٢٨- واحتج هؤلاء بما رواه عبد الله بن عدي ابن حمراء الزهري أنه سمع النبي ﷺ يقول، وهو واقف بالحزورة
[ ٢٥ ]
في سوق مكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه الإمام أحمد وهذا لفظه، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال:"حديث حسن صحيح"١.
٢٩- ورواه أحمد من حديث أبي هريرة أيضا٢.
ومن الأدلة على استحباب المجاورة
٣٠- وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ: "ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح غريب"٣.
_________________
(١) ١ أحمد (٤/٣٠٥) والنسائي في الكبرى (٤٢٥٢،٤٢٥٣) وابن ماجه (٣١٠٨) والترمذي (٣٩٢٥) والحاكم (٣/٧،٤٣١) وصححه الألباني في"صحيح ابن ماجه" (٣١٠٨) . "الحزورة": بالحاء المهملة والزاي، قال الطيبي: "على وزن القشورة موضع بمكة، وبعضها شددها، والحوزرة في الأصل: بمعنى التل الصغير، سميت بذلك، لأنه كان هناك تل صغير وقيل: لأن وكيع بن سلمة بن زهير بن ولي أمر البيت بعد جرمهم فبني صرحا كان هناك وجعل فيها أمة يقال لها حزورة، فسميت حزورة مكة بها". "تحفة الأحوذي" (١٠/٤٢٦) . ٢ أحمد (٤/٣٠٥) والنسائي في الكبرى (٤٢٥٤) . ٣ الترمذي (٣٩٢٦) والطبراني في الكبير (١٠/٢٦٧، ٢٧١) وصححه الحاكم (١/٤٨٦) وابن حبان (٣٧٠٩) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" (٣٩٢٦) . قال المباركفوري ﵀: "ما سكنت غيرك" هذا دليل للجمهور على أن مكة أفضل من المدينة خلافا للإمام مالك ﵀، وقد صنف السيوطي رسالة في هذه المسألة".
[ ٢٦ ]
ومن الأدلة على استحباب المجاورة
٣١- قالوا: فإذا كانت أحب البلاد إلى الله ورسوله ولولا ما وجب عليه من الهجرة لما كان يسكن إلا إياها، علم أن المقام بها أفضل إذا لم يعارض ذلك مصلحة راجحة كما كان في حق النبي ﷺ والمهاجرين؛ فإن مقامهم بالمدينة كان أفضل من مقامهم بمكة لأجل الهجرة والجهاد بل ذلك كان واجب عليهم، وكان مقامهم بمكة حراما حتى بعد الفتح، وإنما رخص للمهاجر أن يقيم فيها ثلاثا.
٣٢- كما في "الصحيحين"١ عن العلاء بن الحضرمي أن النبي ﷺ أرخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا.
٣٣- وكان المهاجرون يكرهون أن يكونوا [مقيمين بدار، هاجروا منها وتركوها] ٢؛ لكونهم هاجروا عنها، وتركوها لله.
_________________
(١) ١ البخاري (٣٩٣٣) ومسلم (١٣٥٢) (٤٤٢) واللفظ له. فائدة: "قال القاضي عياض ﵀: في هذا الحديث حجة لمن منع المهاجر قبل الفتح من المقام بمكة بعد الفتح، قال: وهو قول الجمهور، وأجاز لهم جماعة بعد الفتح مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح ووجوب سكنى المدينة؛ لنصرة النبي ﷺ ومواساتهم له بأنفسهم، وأما غير المهاجر ومن آمن بعد ذلك: فيجوز سكنى له أي بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق" "شرح النووي لمسلم" (٩/١٢٢، ١٢٣) . ٢ ما بين المعقوفتين زيادة ليست في الأصل زدتها بالاستفادة من كلام المصنف، ليستقيم بها السياق.
[ ٢٧ ]
٣٤- حتى قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه١؛ لما عاد سعد بن أبي وقاص، وكان قد مرض بمكة في حجة الوداع فقال يا رسول [الله] ٢ أخلف عن هجرتي؟
فقال: "لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة"، يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة.
٣٥- ولهذا لما مات عبد الله بن عمر بمكة أوصى أن لا يدفن في الحرم٣ بل يخرج إلى الحل لأجل ذلك لكنه كان يوما شديد الحر فخالفوا وصيته٤ وكان قد توفي عام قدم الحجاج فحاضر ابن الزبير وقتله لما كان للناظرين من الفتنة بينه وبين عبد الملك بن مروان.
_________________
(١) ١ البخاري (١٢٩٥) ومسلم (١٦٢٨) (٥) . والمعنى: أن سعد بن خولة وهو من المهاجرين من مكة إلى المدينة، وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها وتركوها مع حبهم فيها لله تعالى، فمن ثم خشي سعد بن أبي وقاص أن يموت بها، وتوجع رسول الله ﷺ لسعد بن خولة لكونه مات بها "فتح الباري" (٣/١٦٥) . ٢ ما بين المعقوفتين زيادة يستقيم بها السياق. ٣ يوجد هنا إلحاق لم يحدد موضعه: ونصه: "لذلك كان العمل فيه أفضل مما ليس كذلك". ٤ في "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٤/١٨٨) عن الزهري عن سالم قال: أوصاني أبي أن أدفنه خارجا عن الحرم فلم نقدر فدفناه في الحرم بفخ في مقبرة المهاجرين وفخ: واد بمكة.
[ ٢٨ ]
ومن الأدلة على استحباب المجاورة
٣٦- قالوا: ولأن في المجاورة بها من تحصيل العبادات وتضعيفها ما لا يكون في بلد آخر؛ فإن الطواف بالبيت لا يمكن إلا بمكة وهو من أفضل الأعمال، ولآن الصلاة بها تضاعف هي وغيرها من الأعمال.
٣٧- وقد قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج: من الآية٢٦) .
٣٨- روي: "أنه ينزل على البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ستون للطائفين وأربعون للمصلين [وعشرون للناظرين] "١.
٣٩- ولهذا قال العلماء: إن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بالثغر مع قولهم: إن المرابطة بالثغر أفضل وتضاعف السيئات فيه وإذا كان المكان دواعي الخير فيه أقوى، ودواعي الشر فيه أضعف كان المقام فيه [أفضل] ٢ مما ليس كذلك.
_________________
(١) ١ ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٦/٢٧٨) من طريق محمد بن معاوية النيسابوري ثنا محمد بن صفوان عن ابن جريح عن ابن عباس. ومحمد بن معاوية النيسابوري، قال النسائي ليس بثقة متروك الحديث. وقال ابن عدي عقب الحديث: "وهذا منكر وروى الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس هذا، ورواه عنه يوسف بن أبي السفر كاتب الأوزاعي وهو ضعيف" اهـ. قلت: وهذه الرواية الثانية أوردها في "لسان الميزان" (٦/٣٢٢) في ترجمة يوسف بن أبي السفر، ويوسف هذا كذبة غير واحد، قال الدارقطني: متروك الحديث يكذب. ٢ ما بين المعقوفتين زيادة يستقيم بها السياق.
[ ٢٩ ]
٤٠- ولا نزاع بين المسلمين في أنه يشرع قصدها لأجل العبادات المشروعة فيها وإن ذلك واجب أو مستحب.
٤١- وأما النزاع في المجاورة؛ فلما فيه من تعارض للمصلحة والمفسدة كما تقدم١.
٤٢- وحينئذ فمن كانت مجاورته فيما يكثر حسناته ويقل سيئاته فمجاورته فيها أفضل من بلد لا يكون حاله فيه كذلك.
أفضل البلد في حق كل شخص
فأفضل البلاد في حق كل شخص: حيث كان أبر وأتقى، وإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم.
٤٣- ولهذا لما كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي، وكان النبي ﷺ قد آخا بينهما، وكان أبو الدرداء بالشام وسلمان بالعراق فكتب إليه أبو الدرداء: "أن هلم إلى الأرض المقدسة" فكتب إليه سلمان: "إن الأرض لا تقدس أحدا؛ وإنما يقدس الرجل عمله الصالح٢".
_________________
(١) ١ رواه مالك في "الموطأ" (٢/٧٦٩):، وأبو نعيم في "الحلية" (١/٢٠٥) . قال الزرقاني ﵀: "وهذا منقطع ولكن أخرجه الدينوري في المجالسة من وجه آخر عن يحي بن سعيد عن عبيد الله بن هبيرة قال كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي..: أن هلم إلى الأرض المقدسة زاد الدينوري: وأرض الجهاد. فكتب إلى سلمان إن الأرض لا تقدس أحدا لا تطهره من ذنوبه ولا ترفعه إلى أعلى الدرجات وإنما يقدس الإنسان عمله الصالح في أي مكان" "شرح الزرقاني" (٤/٩٣) . قال المصنف ﵀ بعد أن أورد الأثر: "وكان النبي قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا" "مجموع الفتاوى" (١٨/٢٨٣) . ٢ في الأصل: "صالحا" وما أثبته من مصادر التخريج.
[ ٣٠ ]
٤٤- ومقصوده بذلك: أنه قد يكون بالأرض المفضولة من يكون عمله صالحا أو أصلح بما يحبه الله ورسوله١.
_________________
(١) ١ راجع: ما تقدم (١٨ص) .
[ ٣١ ]