قد صحَّ عنه ﷺ أنَّه لمَّا سُئِلَ عن بئرِ بُضاعةَ قال: «الماءُ طَهورٌ، لا يُنجِّسُه شيءٌ» (^١).
وبئرُ بُضاعةَ ليستْ جاريةً بالاتفاقِ، وما يُذكَرُ عنِ الواقديِّ أنَّها جاريةٌ؛ أمرٌ باطلٌ، والواقديُّ لا يُحتَجُّ به، ولم يكُنْ بالمدينةِ عينٌ جاريةٌ، وعينُ الزرقاءِ (^٢) وعيونُ حمزةَ (^٣) مُحدَثةٌ بعدَ النبيِّ ﷺ، وبئرُ بُضاعةَ باقيةٌ شرقيَّ المدينةِ، معروفةٌ.
وأمَّا حديثُ القُلَّتَينِ (^٤): فالأكثرُ على أنه حسَنٌ يُحتَجُّ به.
_________________
(١) رواه أحمد (١١٢٥٧)، وأبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣٢٦)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) وتسمى أيضًا: بعين الأزرق، وهي العين التي كانت تسقي أهل المدينة ومنبعها حول قباء، سميت بذلك؛ لأن مروان الذي أجراها بأمر معاوية كان أزرق العينين. ينظر: وفاء الوفاء ٣/ ١٥٠.
(٣) وهي مصرف عين الأزرق، ينزلها الحاج الشامي في وروده وصدوره. ينظر: وفاء الوفاء ١/ ١٣.
(٤) رواه أحمد (٤٦٠٥)، وأبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٥٢)، وابن ماجه (٥١٧)، من حديث ابن عمر ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال ﷺ: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث».
[ ١ / ٤٩ ]
وقد أُجيبَ عن كلامِ مَن طعَن فيه، وصنَّفَ أبو [عبدِ اللهِ] (^١) محمدُ بنُ عبدِ الواحدِ المقدسيُّ جزءًا ردَّ فيه على ابنِ عبدِ البَرِّ وغيرِه.
ولفظُ «القُلَّةِ» معروفةٌ عندَهم أنه الجَرَّةُ الكبيرةُ كالحُبِّ، وكان يُمثَّلُ بها؛ كما في سِدْرةِ المُنتهى: «وإذا ورَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلةِ، وإذا نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هجَرَ» (^٢)، وهي قِلالٌ معروفةُ الصَّنعةِ والمقدارِ، فإنَّ التمثيلَ لا يكونُ بمختلِفٍ، وهذا يُبطِلُ كونَ القُلَّةِ قُلَّةَ الجبلِ، فإنها مختلفةٌ، فيها المرتفعُ كثيرًا، وما هو دونَه، وليس في الوجودِ ماءٌ يصلُ إلى قُلَلِ الجبالِ إلا ماءُ الطوفانِ، فحَمْلُ كلامِه على مِثْلِ ذلك يُشبِهُ الاستهزاءَ بكلامِه.
ومِن عادتِه أنه يقدِّرُ المُقدَّراتِ بأوعيتِها؛ كقولِه: «ليسَ فيما دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ صدقةٌ» (^٣)، والوَسْقُ حِمْلُ الجملِ، «وكان يتوضأُ بالمُدِّ، ويغتسلُ بالصاعِ» (^٤)، وذلك من أوعيةِ الماءِ، فكذا تقديرُ الماءِ بالقِلالِ مناسبٌ؛ لأنها وِعاءُ الماءِ (^٥).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
(٢) رواه البخاري (٣٨٨٧)، من حديث مالك بن صعصعة ﵁.
(٣) رواه البخاري (١٤٠٥)، ومسلم (٩٧٩)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) رواه البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥)، من حديث أنس ﵁.
(٥) ينظر أصل الفتوى من قوله: (قد صحَّ عنه ﷺ …) إلى هنا في مجموع الفتاوى ٢١/ ٤١، الفتاوى الكبرى ١/ ٢١٥.
[ ١ / ٥٠ ]