١٣- قالوا: لأن المقام بها يفضي إلى الملك لها.
وأنه لا يأمن من مواقعة المحظور؛ فيتضاعف عليه العذاب. ولأنه يضيق على أهل البلد.
[ ٢١ ]
١٤- قالوا: وكان عمر يقول عقب المواسم: "يا أهل الشام شامكم يا أهل اليمن يمنكم، يا أهل العراق [عراقكم] ١".
١٥- ولأن المقيم بها يفوته الحج التام والعمرة التامة؛ فإن العلماء متفقون على أنه إن أنشأ سفر العمرة من دويرة أهله كان هذا أفضل أنواع الحج والعمرة.
١٦- وهم متفقون على أنه أفضل من التمتع والقران والإفراد الذي يعتمر عقب الحج.
تصحيح خطأ في الاعتمار
١٧- وأما ما يضنه بعض الناس من أن الخروج بأهل مكة في رمضان أو في غيره إلى الجبل للاعتمار؛ وهو المراد بقوله ﷺ: "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" ٢ حتى صار المجاورون وغيرهم يحافظون على الاعتمار من أدنى الحل أو أقصاه كاعتمارهم من التنعيم التي بها المساجد التي يقال لها "مساجد عائشة"، أو من "الحديبية" وعمرة "الجعرانة"؛ فكل ذلك غلط عظيم مخالف للسنة النبوية، ولإجماع الصحابة.
١٨- فإنه لم يعتمر النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا أمثالهم من مكة قط لا قبل الهجرة ولا بعدها.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين زيادة ليستقيم بها السياق. ٢ البخاري (١٨٦٣) ومسلم (١٢٥٦) (٢٢١) عن ابن عباس ﵄
[ ٢٢ ]
لم يعتمر أحد من المسلمين على عهد النبي ﷺ من مكة إلا عائشة فقط
١٩- بل لم يعتمر أحد من المسلمين على عهد النبي ﷺ من مكة إلا عائشة فقط، فإنها قدمت متمتعة؛ فحاضت، فمنعها الحيض من الطواف قبل الوقوف بعرفة، فسألت النبي ﷺ أن يعمرها بعد الحج١، ثم بعد ذلك بنيت هذه المساجد التي هناك، وقيل لها: "مساجد عائشة".
٢٠- وأما "عمرة الحديبية": فإن النبي ﷺ هل هو وأصحابه من "ذي الحليفة" ثم حلوا بـ"الحديبية" لما صدهم المشركون عن البيت فكانت "الحديبية" حلهم لا ميقات إحرامهم.
وهذا متواتر يعلمه عامة العلماء وخاصتهم، وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ ٢ الآيات باتفاق العلماء٣.
_________________
(١) ١ البخاري (١٥٦١) ومسلم (١٢١١) (١٢٨) عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر النبي ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فخل من لم يكن ساق الهدي ونساؤه لم يسقن، فأحللن، قالت عائشة: فحضت، فلم أطف بالبيت، فلما كانت ليلة الحصبة قالت: يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة؟ قال: وما طفت ليالي قدمنا مكة؟ قلت: لا قال: فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة ثم موعدك كذا وكذا، قالت صفية: ما أراني إلا حابستهم. قال: "عقرى حلقى أو ما طفت يوم النحر؟ " قالت: قلت: بلى قال: "لا بأس انفري" قالت عائشة: فلقيني رسول الله ﷺ وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها. ٢ في الأصل سقطت من الآية كلمة ﴿وأتموا﴾ وراجع: تفسير الطبري (٢/٢١٩) . ٣ راجع أيضا: "مجموع الفتاوى" (٧/٢٥٠) و"اقتضاء الصراط" (١/٤٢٥) و"زاد المعاد" (٢/٩٠) .
[ ٢٣ ]
٢١- وأما "عمرة الجعرانة": فإن النبي ﷺ لما قاتل هوازن بوادي حنين الذي قال الله فيها: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:٢٥-٢٧) .
٢٢- وحاصر "الطائف" ونصبت عليها بالمنجنيق، ولم يفتحها وقسم غنائم حنين بـ "الجعرانة" فلما قسمها دخل إلى مكة ثم خرج منها؛ لم يكن بمكة فخرج منها إلى الحل ليعتمر كما يفعل ذلك من يفعله من أهل "مكة".
٢٣- بل الصحابة ﵃ وأئمة التابعين لم يستحبوا لمن كان بمكة ذلك، بل رأوا أن طوافه بالبيت أفضل من خروجه لأجل العمرة، بل كرهوا له ذلك كما قد بسطنا هذه المسألة في غير هذا الموضع١.
_________________
(١) ١ راجع: "شرح العمدة" (٢/٣٣٤، ٥٣٥، ٢٤/ ١٤٨، ١٤٩) و"مجموع الفتاوى" (١٧/٤٢٧) .
[ ٢٤ ]
استحباب الجمهور للمجاورة بشروط
٢٤- والمقصود هنا: أن من العلماء من كره المجاورة بمكة، لما ذكر من الأسباب وغيرها لكن الجمهور يحبونها في الجملة إذا وقعت على الوجه المشروع الخالي عن المفسدة المكافئة للمصلحة أو الراجحة عليها.
الأدلة على استحباب المجاورة بمكة.
٢٥- قال الإمام أحمد١، وقد سئل عن الجوار بمكة؟ فقال: وكيف لنا [به] ٢، وقد قال النبي ﷺ: "إنك لأحب البقاع إلى الله، وإنك لأحب إلي".
٢٦- وجابر جاور مكة، وابن عمر كان يقيم بمكة٣.
٢٧- وقال أيضا:"ما أسهل العبادة بمكة، النظر إلى البيت عبادة"٤.
_________________
(١) ١ نقله في"الإنصاف" (٣/٥٦٢) و"الفروع" (٣/٣٦٢) والمغني (٥/٤٦٤) . ٢ ما بين المعوقتين زيادة من"الإنصاف" ليستقيم بها السياق ٣ ابن أبي شيبة (٣/١٨٦) عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبو سعيد الخدري. عطاء قال: جاور عندنا جابر بن عبد الله وابن ٤ راجع:"الإنصاف" (٤/٥٠) و"مجموع الفتاوى" (٢٦/٤١٣) . وعند ابن أبي شيبة (٣/٣٤) عن طاوس ومجاهد وعطاء وعبد الرحمان بن الأسود:"النظر إلى البيت عبادة".
[ ٢٥ ]