النظرُ إلى الأمردِ لشهوةٍ حرامٌ بإجماعِ المسلمينَ، وكذلك إلى ذواتِ المحارمِ، ومُصافَحتُهم، والتلذُّذُ بهم، ومَن قال: إنه عبادةٌ؛ فهو كافرٌ، وهو بمنزلةِ مَن جعلَ إعانةَ طالبِ الفواحشِ عبادةً، بل النظرُ إلى الأشجارِ والخيلِ والبهائمِ إذا كان على وجهِ استحسانِ الدنيا والرياسةِ والمالِ فهو مذمومٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا﴾، فإذا كان هذا في نَظَرِ الدُّنْيا والزِّينةِ، فكيفَ بنظرِ الأمردِ بشهوةٍ.
_________________
(١) ينظر أصل الفتوى في هذا الفصل في مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٤٣، والفتاوى الكبرى ١/ ٢٨٣.
[ ١ / ٧٧ ]
وأمَّا إذا كان على وجهٍ لا يَنقُصُ الدينَ، وإنما فيه راحةُ النفسِ فقطْ؛ كالنظرِ إلى الأزهارِ؛ فهذا من الباطلِ الذي يُستعانُ به على الحقِّ.
وقد يُنظَرُ إلى الإنسانِ لما فيه منَ الإيمانِ والتقوى، وهنا الاعتبارُ بقلبِه وعملِه، لا بصورتِه.
وقد يُنظَرُ إليه لما فيه من الصورةِ الدالةِ على المُصوِّرِ؛ فهذا حسَنٌ.
وقد يُنظَرُ من جهةِ استحسانِ خَلْقِه.
فكلُّ قِسْمٍ من هذه الأقسامِ متى كان معه شهوةٌ؛ كان حرامًا بلا رَيْبٍ؛ سواءٌ كانت شهوةَ تَمتُّعٍ بنظر الشهوة، أو كان نظرًا بشهوةِ الوَطْءِ.
وفرْقٌ بينَ ما يجِدُه الإنسانُ عندَ نظَرِه إلى الأزهارِ، وعندَ نظرِه إلى النِّسوانِ والمُردانِ، فلهذا الفرقانِ افترقَ الحكمُ الشرعيُّ.
فصار النظرُ إلى المُرْدانِ ثلاثةَ أقسامٍ:
أحدُها: ما تُقرنُ به الشهوةُ؛ فهو حرامٌ بالاتفاقِ.
والثاني: ما يُجزَمُ أنه لا شهوةَ معه، كنظَرِ الرجلِ الوَرِعِ إلى ولدِه الحسَنِ وابنَتِه الحسناءِ، فهذا لا تُقرنُ معه شهوةٌ إلا أن يكونَ الرجلُ من أفجَرِ الخلقِ، ومتى اقترنَتْ به الشهوةُ؛ حرُمَ.
وعلى هذا؛ مَن لا يميلُ قلبُه إلى المُرْدانِ - كما كان الصحابةُ، وكالأممِ الذين لا يعرفونَ هذه الفاحشةَ - فإن الواحدَ من هؤلاءِ لا يُفرِّقُ بينَ نظَرِه إلى هذا الوجهِ وبينَ نظَرِه إلى ابنِه وابنِ جارِه وصبيٍّ أجنبيٍّ، لا يخطُرُ بقلبِه شيءٌ من الشهوةِ؛ لأنه لم يعتدْ ذلك، وهو سليمُ القلبِ،
[ ١ / ٧٨ ]
وقد كانت الإماءُ على عهدِ الصحابةِ يَمْشِينَ في الطرقاتِ مكشوفاتٍ (^١) وتَخدِمُ الرجالَ معَ سلامةِ القلوبِ، فلو أرادَ الرجلُ أن يتركَ الإماءَ التركياتِ الحسانَ يَمْشِينَ بينَ الناسِ في مثل هذه البلادِ والأوقاتِ؛ كان من بابِ الفسادِ.
وكذلك المُرْدانُ الحسانُ، لا يصِلح أن يخرجوا في الأمكنةِ والأزمنةِ التي يُخافُ فيها الفتنةُ بهم إلا بقَدْرِ الحاجةِ، فلا يُمكَّنُ الأمردُ الحسنُ من التبرُّجِ، ولا من الجلوسِ في الحَّمامِ بينَ الأجانبِ، ولا من رقصِه بينَ الرجالِ، ونحوِ ذلك.
وإنما وقَع النزاعُ بينَ الناسِ في القسمِ الثالثِ: وهو النظَرُ إليه لغيرِ شهوةٍ، لكن معَ خوفِ ثَوَرانِها، ففيه وجهانِ في مذهبِ أحمدَ، أصَحُّهما، وهو المَحْكيُّ عن نصِّ الشافعيِّ وغيرِه: أنه لا يجوزُ.
والثاني: يجوزُ؛ لأن الأصلَ عدَمُ ثَوَرانِها.
والأولُ هو الراجحُ.
ومَن أدْمَنَ النظرَ إلى الأمردِ، وقال: لا أنظُرُ لشهوةٍ، فقد كذَبَ، فإنه إذا لم يكُنْ له داعٍ يحتاجُ معه إلى النظرِ؛ لم يكُنِ النظرُ إلا لما يحصُلُ في القلبِ من اللذةِ، وأما نظَرُ الفجأةِ فهو عَفْوٌ إذا صرَفَ بصرَه.
ويُقالُ: غضُّ البصرِ عن الصورةِ التي يحرُمُ النظرُ إليها له ثلاثُ فوائدَ:
_________________
(١) في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٥٠): (متكشِّفات الرؤوس).
[ ١ / ٧٩ ]
أحدها: حلاوةُ الإيمانِ ولذَّتُه التي هي أحلى وأطيبُ مما ترَكَه للهِ، والنفْسُ تحبُّ النظرَ إلى هذه الصُّوَرِ، لا سيَّما نفوسِ أهلِ الرياضةِ والصفاء، فإنه يبقى فيها رقةٌ، حتى إن الصُّورَ تجذبُ أحدَهم وتصرَعُه، ورُوِي عن فتحٍ (^١) أنه قال: (صحِبتُ ثلاثينَ منَ الأبدالِ، كلُّهم يُوصيني عندَ فراقِه: بتَرْك صحبةَ الأحداثِ).
الثانيةُ: أنه يورثُه نورَ القلبِ والفِراسةَ، قال تعالى عن قومِ لوطٍ: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾.
فالتعلقُ بالصُّوَرِ يورثُ فسادَ العقلِ، وعمى البصرِ، وسُكْرَ القلبِ؛ بل جُنونَه، كما قيلَ (^٢):
قَالُوا جُنِنْتَ بِمَنْ تَهْوَى فَقُلْتُ لَهُمْ … العِشْقُ أَعْظَمُ مِمَّا بِالمَجَانِينِ
العِشْقُ لَا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ … وَإِنَّمَا يُصْرَعُ المَجْنُونُ فِي الحِينِ
فمن غضَّ بصرَه عما حرَّمَه اللهُ؛ عوَّضَه اللهُ من جنسِه بما هو خيرٌ منه، فيُطلِقُ نورَ بصيرتِه، ويفتحُ عليه بابَ العلمِ والمعرفةِ والكشوفِ.
الثالثةُ: قوةُ القلبِ وثباتُه وشجاعتُه، فيجعلُ اللهُ له سلطانَ النصرةِ معَ سلطانِ الحجةِ، وفي الأثرِ: «الذي يخالفُ هَواه؛ يَفرَقُ الشيطانُ من
_________________
(١) هو فتح الموصلي الصغير، أبو نصر فتح بن سعيد الموصلي، الزاهد، العابد، من أقران بشر الحافي، توفي سنة عشرين ومائتين. ينظر: مرآة الزمان ١٤/ ٢٥١، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٨٣.
(٢) نسبه ابن القيم في روضة المحبين ص (١٣٩) إلى قيس مجنون ليلى.
[ ١ / ٨٠ ]