فالمبهم لا يخلو:
إما أن يكون في الكلمة غموض، لا يتبين معناها من لفظها، فتحتاج إلى بيان المراد منها.
وإما أن لا يكون فيها غموض، بل تكون واضحة وتحتمل أكثر من معنى، ولا يوجد ما يحدد المقصود المراد من هذه المعاني.
والإبهام عند فقهاء الحنابلة: إما أن يكون في الحكم، وإما أن يكون في اللفظ.
والمراد بالمبهم في الحكم: أن يذكر العالمُ مسألةً دون أن يُبَيِّن حكمها من حيث الحكم التكليفي حرمة وكراهة، ووجوبًا واستحبابًا، وإباحة، أو من حيث الحكم الوضعي صحة وفسادًا، وضمانًا وغير ذلك.
وبعبارة أدق: أن يأتي العالم بلفظ يحتمل أكثر من حكم، مثل أن يقول: ولا يفعل كذا - وهذه تحتمل الحرمة والكراهة- أو: وأن يفعل كذا- وهذه تحتمل الوجوب أو الندب-.
وقد ذكر بعض الفضلاء: أن العلماء إذا ذكروا الفعل المجرد- أي: إذا قال العالم: ويفعل كذا - فإنه ظاهر في الوجوب؛ فإذا لم نر له بيانا من العلماء شراحا كانوا أو محشين، فهو للوجوب، وفي هذا نظر ظاهر لعدة أمور:
١. أنه لو كان الأمر كذلك لَمْ يتكلفْ العلماءُ بذكر حكم الوجوب في مواطن كثيرة (^١)، ولاقتصروا فقط على بيان الاستحباب، ولَتَركوا ما عداه على ما يظهر من الفعل وهو: الوجوب، والحال أنهم يبينون الإبهام بالوجوب إن كان حكمه كذلك.
٢. أن الشيخ المرداوي مصحح المذهب ومنقحه لم يجعل الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب في الإنصاف، بل جعله محتملا للوجوب وغيره،
_________________
(١) وأستثني من ذلك ذكرهم لشروط الصلاة وأركانه وواجباتها، وكذا أركان الحج وواجباته؛ لأنه قد يقال: إنما ذكروا الواجبات مع الشروط والأركان لبيان ما يترتب على ترك كل.
[ ٤٢ ]
ومن ذلك ما ذكره في باب أدب القاضي (^١) حيث قال: (قوله (ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه) يحتمل أن يكون مراده: أن ذلك واجب عليه، وهو: المذهب، قال في الفروع: ويلزمه، في الأصح: العدل بينهما في لحظه ولفظه، ومجلسه والدخول عليه، وجزم به في الشرح، وقيل: لا يلزمه؛ بل يستحب، ويحتمله كلام المصنف).
فقول الشيخ المرداوي: (ويحتمله كلام المصنف) يدل على أن الفعل يحتمل الوجوب والاستحباب، ولو كان ظاهرا في الوجوب لذكر ذلك.
٣. أنه قد وقع خلاف في أحكام مجردة هل هي للوجوب، أو للاستحباب، ولو كان الوجوب هو الظاهر دائما لم يقع الخلاف؛ كما حصل ذلك بين الحجاوي، والبهوتي في مسألة: الجلوس بعد سجدة التلاوة، هل هو ندب أم واجب؟
فالحجاوي يقول: (ولعل الجلوس: ندب)، وتعقبه البهوتي بأنه واجب فقال: (قلت: والظاهرُ وجوبُه كما مر في عدد الأركان) (^٢)، وتعقبه النجدي بقوله: (وفي كلام منصور البهوتي نظر!) (^٣).
فلو كان الفعلُ المجرد ظاهرا في الوجوب؛ ما كان لهؤلاء العلماء الثلاثة أن يختلفوا في حكم هذا الفعل! .
٤. أن المردواي ترك بيان حكم تفريق الوصية في كل من الإنصاف، وتصحيح الفروع، والتنقيح فلم يُبَيِّن حكمه، واستدرك عليه الحجاوي وبين أنه: مستحب.
قال - ﵀ - في حواشي التنقيح (^٤): (ويسن تفريق وصيته كل ذلك قبل الصلاة عليه، وأبقى المنقح تفريق وصيته على كلام المقنع مبهما لم يبين الحكم فيه، وكان حقه أن يبين حكمه كما وعد في الخطبة).
_________________
(١) انظر: الإنصاف مع الشرح الكبير ٢٨/ ٣٤١.
(٢) انظر: الكشاف ٣/ ١٢٣
(٣) انظر: حاشية النجدي على المنتهى ١/ ٢٧٧
(٤) ص ١٢٥
[ ٤٣ ]