١٧٦- الوجه الثالث: أن من الناس من يقصد المجاورة ببيت المقدس ويدع المجاورة بالثغر الذي هو قريب منه!!
وهذا الباب من أفضل الأفضل وأجلها وهو فرض على الكفاية ومعلوم أن هذا أعظم خسرانا، وأشد حرمانا، وأبعد عن اتباع الشريعة؛ فإن المجاورة بالحرمين قد يتعسر عليه ذلك دون المرابطة لاختلاف المكانين.
١٧٧- أما مع تفاوت المكانين فالعدول عن هذه إلى هذا؛ يعني لا
_________________
(١) ٣ في الأصل: "والمعدول"!!
[ ٦٩ ]
يصدر إلا من جهل أو من ضعف إيمان اللهم إذ نذر هذا فيكون هذا معذور. وأما الكلام فيمن يقدر على الأمرين.
١٧٨- ولهذا [لما] ١ كان أهل البدع مهملين أمر الجهاد معظمين للزيارة، استولى الكفار على كثير من الثغور، حتى قتل ببيت المقدس وقتلوا فيه من المجاورين من شاء الله، وكان قد جرت فيه بدع كثيرة.
١٧٩- ومن ذلك: من يقصد بعض هذه البقاع إما جبل لبنان وإما غيره لزيارته لظنه أن فيه الصالحين من الأبدال وغيرهم ويدع أن يقصد للرباط في سبيل الله، فإن هذا أيضا من الضلال العظيم، وأصل السفر إلى الزيارة غير مشروع ولا مأمور به بل هو من البدع والضلال.
١٨٠- وكذلك السياحة لغير قصد معين ليس ذلك مشروعا لنا.
معنى السياحة في الإسلام
١٨١- قال الإمام أحمد: "ليست السياحة من أمر الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين"٢.
١٨٢- والسياحة المذكورة في القرآن ليست هذه السياحة؛ فإن الله
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين زيادة ليستقيم بها السياق. ٢ "مسائل الإمام أحمد " لابن هانئ (٢/١٧٦) وراجع: "اقتضاء الصراط" (١/٢٩٢) و"مجموع الفتاوى" (١٠/٦٤٣) وراجع: "كشاف القناع" (١/٥٠٦) .
[ ٧٠ ]
قد قال: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم:٥) .
تفسير السياحة بالصيام والجهاد
١٨٣- ومعلوم أن نساء النبي ﷺ ونساء المؤمنين لا يشرع لهن السياحة. ولكن قد فسرت السياحة بالصيام، وفسرت بالجهاد وكلاهما مروي عن النبي ﷺ.
١٨٤- أما الأول: فرواه عمرو بن دينار عن يحي بن جعدة، عن النبي ﷺ مرسلا١.
١٨٥- وأما الثاني: فقال أبو داود في "سننه"٢: "باب النهي عن السياحة"؛ وروي فيه حديث العلاء بن الحارث عن
_________________
(١) ١ راجع: الأحاديث التي فسرت السياحة بالصيام عن أبي هريرة وعبيد بن عمير مرفوعا وكذا أقوال الصحابة والسلف كابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والحسن وغيرهم؛ وذلك في "تفسير الطبري" (١١/٢٨، ٢٩)، عند تفسير قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ (التوبة: من الآية١١٢) . ٢ أبو داود (٢٤٨٦) والحاكم (٢/٨٣) وصححه، والبيهقي (٩/١٦١) . وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود" (٢٤٨٦) . قال المصنف ﵀: "وأما السياحة التي هي الخروج في البرية من غير قصد معين فليست من عمل هذه الأمة ولهذا قال الإمام أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبين ولا الصالحين مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي عنها متأولين في ذلك أو غير عالمين بالنهي عنه من الرهبانية المبتدعة التي قال النبي ﷺ: لا رهبانية في الإسلام". اهـ. "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٩١) .
[ ٧١ ]
القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي بالسياحة؟ قال النبي ﷺ: "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله".
١٨٦- وكذلك أيضا روي: "رهبانية هذه الأمة: الجهاد في سبيل الله"١.
لا رهبانية في الإسلام
١٨٧- إذ لا رهبانية في الإسلام، وأما ما ذكره في كتابه أن النص٣ارى ابتدعوا الرهبانية فقد٢ نهانا الله ورسوله عن البدع.
١٨٨- وثبت عنه في "صحيح مسلم"٣ وغيره عن جابر، أنه كان يقول في خطبته: "إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
الأمر بالتباع والنهي عن الابتداع
١٨٩- وثبت عنه في "السنن"٤ الحديث الذي صححه الترمذي
_________________
(١) ١ أحمد (٣/٢٦٦)، وأبي يعلى (٤٢٠٤) وابن عدي في "الكامل" (٣/١٠٥٦) من حديث أنس بن مالك ﵁. وفي إسناده: زيد العمي زهو ابن الحواري: ضعيف. وصحح إرساله ابن أبي حاتم في "العلل" (١/٣١٧) وراجع: التعليق على "الجهاد" لابن أبي عاصم (٣٣) . ٢ في الأصل: "وقد" والتصويب لاستقامة السياق. ٣ مسلم (٨٦٧) (٤٣) . ٤ أحمد (٤/١٢٦و١٢٧) وأبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه=
[ ٧٢ ]
عن العرباض بن سارية وقال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بالسمع والطاعة فإن من يعش منكم سيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة".
النهي عن الغلو في العبادات في السنة
١٩٠- فكيف لما نهى الله عنه ورسوله من العبادات المبتدعة كما في"الصحيحين"١- واللفظ لمسلم- عن أنس بن مالك أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه فقال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
_________________
(١) = (٢٤، ٤٤) والدارمي (١/٤٤) وصححه الحاكم (١/٩٧) ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: "حسن صحيح" ونقل ابن عبد البر عن أبي بكر أحمد بن عمرو البزار قوله: "حديث عرباض في الخلفاء الراشدين صحيح ثابت" ثم قال: وهو كما قال. وصححه المصنف في غير موضع كما في "مجموع الفتاوى" (٢٠/٣٠٩) وفي "اقتضاء الصراط" (٢/٥٧٩) . ١ البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) (٥) .
[ ٧٣ ]
١٩١- ولفظ البخاري١: جاء ثلاثة رهط بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها! فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا
وقال الآخر: أنا أصوم الدهر أبدا
وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج. فجاء رسول الله [فقال]: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
١٩٢- وفي "صحيح البخاري" عن سعد بن أبي وقاص قال: رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا.
١٩٣- وفي"صحيح البخاري"٢ وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى رجلا قائما في الشمس فقال: ما هذا؟ فقالوا هذا
_________________
(١) ١ البخاري (٥٠٦٣)، وما بين المعقوفتين زيادة منه ليستقيم السياق. ٢ البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠٢) (٦) .
[ ٧٤ ]
أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يجلس، ولا يستظل وأن يصوم فقال:" مروه فليجلس، وليستظل وليتكلم وليتم صومه".
حكم نذر المعصية.
١٩٤- فلما كان هذا الناذر نذر ما هو سنة وما هو بدعة أمره بالوفاء بالسنة دون البدعة كما في"صحيح البخاري"١ عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه".
١٩٥- وهذا متفق عليه بين أئمة الدين، لكن تنازعوا هل كفارة يمين أو نذر ما ليس مشروعا، بعد اتفاقهم على أنه لا يفعله؟ فقيل: لا شيء عليه، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما لأنه ليس في هذا الحديث وغيره أنه أمر له بالتكفير. وقيل: بل عليه كفارة يمين، وهو ظاهر مذهب أحمد٢.
١٩٦-لما ثبت في"صحيح مسلم"٣، عن النبي ﷺ أنه قال:" كفارة النذر كفارة اليمين".
_________________
(١) ١ البخاري (٦٦٩٦) . ٢ راجع: "المبدع" (٩/٣٢٨-٣٣٠) و"الإنصاف" (١١/١٢٢-١٣٦) . ٣ مسلم (١٦٤٥) (١٣) عن عقبة بن عامر ﵁.
[ ٧٥ ]
١٩٧- وفي السنن١ عنه أنه قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين".
النهي عن صيام الدهر
١٦٨- وقد ثبت في الصحيح٢ عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه".
١٩٩- وقد استفاض عنه في الصحيح أنه نهى عن مداومة الصيام والقيام وقراءة القرآن في كل ثلاث٣.
٢٠١- كما جاء في الحديث: "أحب الدين إلى [الله] الحنيفية السمحة" ٤.
_________________
(١) ١ أبو داود (١٥٢٥) والترمذي (١٥٢٥) والنسائي (٧/٢٦، ٢٧) وابن ماجه (٢١٢٥) . ٢ البخاري (١١٣١) ومسلم (١١٥٩) (١٨١) . ٣ راجع: البخاري (٥٠٥٢) ومسلم (١١٥٩) (١٨٩) . ٤ علقه البخاري (١/٩٣) وقال الحافظ ﵀: "وهذا الحديث معلق لم يسند المؤلف في هذا الكتاب؛ لأنه ليس على شرطه. نعم وصله في كتاب الأدب المفرد [٢٨٧] "، وكذا وصله أحمد بن حنبل [٥/٢٦٦] وغيره من طريق محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وإسناده حسن، استعمله المؤلف في الترجمة لكونه متقاصرا عن شرطه وقواه بما دل على معناه؛ لتناسب السهولة واليسر". وما بين المعقوفتين زيادة من التخريج.
[ ٧٦ ]
لن يشاد الدين أحدا إلا غلبه
٢٠٢- وفي الصحيح١ عنه أنه قال: "إن هذا الدين متين وإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا".
٢٠٣- وفي" الصحيحين"٢ عنه أنه قال: " أكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا".
٢٠٤- وفي السنن٣ عنه أنه قال: " لكل عامل شرة وفترة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن أخفاها فقد ضل".
_________________
(١) ١ البخاري (٣٩) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدا إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة". وبلفظ: (٦٤٦٣) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا". "القصد القصد تبلغوا": أي الزموا الطريق الوسط المعتدل "فتح الباري" (١١/٢٩٨) . ٢ البخاري (٦٤٦٥) ومسلم (٧٨٢) (٢١٥) من حديث عائشة ﵂، واللفظ المذكور لأبي داود (١٣٦٨) . "اكلفوا" بفتح اللام وبضمها، قال ابن التين هم في اللغة بالفتح، ورويناه بالضم، والمراد به: الإبلاغ بالشيء إلى غايته، يقال: كلفت بالشيء إذا أولعت به "فتح الباري" (١١/٢٩٨، ٢٩٩) . ٣ الترمذي (٢٤٥٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بلفظ: "إن لكل شيء شره ولكل شرة فترة فإن كان صاحبها سدد وقارب فارجوه وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه" وقال: "حديث حسن صحيح غريب" وأحمد (٢/١٨٨) وابن حبان (١١) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢٣٦) من حديث عبد الله بن عمرو "إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك".
[ ٧٧ ]
٢٠٥- وفي لفظ: " ولكل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب فارجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه".
٢٠٦- فقيل: للحسن البصري لما روى هذا الحديث: إنك إذا مررت بالسوق فإن الناس يشيرون إليك؟ فقال:" لم يرد ذلك وإنما أراد المبتدع في دينه والفاجر في دنياه".
الفترة نوعان.
٢٠٧- وهو كما قال الحسن ﵁، فإن من الناس من يكون له شدة ونشاط وحدة واجتهاد عظيم في العبادة، ثم لابد من فتور في ذلك.
٢٠٨- وهم في الفترة نوعان:
٢٠٩- منهم: من يلزم السنة فلا يترك ما أمر به، ولا يفعل ما نهي عنه بل يلزم عبادة الله إلى الممات، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر:٩٩) .يعني الموت ١.
٢١٠- قال الحسن البصري:" لم يجعل الله لعباده المؤمنين أجلا دون الموت"٢.
_________________
(١) ١ وهذا التفسير ورد من قول سالم بن عبد الله بن عمر: أخرجه وكيع في الزهد (٤٢) ومن طريقه ابن أبي شيبة (٧/١٩٦) وابن جرير (١٤/٥١) وإسناده صحيح. وفي الباب: عن مجاهد والحسن وقتادة. راجع:"تفسير الطبري (١٤/١٥١) . ٢ رواه ابن المبارك في الزهد (١/٧) قال أخبرنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن.
[ ٧٨ ]
٢١١- ومنهم: من يخرج إلى بدعة في دينه أو فجور في دنياه حتى يشير إليه الناس، فيقال: هذا كان مجتهدا في الدين ثم صار كذا وكذا.
٢١٢- فهذا مما يخاف على من بدل عن العبادات الشرعية إلى الزيادات البدعية.
٢١٣- ولهذا قال أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود:" اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة"١.
٢١٤- ومع هذا فجنس الجهاد أفضل، بل قد روى أبو هريرة ﵁ قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته.
فقال: لو اعتزلت الناس، فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ. فقال: "لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم
_________________
(١) ١ أما أثر ابن مسعود: فرواه الدارمي (٣٢٣) والحاكم (١/١٠٣) واللاكائي في "السنة" (١٣، ١٤) . وأما أثر أبي: رواه اللاكائي في السنة (١٠) وأبو نعيم في الحلية (١/٢٥٢، ٢٥٣) وأورد المصنف في: "الإستقامة " (١/٢٥٩) و"الرد على البكري" (١/١٧٣) .
[ ٧٩ ]
ويدخلكم الجنة، اغزوا في سبيل الله من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة".
قال الترمذي:"حديث حسن صحيح"١.
و"فواق الناقة":ما بين الحلبتين.
شروط العمل.
٢١٥- وجماع الأمر: ما قاله الفضيل بن عياض في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: ٢) . قال:" أخلصه وأصوبه".
قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟
قال:" إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة"٢.
_________________
(١) ١ رواه أحمد (٢/٤٤٦، ٥٢٤) والترمذي (١٦٥٠) والحاكم (٢/٧٨) وقال: "صحيح على شرط مسلم" والبيهقي (٩/١٦٠) . وقد حسنه الألباني في "صحيح الترغيب" برقم (١٣٠١) . تنبيه: وقع في نسخ الترمذي المطبوعة: "هذا حديث حسن". ٢ رواه أبو نعيم في الحلية (٨/٩٥) ونظرا لأهميته فقد أورده المصنف في كثير من كتبه ومنها "اقتضاء الصراط " (٢/٨٤٣) و"الصفدية" (٢/٢٤٩، ٢٦٣) و"الإستقامة" (١/٢٤٨) و"الرد على البكري" (١/١٧٥) و"مجوع الفتاوى" (١/٣٣٣، ٣/١٢٤، ٧/٤٩٥، ٥٠٩، ٥٨٥، ١٨/٢٥٠) .
[ ٨٠ ]
٢١٦- وهذا كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: من الآية١١٠) .
٢١٧- وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول:" اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا"١.
تعريف العمل الصالح
٢١٨- والعمل الصالح: هو المشروع.
وهو: طاعة الله ورسوله.
وهو: فعل الحسنات التي يكون الرجل به محسنا٢.
٢١٩- قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (النساء:١٢٥) .
٢٢٠- وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:١١٢) .
_________________
(١) ١ أورده المصنف أيضا في: "اقتضاء الصراط" (٢/٨٤٣) و"الصفدية" (٢/٢٦٢) و"الاستقامة" (٢/٣٠٨) و"منهاج السنة" (٥/٢٥٣) . ٢ وقال تلميذه النجيب العلامة ابن القيم ﵀ في تعريفه للعمل الصالح أيضا: "هو العمل الخالي من الرياء المقيد بالسنة" "الجواب الكافي" ص (٩١) .
[ ٨١ ]
لا بد في سائر الأعمال الشرعية من السنة
٢٢١- ولابد في الرباط والهجرة والجهاد وسائر الأعمال الشرعية من السنة التي هي روح العمل.
٢٢٢- كما في"الصحيحين"١ عن النبي ﷺ أنه قال: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
٢٢٣- وفي"الصحيحين٢ عنه أنه قيل له: يا رسول الله يقاتل الرجل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
٢٢٤- قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (لأنفال:٣٩) .
٢٢٥- فالله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه لنا من الأحوال والأعمال الباطنة والظاهرة ويجنبنا ما يكرهه لنا من ذلك كله.
_________________
(١) ١ البخاري (٦٩٥٣) ومسلم (١٩٠٧) (١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. ٢ البخاري (٧٤٥٨) ومسلم (١٩٠٤) (١٤٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
[ ٨٢ ]
٢٢٦- وأعظم من ذلك: أ، يتشاغل المسلمون بقتال بعضهم بعضا كما يجري بين أهل الأهواء، من القبائل وغيرها كقيس ويمن وحرم وتعلب ولحم وجذام وغيرها، مع مجاورتهم للثغور، فيدعون الرباط والجهاد الذي هو سعادة الدنيا والآخرة- كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (التوبة: من الآية٥٢) . يعني: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة- ويشتغلون بقتال الفتن والأهواء الذي هو خسارة الدنيا والآخرة.
٢٢٧- وفي"الصحيحين"١ عن أبي بكرة عن النبي ﷺ أنه [قال]: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار".
فقيل يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول؟
قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه".
٢٢٨- وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِك َ
_________________
(١) ١ البخاري (٣١) ومسلم (٢٨٨٨) (١٤) وما بين المعقوفتين زيادة يستقيم بها السياق.
[ ٨٣ ]
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (آل عمران:١٠٢-١٠٧) .
٢٣٠- وهذه الفتيا لا تحتمل البسط في هذه الورقة، وإنما نبهنا على النكت الجامعة.
الحمد لله وحده
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٨٤ ]