للشيخ منصور بن يونس البهوتي (ت ١٠٥١ هـ) ﵀ رحمة واسعة، وجعله في الفردوس الأعلى من الجنة، وهو العالم الذي سخر جهده وقلمه لشرح الكتب التي عليها المعتمد في المذهب كالزاد - وقيل: إنه أول ما شرح، فرغ منه في سنة ثلاث وأربعين وألف (^١) - و" الإقناع"، و"المنتهى "، وقد تميزت شروحه بالسهولة والبيان، والقوة والمتانة والتحرير والاستدلال والاستطراد فيه أحيانا، ولم يكن مجرد ناقل، بل عن فهم وتمحيص (^٢)، وكان رحمه الله تعالى واسع الاطلاع على من تقدمه من كتب المذهب، من متون وشروح وحواش (^٣)،
وهذا الذي جعل الفقه عنده سهلا لينا؛ حتى صار بارعا متفننا في تناوله للمسائل من حيث الوضوح والبيان، وقد بحثت في ترجمته لأتعرف على محفوظاته في الفقه فلم أجد شيئا، والحقيقة أنه يحفظ كل شيء؛ حتى إنه يربط بين مسائل في بابين مختلفين بعيدين بطريقة عجيبة فريدة، وهذا مما حباه الله به، ولا يغني كتاب من كتبه عن كتاب آخر ففي كل واحد منها
_________________
(١) انظر: عنوان المجد لابن بشر ٢/ ٣٢٣.
(٢) وقد توفر على الفقه فقط، قال المحبي: (وكان عالما، عاملا، ورعا، متبحرا في العلوم الدينية، صارف أوقاته في تحرير المسائل الفقهية، ورحل الناس إليه من الآفاق، لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد - ﵁ - فإنه انفرد في عصره بالفقه) السحب الوابلة ٣/ ١١٣١
(٣) وقد ذكر ابن حمدان (ت ١٣٩٧ هـ) في كتابه " كشف النقاب عن مؤلفات الأصحاب": نَقْلَ الشيخ منصور عن كتب كثيرة غريبة لا وجود لبعضها اليوم فيما أعلم، منها: نقله في الكشاف في تعليق المطلق عن ابن نصر الله من حواش له على قواعد ابن رجب ص ٦٤، ونقله أيضا في الكشاف في آخر الأطعمة من كتاب " عمدة الصفوة في حل القهوة " لشيخ شيخه الجزيري ص ١٤٤ - وهو مطبوع-، ونقله أيضا في الكشاف في آداب القاضي من نظم عمدة الفقه للغزي وشرحه له أيضا ص ١٤٧، ونقله في الكشاف في الشروط في البيع من حاشية نفيسة لتقي الدين ابن قندس على المحرر ص ٢١١، ونقله في الكشاف في كتاب الفرائض عند ذكر عصبة ولد الزنى من حاشية لابن نصر الله على المغني ص ٢٤٣ ..
[ ٩٥ ]
ما لا يوجد في الآخر، بل يوجد في حاشيتيه على " الإقناع " و"المنتهى " من الفوائد والنكت والبحوث ما لا يوجد في شرحيهما له، وألف شرحيه في وقت وجيز، بدأ أولا في وضع حواشيه على " الإقناع " و" المنتهى "، ثم شرع في شرح " الإقناع " فشرح المعاملات منه أولا وفرغ من المجلد الأول في تاسع عشر من ذي الحجة سنة أربع وأربعين، وشرع في المجلد الثاني وفرغ منه سنة خمس وأربعين وألف يوم الخميس مستهل شعبان، وشرح العبادات في سنة ست وأربعين، ثم شرح المفردات وفرغ منها سنة سبع وأربعين وألف، ثم شرح " المنتهى " وفرغ منه يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر شوال سنة تسع وأربعين وألف (^١)، فانظر أخي أنه لم يستغرق في أهم تآليفه أكثر من سبع سنوات تقريبا، وما ذاك إلا لطول باعه وسعة علمه في الفقه، (وبالجملة فهو مؤيد المذهب ومحرره، وموطد قواعده ومقرره، والمعوَّلُ عليه فيه، والمتكفِّلُ بإيضاح خافيه جزاه الله أحسن الجزاء) (^٢).
وكتابُ الروض المربع من أفضل شروح الزاد على الإطلاق تميز بالوضوح والسهولة، وذكر القيود والشروط التي تحتاجها مسائل الزاد، مع تبيين المذهب وتحريره بقدرة فائقة منقطعة النظير، ويقدم في تحريره للمذهب " المنتهى "، ولكن أسلوبه سهل كـ " الإقناع"، قال في مقدمته: (أما بعد: فهذا شرح لطيف على مختصر المقنع - للشيخ الإمام العلامة والعمدة والقدوة الفهامة هو شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم المقدسي الحجاوي ثم الصالحي الدمشقي- تغمده الله برحمته وأباحه بحبوحة جنته - يبين حقائقه ويوضح معانيه ودقائقه مع ضم قيود يتعين التنبيه عليها، وفوائد يحتاج إليها، مع العجز وعدم الأهلية لسلوك تلك المسالك؛ لكن ضرورة كونه لم يشرح اقتضت ذلك، والله المسؤول بفضله أن ينفع به كما نفع بأصله وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وزلفى لديه في جنات
_________________
(١) انظر: عنوان المجد لابن بشر ٢/ ٣٢٣
(٢) قاله ابن حميد في السحب الوابلة ٣/ ١١٣٣.
[ ٩٦ ]
النعيم المقيم) (^١).
وقد تميز شرحه - رحمه الله تعالى - بأنه فعل غالب ما يحتاجه متن " زاد المستقنع " مما ذكرته عن الشيخ المرداوي وما فعله في " التنقيح "، ومما يرجح زاد المستقنع على غيره من المختصرات: أن الذي تولى شرحه وبيانه وتقويم ما يحتاج لتقويم فيه، وذكر الأحكام وغير ذلك هو الشيخ منصور البهوتي شارح كتب المذهب.
وقد زاد الشيخ البهوتي في شرحه مسائل كثيرة هي أصول في بابها، تحتاج لشرح وتصوير، وهذا هو السبب الذي جعلني أذكره في آخر المرحلة الأولى، لأن الطريقة الصحيحة لدراسة متن ما: أن يهتم الطالب بمسائله فحسب لئلا يتشتت ذهنه بكثرة المسائل، وبعد ذلك يرى نفسه لا يتقن شيئا، والعالم هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.