المرادُ بـ «الضَّبَّةِ للحاجةِ»: ما يحتاجُ إلى تلك الصورةِ؛ وإن كان غيرُها يقومُ مَقامَها كالنُّحاسِ، أمَّا لو كان مُضطرًّا إليها؛ أُبيحتْ، سواءٌ كانتْ من ذهبٍ أو فضةٍ؛ كالأنفِ، وشدِّ الأسنانِ بالذهبِ، ونحوِ ذلك.
ولو لم يجدْ ما يشربُ فيه إلا إناءَ ذهبٍ أو فضةٍ؛ جازَ.
ولو لم يجدْ ثوبًا يقيه البَرْدَ، أو يقيه السلاحَ، أو يسترُ عورتَه، إلا حريرًا منسوجًا بذهبٍ أو فضةٍ؛ لجاز لُبْسُه؛ فإن الضرورةَ تبيحُ أكلَ الميتةِ والدمِ ولحمِ الخِنْزيرِ بنصِّ القرآنِ، معَ أنَّ تحريمَ المطاعمِ أشدُّ من تحريمِ الملابسِ؛ لأن تأثيرَ الخبائثِ بالممازجةِ للبدنِ أعظمُ من تأثيرِها بالملابسةِ، ولهذا كانتِ النجاساتُ التي تحرُمُ ملابسَتُها؛ يحرُمُ أكلُها، ويحرُمُ من السمومِ ونحوِها منَ المُضِرَّاتِ ما ليس بنجِسٍ، ولا يحرُمُ مباشرتُها.
ثم ما حرُمَ لخُبْثِ جنسِه أشدُّ مما حرُمَ لما فيه منَ السَّرَفِ والفخرِ والخُيلاءِ، فإن هذا يُحرِّمُ القدرَ الذي يقتضي ذلك منه، ويباحُ للحاجةِ كما للنساءِ، ولهذا كان الصحيحُ منَ القولينِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه: جوازَ التداوي بهذا الضربِ دونَ الأولِ؛ كما رخَّصَ للزبيرِ وطلحةَ ف
[ ١ / ٦٩ ]
ي لُبْسِ الحريرِ من حِكَّةٍ (^١)، ونهى عن التداوي بالخمرِ، وقال: «إنها داءٌ، وليستْ بدواءٍ» (^٢)، ونهى عن الدواءِ الخبيثِ (^٣)، وعن قتلِ الضِّفْدعِ لأجلِ التداوي بها، وقال: «نَقيقُها تسبيحٌ» (^٤)، وقال: «إنَّ اللهَ تعالى لم يجعَلْ شفاءَ أمتي فيما حرَّمَ عليها» (^٥).
واستُدلَّ على طهارةِ أبوالِ الإبلِ لإذنِه للعُرَنيِّينَ بشربِها (^٦)، فليستْ منَ الخبائثِ المحرَّمةِ النجِسةِ؛ لنَهْيِه عن التداوي بمثلِ ذلك، ولم يأمرْ بغَسْلِ أفواهِهم منها، وإن كان القائلونَ بطهارةِ أبوالِها تنازعوا في جوازِ شربِها لغيرِ ضرورةٍ، وفيه روايتانِ منصوصتانِ، فذلك لما فيها منَ
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩١٩)، ومسلم (٢٠٧٦) من حديث أنس ﵁، وفيه أن الذي رخص لهما: عبد الرحمن بن عوف والزبير ﵄.
(٢) رواه مسلم (١٩٨٤)، من حديث طارق بن سويد ﵁.
(٣) رواه أحمد (٨٠٤٨)، وأبو داود (٣٨٧٠)، وابن ماجه (٣٤٥٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) ورد النهي عن قتل الضفدع للتداوي عند أحمد (١٥٧٥٧)، وأبي داود (٥٢٦٩)، والنسائي (٤٣٥٥)، من حديث عبد الرحمن بن عثمان: «أن طبيبًا سأل النبي ﷺ عن ضفدع، يجعلها في دواء، فنهاه النبي ﷺ عن قتلها». وأما حديث: «نَقيقها تسبيحٌ»؛ فقد رواه الطبراني في الأوسط (٣٧١٦)، والبيهقي في الكبرى (١٩٣٨٢)، من حديث ابن عمر ﵄. وذكر الطبراني أن الحديث لم يرفعه إلا المسيب بن واضح، وهو ضعيف لسوء حفظه، وصحح البيهقي الموقوف.
(٥) رواه الطبراني في الكبير (٧٤٩)، من حديث أم سلمة ﵂ مرفوعًا. ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (٧/ ١١٠)، موقوفًا على ابن مسعود ﵁.
(٦) رواه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١)، من حديث أنس ﵁.
[ ١ / ٧٠ ]
القذارةِ الملْحِقِ لها بالبُصاقِ والمُخاطِ والمني، ونحوِ ذلك من المستقذَراتِ.
ولهذا أيضًا حرُمَ هذا الضربُ في بابِ الآنيةِ والمنقولاتِ على الرجالِ والنساءِ، بخلافِ التحَلِّي بالذهبِ ولُبْسِ الحريرِ؛ مباحٌ للنساءِ، وبابُ الخبائثِ بالعكسِ، فرخِّصَ في استعمالِ ذلك فيما ينفصِلُ عن بدنِ الإنسانِ ما لا يباحُ متصلًا به، كما يباحُ إطفاءُ الحريقِ بالخمرِ، وإطعامُ الميتةِ للبُزاةِ والصقورِ، وإلباسُ الدابةِ الثوبَ النجِسَ، والاستصباحُ بالدُّهنِ النجِسِ؛ في أشهَرِ قولَيِ العلماءِ؛ وذلك لأن استعمالَ الخبائثِ فيها يجري مَجْرى الإتلافِ، وليس فيه ضررٌ، وكذلك في الأمورِ المنفصلةِ؛ بخلافِ استعمالِ الحريرِ والذهبِ؛ فإنه غاية السَّرَفُ والفخرُ.
وبهذا يظهرُ غلَطُ مَن رخَّصَ من أصحابِ أحمدَ وغيرِهم في إلباسِ دابَّتِه الحريرَ قياسًا على النجِسِ، فهو بمنزلةِ مَن يُجوِّزُ افتراشَ الحريرِ ووَطْأَه؛ قياسًا على المُصوَّراتِ، أو مَن يبيحُ تحليةَ دابَّتِه بالذهبِ والفضةِ قياسًا على إلباسِها الثوبَ النجِسَ، فقد ثبت بالنصِّ تحريمُ افتراشِ الحريرِ (^١).
ويظهرُ أن قولَ مَن حرَّمَ افتراشَه على النساءِ - كما هو قولُ المراوزةِ
_________________
(١) كما في حديث حذيفة ﵁ قال: «نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه» رواه البخاري (٥٨٣٧).
[ ١ / ٧١ ]