بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهدُ أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أما بعد
فإنَّ الفقهَ في الدِّين مِن أعظم المنن التي يَمتنُّ الله بها على من شاء من عباده، والموصوف بها في أعلا درجات التفضيل عند الله - ﷿ -، لذا كان سلوك طريقه من أفضل العبادات وأزكاها، وقد صحَّ عن النبي -ﷺ- أنه قال: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى طرق الجنة) (^١).
ومِن طرائق التفقه التي سار عليها أهل العلم قديمًا وحديثًا النظرُ
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة -﵁-. واللفظ له. ورواه أبو داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣)، والدارمي في (السنن ١/ ٩٨)، وابن حبان (٨٨)، والبغوي في (شرح السنة ١/ ٢٧٥)، والبزار في مسنده (١٣٦ كشف الأستار) من حديث أبي درداء -﵁- بزيادات. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح ١/ ٢١٢): " له شواهد يتقوى بها ".
[ ٥ ]
قي المختصرات والمتون القصيرة لما فيها من جمع المسائل المتفرقة في وريقات قليلة ليسهل حفظُها ومراجعتها، واستظهارُ الأحكام حال الحاجة إليها إن عُدم الاجتهاد في المسألة، وتدريسُها في الزمن القصير.
ولما كانت هذه المختصرات لم تجعل للاستدلال للمسائل فإنها خَلَتْ في الجُملةِ مِن الأدلة، فلا تُعابُ بذلك؛ كما لا تُعابُ كُتبُ الفقه أيضًا بخلوِّها مِن الشعر؛ كما قال أبو الفضل النحوي:
أصبحتُ فيمَن له دِينٌ بلا أَدَبٍ … ومَن له أَدَبٌ عارٍ مِن الدِّينِ
أصبحتُ فيهم غريبَ الشَّكلِ مُنفرَدًا كبيتِ حَسَّانَ في ديوانِ سحنون (^١)
فمَن رام دليل مسألة مذكورة في مختصَرٍ رَجَعَ لأصلِه المبسُوطِ فسيجدُ الدليل فيه في نفس موضعها، فسهَّل المختصَرُ حينئذٍ معرفة موضع المسائل في المطولات.
فهذه المختصرات طريق من طرق التفقه في الدين علَّها تكون الأسهلَ عند الكثير، وهي ليست أدلةً تُعارضُ بها النصوصُ الشرعية، وإنما هي فهوم أهل العلم لهذه النصوص، زادها قوةً اجتماعُ عَددٍ كبيرٍ منهم على هذا الفهم، فالعبرةُ
-في الأصل- بما
_________________
(١) يعني به بيت حسان بن ثابت: وهان على سُرَاة بني لُؤيٍّ … حريقٌ بالبويرة مستطير. حيث لم يأت في مدونة سحنون غير هذا البيت فقط.
[ ٦ ]
جاء في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، وحاشا أحدًا من فقهاء الشريعة أن يقول بخلاف ذلك.
وبعد.
فهذا مختصر في الفقه على المعتمد من مذهب الإمام أحمد بن محمد بن حنبل
-رحمه الله تعالى- حسب ما اعتمده متأخرو علماء المذهب، اختصر فيه ممليه ما في مختصرات متأخري الحنابلة.
فكان هذا المختصَرُ جامعًا لأهم المسائل ورؤوسها، وقد تميَّزَ على غيره من المختصرات في المذهب بأمور سيأتي ذكر بعضها عند التعريف بالكتاب.
لذلك جميعًا، ومحبةً في نشر العلم، والتشبهَ بأهلِه أحببتُ أن أسعَى بنشرِ هَذا المُختصَر اللطيفِ، وذلك بعدما أشارَ عليَّ به من إشارته أمر -﵀-.
فأسأل الله العظيمَ ربَّ العرشِ الكريمِ أن ينفعَ به الجميعَ، وأن يمنَّ علينا بصلاحِ النيةِ وحُسن العمل على هدي النبي -﵇-.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عَبد السَّلام بن محمَّد بن سَعد الشُّويعر
عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه والمسلمين
[ ٧ ]