وفي الاصطلاح: عرفه ابن مفلح في أصوله بقوله: مذهب الإنسان ما قاله أو جرى مجراه من تنبيه أو غيره، ذكره عنه في الإنصاف.
ومذهب الحنابلة من مذاهب أهل الإسلام التي ارتضاها المسلمون على مر العصور، وهو مذهب متكامل متوازن، وهو أقوال للإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - وذلك من خلال أسئلة تلاميذه له وأجوبته على تلك الأسئلة، ثم أثرى ذلك أتباعه تفريعًا وتخريجًا وقياسًا على نصوصه، وأصوله، وقواعده؛ حتى تَكَوَّنَ المذهبُ على أيدي كبار من أعلام الأمة كالخرقي والقاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن قدامة، ومجد الدين أبي البركات ابن تيمية، وحفيده شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وابن مفلح وابن رجب، ثم انتهى المذهب إلى الإمام علي بن سليمان المرداوي فأسس مذهبَ المتأخرين وحَرَّرَهُ حتى انحصر المذهب في كتبه ثم جاء الشيخُ الحجاويُّ، والشيخُ ابنُ النجار فسبكا المذهب سبكًا فريدًا، وجمعاه في كتابيهما "الإقناع"، "والمنتهى"، ثم تفرعت المختصرات منهما.
والإمام أحمد بن حنبل الشيباني - ﵁ - من أعظم أئمة الإسلام على الإطلاق، ومن أشهرهم، وأعلمهم، وأفقههم، وأزهدهم، وأحفظهم لحديث رسول الله ﷺ، وقد قال عنه الإمام محمد بن إدريس الشافعي - ﵁ -: (خرجت
_________________
(١) انظر: المعجم الوسيط.
[ ٢٣ ]
من بغداد وما خلفت بها أحدًا اتقى ولا أورع ولا أفقه أظنه قال ولا أعلم من أحمد بن حنبل) (^١)
وكان الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) - ﵀ - ينهى طلابه أن يكتبوا أقواله وفتاواه ويكره ذلك، قال ابن القيم: (ويكره أن يكتب كلامه ويشتد عليه جدا)، (وكان يقول: طوبى لمن أخمل الله ذكره)، (ومرة قال للميموني: لولا الحياء منك ما تركتك تكتبها - أي: مسائله -وإنه عليَّ لشديد، والحديث أحب أليَّ).
وقال أيضا: (كُتِبَ من كلامه وفتاواه أكثرُ من ثلاثين سفرا، ومنَّ الله سبحانه علينا بأكثرها، فلم يفتنا منها إلا القليل ورويت فتاويه ومسائله، وحُدِّثَ بها قرنا بعد قرن فصارت إماما وقدوة لأهل السُّنَّةِ على اختلاف طبقاتهم) (^٢).
وقال ابن الجوزي: (نظر الله - تعالى- إلى حسن قصده فنُقِلَتْ ألفاظُهُ، وحُفِظَتْ؛ فقلَّ أن تقع مسألة إلا وله فيها نص من الفروع والأصول، وربما عدمت في تلك المسألة نصوص الفقهاء الذين صنفوا وجمعوا) (^٣).
_________________
(١) انظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١/ ١٨
(٢) انظر: إعلام الموقعين ١/ ٢٨
(٣) انظر: مناقب الإمام أحمد ١٩١
[ ٢٤ ]