهُ عَيْنَها، فتطهُرُ بالدَّنِّ؛ لأنَّ الاستحالةَ والاستهلاكَ حصَلَ في الخمرِ دونَ تلك، ولو أرادَ الفصلَ بي
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٦٣ ]