الأدلة على ضلال من يقصد بيت المقدس للتعريف في وقت الحج.
١٤٦- مثال ذلك: أن قوما يقصدون التعريف بالبيت المقدس فيقصدون زيارته في وقت الحج ليعرفوا به، ويدعوا المقام بالثغور التي تقاربه، وهذا في الضلال والجهل والحرمان من وجوه:
١٤٧- أحدها: أن التعريف بالبيت المقدس ليس مشروعا لا واجبا ولا مستحبا بإجماع المسلمين، ومن اعتقد السفر إليه للتعريف قربة فهو ضال باتفاق المسلمين بل يستتاب فإن تاب وإلا قتل إذ ليس السفر مشروعا للتعريف إلا للتعريف بعرفات.
١٤٨- وأقبح من ذلك تعريف أقوام عند بعض قبور المشايخ والأنبياء وغير ذلك من المشاهد أو السفر كذلك.
فهذا من أعظم المنكرات باتفاق المسلمين.
١٤٩- بل تنازع السلف في تعريف الإنسان في مصره من غير سفر مثل أن يذهب عشية عرفة إلى مسجد بلده فيدعو الله ويذكره.
-فكره ذلك طوائف، منهم أبو حنيفة ومالك وغيرهما.
[ ٦١ ]
- وخص فيه آخرون، منهم الإمام أحمد.
قال: لأن فعله ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حرب بالكوفة.
١٥٠- ومع هذا فلم يستحبه أحمد وكان هو نفسه لا يعرف ولا ينهى من عرف. وقد قيل عنه: أنه يستحب.
حكم السفر للتعريف بغير عرفة.
١٥١- وأما السفر للتعريف بغير عرفة: فلا نزاع بين المسلمين [أنه] من الضلالات لا سينا إذا كان بمشهد مثل قربى أو رجل صالح أو بعض أهل البيت، فإن السفر إلى ذلك لغير التعريف منهي عنه عند العلماء من الأئمة وأتباعهم.
١٥٢- كما قال ﷺ: "لا تشد الر حال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا" ١.
١٥٣- وقد رأى بصرة بن أبي بصرة الغفاري أبا هريرة راجعا من زيارة الطور فقال:" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا"٢.
_________________
(١) ١ البخاري (١١٨٩) ومسلم (١٣٩٧) (٥١١) عن أبي سعيد ﵁. ٢ النسائي في الكبرى (١٧٥٤) وفي المجتبى (٣/١١٤) وأبو يعلى (١١/٤٣٥) والطبراني في الكبير (٢/٢٧٦) وفي الأوسط (٣/١٥٨) .
[ ٦٢ ]
حكم زيارة المشاهد وهل يقصر في سفره الصلاة؟
١٥٤-[وقد] ١ قال من قال من هؤلاء كأبي الوفاء بن عقيل وغيره: إن المسافر لمجرد الزيارة لبعض المشاهد لا يقصر الصلاة لأنه ليس عاص بسفره، وإنما رخص في هذا السفر طائفة من المتأخرين٢ ولكن الزيارة المشروعة إذا اجتاز الرجل بالقبر أو خرج إلى ما يجاوره من القبور كما كان النبي ﷺ يخرج إلى البقيع وكما زار قبر أمه لما اجتاز بها في غزوة الفتح.
١٥٥- وقد ثبت عنه في الصحيح٣ أنه قال: " استأذنت ربي أن أزور قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة".
_________________
(١) ١ مابين المعقوفتين زيادة ليستقيم بها السياق. ٢ قال المصنف ﵀: "أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين: أحدهما: وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية؛ كأبي عبد الله بن بطة وأبي الوفاء بن عقيل وطوائف كثيرة من العلماء المتقدين: أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر؛ لأنه سفر منهي عنه، ومذهب مالك والشافعي وأحمد: أن السفر المنهي عنه في الشريعة لا يقصر فيه. والقول الثاني: أنه يقصر، وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة القبور الأنبياء والصالحين كأبي حامد الغزالي وأبي الحسن ابن عبدوس الحراني وأبي محمد بن قدامة المقدسي". "مجموع الفتاوى" (٢٧/١٨٤، ١٨٥) . ٣ مسلم (٩٧٦) (١٠٨) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٦٣ ]
١٥٦- وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: " السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم" ١.
١٥٧- وقد روي عن النبي ﷺ إنه قال:" ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇"٢.
الزيارة المشروعة للمسلم للقبور.
١٥٨- والزيارة المشروعة للمسلم: أن يسلم عليه ويدعو له كما أن الصلاة مقصودها الدعاء له.
١٥٩- ولهذا نهى الله نبيه ﷺ عن الأمرين في حق المنافقين.
_________________
(١) ١ مسلم (٩٧٥) (١٠٤) من حديث بريدة قال كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية. وعند مسلم (٩٧٤) (١٠٢) من حديث عائشة: "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرجم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" وأما جملة: "اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم" فوردت ضمن الدعاء في الصلاة على الميت من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (١٤٩٨) . ٢ قال العراقي في "تخريج الأحياء" (٤/٥٢٢): "أخرجه ابن عبد البر في التمهيد والاستذكار بإسناد صحيح من حديث ابن عباس وصححه عبد الحق".
[ ٦٤ ]
١٦٠- كما قال تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (التوبة: ٨٤) .
١٦١- ونهى نبيه ﷺ عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم، فكان في ذلك دلالة على أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم.
المقصود من زيارة القبور.
١٦٢- وقد قال طوائف من السلف والخلف وهو القيام على قبورهم بالدعاء والاستغفار١.
١٦٣- فزيارة قبر المؤمن من نبي وغيره مقصودها التحية والدعاء له فأما اتخاذ القبور مساجد والإشراك بها: فذلك كله حرام بإجماع المسلمين.
الأحاديث في التحذير من اتخاذ القبور مساجد.
١٦٤- كما في"الصحيحين"٢ عن النبي ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا.
قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا.
_________________
(١) ١ راجع: "تفسير الطبري" (١٠/٢٠٣) . ٢ البخاري (١٣٣٠) ومسلم (٥٢٩) (١٩) .
[ ٦٥ ]
١٦٥- وفي"صحيح مسلم"١ أنه قال قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله يكون لي منكم خليل، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك".
أمور غير مشروعة عند القبور.
١٦٦- وفي" السنن"٢ عنه أنه قال: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها مساجد والسرج".
١٦٧- وقد اتفق أئمة المسلمين على: أنه لا تشرع:
- الصلاة عند القبور، وقصدها لأجل الدعاء عندها.
- ولا التمسح بها وتقبيلها، سواء في ذلك قبور الأنبياء وغيرهم٣.بل ليس تحت أديم السماء ما يشرع التمسح به وتقبيله إلا الحجر الأسود والركن اليماني يستحب التمسح [بهما] .
_________________
(١) ١ مسلم (٥٣٢) (٣٢) من حديث جندب ﵁. ٢ أخرجه أحمد (١/٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٣٣٧) وأبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠) وصححه، والنسائي في الكبرى (٢١٧٠) وفي المجتبى (٤/٩٥) من حديث ابن عباس، وإسناده ضعيف إلا إن له شواهد تجعله صحيحا لغيره إلا اتخاذ السرج؛ فليس له ما يشهد له وراجع "الضعيفة" للألباني (٢٢٥) وكتابه أيضا: "تحذير الساجد" ص (٤٣) . ٣ راجع: "القول المنصور في حكم تحري قصد الدعاء عند القبور" و"تحذير المغرور من بدعتي التمسح وتقبيل القبور" كلاهما لشقيقنا أبي أنس السيد بن عبد المقصود يسر الله طباعتهما.
[ ٦٦ ]
ما يشرع مسحه وما لا يشرع.
١٦٨- وقد صح عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعون، فلم يمسحوا إلا الركنين اليمانيين، ولم يمسحوا سائر جوانب البيت ولا مقام إبراهيم الذي هناك، فكيف بمقام إبراهيم في تلك البقعة ومقام غيره من الأنبياء والصالحين.
١٦٩- وقد قال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح:٢٣)
١٧٠- قال طوائف من الصحابة والتابعين: "هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم لما طال عليهم الأمد صوروا صورهم، وكان ذلك مبدأ عبادة الأوثان"١.
١٧١- ولهذا قال النبي ﷺ ما رواه مالك في "الموطأ"٢: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد".
_________________
(١) ١ راجع: البخاري (٤٩٢٠) عن ابن عباس ﵁، وتعليق الحافظ في "الفتح" (٨/٦٦٧)، و"تفسير ابن جرير" (٢٩/٩٨، ٩٩) عن محمد بن قيس. وراجع أيضا: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" لعبد الرحمن بن حسن (٢٨٧-٢٨٣) . ٢ الموطأ (٨٥) عن عطاء بن يسار مرسلا وابن أبي شيبة (٣/٣٥٤) عن زيد بن أسلم مرسلا ووصله أحمد (٢/٢٤٦) من حديث أبي هريرة، والبزار (٤٤.- كشف الأستار) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه الألباني في "تحذير الساجد" (١٨، ١٩) .
[ ٦٧ ]
- وفي "السنن"١ عنه أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدا".
استبدال السيئات بالحسنات
١٧٣- فالسفر للتعريف ببعض المشاهد حرام فيكون بمنزله لحم الخنزير، وأما السفر للتعريف ببيت المقدس مثلا، والسفر لزيارة بعض القبور أو البقاع غير المساجد الثلاثة فهو أيضا منهي عنه، وإن كان وجد في ذلك لمن عهد إلى هذه البدع التي فيها من الشرك ما فيها، فتعبد بها وأقام بها وقصد ما يقصده من البقاع لأجلها وترك أن يقصد من البقعة أو ما هو قريب منها لأجل الرباط في سبيل الله الذي هو من أفضل الأعمال بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين – أليس هو ممن استبدل السيئات بالحسنات؟!!
_________________
(١) ١ أحمد (٢/٣٦٧) واللفظ له وأبو داود (٢٠٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "ولا تجعلوا قبري عيدا" وحسن إسناده المصنف في "الإقتضاء" (٢/٦٥٩) وأشار إلى شواهد له بها يصح الحديث، ولذا صححه النووي في الأذكار «٩٣) وأما اللفظ المذكور فهو عند أبي يعلى (٤٦٩) وابن أبي شيبة (٣/٣٠، ٢/١٥٠) .
[ ٦٨ ]