نيةُ المرءِ خيرٌ من عمَلِه، هذا قد قالَه غيرُ واحدٍ، وبعضُهم يرفعُه (^٣)، وبيانُه من وجوهٍ:
أحدُها: أنَّ النيةَ المجرَّدةَ منِ العملِ يُثابُ عليها، والعملُ بلا نيةٍ لا يُثابُ عليه.
الثاني: أنَّ مَن نَوى الخيرَ، وعمِلَ مَقْدورَه منه، وعجَز عن إكمالِه؛ كان له أجرُ عاملٍ؛ لقولِه: «إنَّ بالمدينةِ لرجالًا ما سِرْتُم مسيرًا إلا كانوا معكم» (^٤).
_________________
(١) ينظر أصل الفتوى من قوله: (والجهرُ بها وتكريرُها) إلى هنا في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٣٦)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٩٨).
(٢) ينظر أصل الفتوى في هذا الفصل في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٤٣)، والفتاوى الكبرى (١/ ٢١١).
(٣) رواه الطبراني في الكبير (٥٩٤٢) من حديث سهل بن سعد رضي لله عنه.
(٤) رواه مسلم (١٩١١)، من حديث جابر ﵁.
[ ١ / ٤٦ ]
الثالثُ: أنَّ القلبَ ملِكُ البدنِ، والأعضاءُ جنودُه، فإذا طابَ الملِكُ طابتْ جنودُه، وإذا خبُثَ خبُثتْ، والنيةُ عمَلُ الملِكِ.
الرابعُ: أنَّ توبةَ العاجِزِ عنِ المعصيةِ تصحُّ عندَ أهلِ السنةِ، كتوبةِ المجبوبِ منَ الزنى، وكتوبةِ الأخرَسِ عنِ القَذْفِ، وأصلُ التوبةِ عزمُ القلبِ.
الخامسُ: أنَّ النيةَ لا يدخُلُها فسادٌ، فإنَّ أصلَها حبُّ اللهِ ورسولِه، وإرادةُ وجهِهِ، وهذا بنَفْسِه محبوبٌ للهِ ورسولِه، مَرْضيٌّ للهِ ورسولِه، والأعمالُ الظاهرةُ تدخُلُها آفاتٌ كثيرةٌ، ولهذا كانت أعمالُ القلوبِ المجرَّدةُ أفضلَ من أعمالِ البدنِ المجرَّدةِ، كما قيل: قوةُ المؤمنِ في قلبِه، وضعفُه في جسمِه، والمنافقُ عَكْسُه، واللهُ أعلمُ.
[ ١ / ٤٧ ]