الحكمُ إذا ثبَت بعِلَّةٍ يزولُ بزوالِها، فإنْ بقِي معَ زوالِها من غيرِ أن يخلُفَها عِلةٌ أخرى؛ كانت عديمةَ التأثيرِ، فلا تكونُ عِلةً، وأمَّا إذا خلَفَتْها علةٌ أخرى؛ فإنه لا يَبطلُ كونُها علةً، وهذا هو التحقيقُ في مسألةِ عكسِ العللِ وعدمِ التأثيرِ فيها؛ فإنه قد يُظَنُّ أنَّا إذا جوَّزْنا تعليلَ الحكمِ الواجبِ بالشرعِ بالنوعِ بعِلَّتَينِ لم تبطلِ العلةُ بعدمِ التأثيرِ، وهو انتفاءُ الحكمِ لانتفاءِ الوصفِ، لجوازِ أن يخلُفَها علةٌ أخرى، بل إذا كان الحكمُ ثابتًا مع انتفاء الوصفِ؛ كثبوتِه معَ ثبوتِه؛ دلَّ على أنه ليسَ علةً، فالنقضُ وجودُ الوصفِ بلا حكمٍ، فإن لم يكُنِ التخلُّفُ لفواتِ شرطٍ أوِ انتفاءِ مانعٍ؛ كان دليلًا على أنه ليسَ بعلةٍ، وعدمُ التأثيرِ هو وجودُ الحكمِ بلا وصفٍ، فإن لم يكُنْ له علةٌ أخرى كان دليلًا على أن الوصفَ ليس بعلةٍ.
فإذا علَّلْنا الملكَ بالبيعِ، أو الإرثَ، أو الاغتنامَ، ونحوَ ذلك، وقُلْنا في صورةٍ قد عُلِّل الملكُ فيها بالبيعِ: هذا بيعٌ باطلٌ، فلا يحصُلُ الملكُ؛ كان كلامًا صحيحًا، وإن علِمْنا أن الملكَ يثبُتُ بإرثٍ وغيرِه، لكنَّ التقديرَ: أنه لا يثبُتُ له هنا غيرُ البيعِ، وإذا قُلْنا: هذا يملِكُ هذه
[ ١ / ٦٥ ]
السلعةَ؛ لأنه اشتراها شراءً شرعيًّا، أو لأنه ورِثَها؛ كان كلامًا صحيحًا، ولا يلزمُ من ذلك أن يكونَ الملكُ منتفيًا في كلِّ موضعٍ انتفى فيه البيعُ، أو الإرثُ؛ لأن الملكَ له أسبابٌ متعددةٌ.
وكذلك الطهارةُ؛ إذا كان لها سببانِ، فعلَّلَ الشارعُ طهارةَ بعضِ الأعيانِ بسببٍ؛ كانَ ذلك كلامًا صحيحًا، ولا يلزمُ منه أنَّ ما انتفى عنه هذا السببُ يكونُ نجِسًا، فقولُه في الهرِّ: «إنَّها منَ الطوَّافينَ» (^١) دليلٌ على أنَّ الطوافَ سببُ الطهارةِ، فإذا انتفى فيما هو سببٌ فيه زالت طهارتُه، وقد تثبتِ الطهارةُ بغيرِه وهو الحِلُّ؛ كطهارةِ الصيدِ والأنعامِ، فإنها طيبةٌ منَ الطيباتِ التي أباحها اللهُ، فلا يُحتاجُ إلى تعليلِ طهارتِها بالطوافِ، فإنَّ الطوافَ يدلُّ على أن ذلك ليدفعَ الحَرَجَ في نجاستِها.
وقولُه: «الماءُ طَهورٌ، لا يُنجِّسُه شيءٌ»: فقد يقالُ فيه أولًا: قد يكونُ المقصودُ وصفَ الماءِ بكونِه طَهورًا، وبكونِه لا يُنجِّسُه شيءٌ، فيكونُ صفةً بعدَ صفةٍ، ليس المقصودُ جعلَ إحداهما علةً للأخرى، ووَصْفُه بهاتينِ الصفتينِ يبيِّنُ به مفارقتَه للبدنِ والثوبِ ونحوِهما من هذينِ الوجهينِ، من جهةِ أنه طَهورٌ، وأنه لا يُنَجِّسُه شيءٌ، وإذا لم يعلَّلْ نفيُ النجاسةِ بكونِه طَهورًا لم يوجبْ ذلك حصولَ النجاسةِ فيما ليسَ بطَهورٍ بمجرَّدِ الملاقاةِ، فإذا أمكنَ أن تكونَ هذه عِلتينِ لجوازِ استقائِهِ منَ البئرِ لم يجبْ أن يقالَ: إن أحدهما علةٌ للأخرى؛ بل كان قولُه: «لا يُنجِّسُه
_________________
(١) رواه أحمد (٢٢٥٢٨)، وأبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي (٦٨)، وابن ماجه (٣٦٧)، من حديث أبي قتادة ﵂.
[ ١ / ٦٦ ]
شيءٌ» كقولِه: «الماءُ لا يُجنِبُ»، وهناك ما علَّل انتفاءَ الجنابةِ عنه بكونِه طَهورًا، فكذا هنا لم يعللِ انتفاءَ النجاسةِ عنه بكونِه طَهورًا؛ بل هناك علَّلَ جوازَ استعمالِه لسُؤْرِها بأن الماءَ لا يُجنِبُ، وهنا علَّلَ جوازَ توضُّئِه من بئرِ بُضاعةَ: بأن الماءَ لا ينْجُسُ، وزادَ معَ ذلك أن الماءَ طَهورٌ، وهذا بيِّنٌ لمن تأمَّلَه، بل هو ظاهرُ الحديثِ.
ويبين ذلك: أنه قد سمَّى الترابَ طَهورًا في نجاستي الحدَثِ والخَبَثِ، فقال: «جُعِلتْ لي الأرضُ مسجدًا، وتُرْبتُها طَهورًا» (^١)، وقال في النعلينِ: «فلْيَدلكْهما بالترابِ؛ فإن الترابَ لهما طَهورٌ» (^٢)، ومعَ هذا فالترابُ وغيرُه من أجزاءِ الأرضِ في النجاسةِ سواءٌ؛ لا فرقَ بينَ الترابِ وغيرِ ذلك؛ إذا ظهَرتْ فيه النجاسةُ كان نجِسًا، وإذا زالتْ بالشمسِ ونحوِها، فإمَّا أن يقالَ: تزولُ مطلقًا، أو لا تزولُ مطلقًا، لم يُفرَّقْ بينَ الترابِ والرملِ وغيرِهما من أجزاءِ الأرضِ، كما فرَّقَ بينَهما من فرَّقَ في طهارةِ الحدثِ، بل قد احتجَّ مَن يقولُ بزوالِها بحديثِ البخاريِّ: «كانت الكلابُ تُقبِلُ وتُدبِرُ وتبولُ في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، ولم يكونوا يرُشُّونَ من ذلك شيئًا» (^٣)، والمسجدُ كان فيه ترابٌ وغيرُه.
فإذا كان قولُه: «فإن الترابَ لهما طَهورٌ» صريحًا في التعليلِ، ولم يخصَّ الترابَ بذلك: فقولُه في الماءِ: إنه «طَهورٌ لا يُنَجِّسُه شيءٌ» أَوْلى
_________________
(١) رواه مسلم (٥٢٢)، من حديث حذيفة ﵁.
(٢) رواه أبو داود (٣٨٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري (١٧٤)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ١ / ٦٧ ]
أن لا يُخَصَّ بذلك؛ لكن هل يقالُ إن غيرَ الماءِ يشارِكُه في إزالةِ النجاسةِ كما شاركَ ما ليسَ بترابٍ الترابَ، هذا فيه نزاعٌ مشهورٌ.
وللعلماءِ في إزالةِ النجاسةِ بغيرِ الماءِ ثلاثةُ أقوالٍ:
يجوزُ مطلقًا؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ، وروايةٌ عن أحمدَ.
وقيل: لا يجوزُ مطلقًا؛ كقولِ الشافعيِّ، والظاهرِ عن أحمدَ.
وقيل: يجوزُ عندَ الحاجةِ؛ وهو قولٌ ثالثٌ في مذهبِ أحمدَ، كما قيلَ بذلك على أحدِ الوجوهِ في طهارةِ فمِ الهِرِّ باللُّعابِ، وكذلك أفواهُ الصِّبيانِ ونحوِهم منَ القَيءِ.
فإن قيلَ: إن طهوريةَ الماءِ للنجاسةِ يشاركُه فيها غيرُه؛ صارَ كالترابِ، وإن قيلَ: لا يشاركُه؛ كان قولُه: «طهورٌ لا يُنَجِّسُه شيءٌ» تعليلًا لاستقائه (^١) بعلتين كما سبق.
وبالجملةِ: فلم أعلمْ إلى ساعتي هذه - لمن يُنجِّسُ المائعاتِ الكثيرةِ بوقوعِ النجاسةِ فيها إذا لم تتغيرْ - حجةً يَعتمِدُ عليها المفتي فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فتحريمُ الحلالِ كتحليلِ الحرامِ، فمن كان عندَه علمٌ يُرجَعُ إليه، أو يُعتمَدُ عليه فلْيَتَّبِعِ العلمَ، وإن لم يكنْ عندَه إلا مجردُ التقليدِ؛ فالنزاعُ فيها مشهورٌ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾.
_________________
(١) كذا في الأصل و(ع) و(ك)، ولعل المراد: طلب السقيا من البئر المسؤول عنه في الحديث، فيكون قد علل جواز الاستقاء بعلتين: الأولى: "طهور" والثانية: "لا ينجسه شيء" كما سبق. وفي المطبوع: (لاستبقائه).
[ ١ / ٦٨ ]