بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
إنَّ الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن من أعظم المنن التي يمتن الله بها على عباده المؤمنين أن يجعل فيهم من يبين لهم دينه، ويوضح لهم طريقه، قال تعالى ممتنًّا على عباده برسله: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).
ومن رحمته تعالى أن جعل علماء هذه الأمة بمثابة الأنبياء في بني إسرائيل، ينفون عن دين النبي ﷺ تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فهم أمنةً على دينه، وحُرَّاسًا لشريعته، وجنودًا يذبون عن ملته.
وإن من هؤلاء العلماء الذين أبلوا في الإسلام بلاء حسنًا،
[ ١ / ٥ ]
وجاهدوا فيه جهادًا كبيرًا؛ حتى صار يُسمى بين العلماء والأكابر بـ: شيخ الإسلام، وكُتب في ترجمته الصفحات، وتوالت على سيرته الكلمات العاطرات؛ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى، وهو عَلَمٌ لا يحتاج إلى تعريف، صنَّف المصنفات العظام، وكتب الفتاوى والأجوبة لأهالي الأمصار، وكانت فتاويه تطير بها الركبان، فتارة يجيب على السؤال في سطر أو سطرين، وتارة يكتب فيها المجلدات، بحسب الحاجة والمقام، وقد يستطرد في الفتوى ويذكر فيها الأقوال والمذاهب والمآخذ والأدلة، وكان قد كتب فتاوى في الشام، وفتاوى في مصر، وفتاوى في غيرها من البلاد، فكثرت فتاويه وانتشرت وعمَّت حتى قال ابن رجب: (وأما القواعد المتوسطة والصغار وأجوبة الفتاوى؛ فلا يمكن الإحاطة بها، لكثرتها وانتشارها وتفرقها) (^١).
وكان من جملة ما كتبه من الفتاوى وهو بمصر؛ تلك الفتاوى والأجوبة التي قام تلميذه شمس الدين محمد ابن عبد الهادي بجمعها وترتيبها على أبواب الفقه في زمن الشيخ ﵀، وسُميت بـ: (الفتاوى المصرية)، وبعضهم سماها بـ (الدرر المضية)، وسماها آخرون بـ (الدرة المضية).
ولما كان كثيرٌ من تلك الفتاوى بحاجة إلى اختصار واعتصار؛ ليستفيد الراغب في معرفة زبدتها ويحصل مقصودها، ممن ضاق عليه
_________________
(١) ذيل الطبقات (٤/ ٥٢٣).
[ ١ / ٦ ]
وقته عن مطالعة جميع الفتوى، أو ضعفت عنها همته؛ انبرى العلامة تلميذ شيخ الإسلام الفقيه محمد بن علي بن محمد البعلي للفتاوى المصرية فقام باختصارها، وقال: (وقد استخرت الله تعالى في اختصار شيء من الدُّرر المضيةِ، من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميَّة، مما أكثرُه فقه المسائل، وما عسُر علمه على الأوائل، فأتى به بأوضح الدلائل ﵀، موضِّحًا القواعد السُّنِّية، جامعًا لشتات مسائله المهمة، وسميته: «القَوَاعِدَ النُّوْرَانِيَّةَ فِي اخْتِصَاِر الدُّرَرِ المُضِيَّةِ»).
وقد وفَّق الله تعالى الباحثين عن تراث شيخ الإسلام ابن تيمية في الوقوف على غالب تلك الفتاوى المصرية، فكثير منها موجود في مجموع الفتاوى ومستدركه لابن قاسم، وفي الفتاوى الكبرى، وفي جامع المسائل، إلا أن ثَمَّة أجزاءً من الفتاوى المصرية لا تزال في عداد المفقود - يسر الله إيجادها -، وهي موجودة في هذا المختصر بحمد الله تعالى.
وقد منَّ الله علينا بنسخة من هذا المختصر مكتوبة بخط المؤلف ﵀، وهي نسخة كاملة جيدة، وهذا ما يُميِّز هذه النسخة عن غيرها من النسخ الخطية الموجودة للكتاب، فإن غيرها من النسخ متأخرٌ عنها كثيرًا، حيث إن المؤلف كتبها في القرن الثامن، والنسخ الأخرى الموجودة كُتبت في القرن الثالث عشر والرابع عشر، فكثر في تلك النسخ الخطأ والسقط والتحريف، فعزمنا أمرنا على القيام بخدمته والعناية به، ومقابلته بما وُجد من أصل تلك الفتاوى وتصحيح ما يحتاج
[ ١ / ٧ ]
إلى تصحيح، وذكر اختيارات شيخ الإسلام التي أطلق الخلاف فيها في المختصر على وجه الاختصار، مع تخريج الأحاديث والآثار تخريجًا مختصرًا، فما كان في هذا العمل من صواب فمن الله وحده، وما كان من اجتهاد خاطئ فمنَّا ومن الشيطان، ونرجو من الله العفو والغفران، ومن القارئ النصح والبيان.
والحمد لله رب العالمين
المحققان
[ ١ / ٨ ]