١٣٧- وقد جاء في فضائل الرباط أحاديث في "الصحاح" و"السنن" تبين ما ذكرناه:
حديث سهل بن سعد.
١٣٨- فروى البخاري في"صحيحه"٢ عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها"
_________________
(١) ٢ البخاري (٢٨٩٢) وذكر الحافظ أن: "التعبير بقوله وما عليها أبلغ من رواية: "وما فيها" "الفتح" (٦/٨٦)، وقال ابن الملقن: قوله "خير من الدنيا وما عليها": أي إن ثواب ذلك خير من نعيم الدنيا كله لو ملكه إنسان، وقصد تنعمه به؛ لأنه زائل، ونعيم الآخرة باق ولو لم يكن منه إلا النظر إل وجهه الكريم لكان كافيا" "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (١٠/٢٨٦) .
[ ٥٧ ]
حديث سلمان الفارسي.
١٣٩- وفي "صحيح مسلم"١ عن سلمان الفارسي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن العذاب".
_________________
(١) ١ مسلم (١٩١٣) (١٦٣) وعنده: "الفتان" بدل "العذاب". فائدة: قال الطحاوي ﵀ في الجمع بين حديث سلمان في الرباط، وأنه ينموا للميت فيه عمله إلى يوم القيامة كيف ينموا له ما قد انقطع بموته وما صح عنه ﷺ في الحديث الآخر: "إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث.." وما صح عنه ﷺ أيضا فيمن سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها من بعده أن له أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وهذه أعمال قد لحقت الميت زائدة على الثلاثة الأشياء المذكورات في انقطاع عمله بموته إلا منها؟ فقال ﵀:"هذه آثار مؤتلف كلها لا خلاف ولا تضاد فيها؛ لأن حديث سلمان على عمل متقدم لموت المرابط، ينمو له بعد موته، لمعنى يتوفر له ثوابه إلى يوم القيامة، وهو عمل قد تقدم موته. وأما الحديث الآخر: فالمستثنى فيه وهو أعمال تحدث بعده؛ من صدقة بها عنه بعد وفاته هو سببها في حياته، وعلم يعمل به بعد وفاته هو سببه في حياته، وولد صالح يدعوا له بعد وفاته هو سببه في حياته، وكل هذه الأشياء يلحقه بها ثواب طارئ خلاف أعماله التي مات عليها فهو في ذلك خلاف الميت في رباطه الذي يعطى ثواب ما تقدم موته من أعماله الصالحة لا ثواب أعمال تحدث بعد وفاته. وأما الحديث الذي ذكره فيمن سن سنة حسنة فعمل بها بعد وفاته؛ فهي من العلم الذي كان بثه في حياته، وعمل به بعد وفاته المذكورة في الحديث المستثنى فيه تلك الثلاثة الأشياء. فبان بحمد الله، ونعمته أن لا تضاد في شيء من آثار رسول الله ﷺ وأنها كلها مؤتلفة غير مختلفة والله نسأله التوفيق" "مشكل الآثار" (٣/٨٩) . وقال ابن عابدين ﵀ في قوله "أجري عليه عمله": "كل من مات مرابطا يجعل بمنزلة المرابط إلى فناء الدنيا فيما يجري له من الثواب؛ لأن نيته استدامة الرباط لو بقي حيا إلى فناء الدنيا والثواب بحسب النية"اهـ. "رد المختار" (٢/٥٢٤) .
[ ٥٨ ]
حديث فضالة بن عبيد
١٤٠- وفي "السنن"١ عن فضالة بن عبيد قال، قال النبي ﷺ: "ما من ميت يموت إلا ختم له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر" رواه أحمد وأبو داود وهذا لفضه والترمذي بمعناه.
وزاد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المجاهد [من جاهد] نفسه في طاعة الله" قال الترمذي:"حسن صحيح".
حديث عثمان بن عفان.
١٤١- وقد تقدم٢ حديث عثمان: " رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فينا سواه من المنازل".
١٤٢-وقد جاء عن السلف آثار٣ فيها ذكر الثغور مثل "غزة" و"عسقلان" أو "الاسكندرية" و"قزوين" ونحو ذلك.
١٤٣- وأما الأحاديث المروية عن النبي ﷺ بتعيين "قزوين" و"الاسكندرية" ونحو ذلك فهي موضوعة٤، كذب بلا
_________________
(١) ١ رواه أحمد (٦/٢٠) أبو داود (٢٥٠٠) والترمذي (١٦٢١) والحاكم (٢/١٤٤) وقال: "صحيح على شرط الشيخين" وما بين المعقوفتين سقط من الأصل. ٢ تقدم تخريجه ص (٣٣، ٣٤) . ٣ راجع: "سير أعلام النبلاء" (١٦/٣٢، ١٥١، ٢١/١٦) . ٤ راجع: "الموضوعات" لابن الجوزي (٢/٥٥) و"تنزيه الشريعة" (٢/٦٢) و"الفوائد المجموعة" (١٢٣٧) و"ميزان الإعتدال" (٦/٥٧٤) و"لسان الميزان" (٦/١٣٨) .
[ ٥٩ ]
ريب عند علماء الحديث، وإن كان ابن ماجه قد روى في "سننه"١ الحديث الذي في فضل"قزوين"، وقد أنكر عليه العلماء ذلك كما أنكروا عليه رواية أحاديث أخرى بضعة عشر حديثا من الموضوعات، ولهذا نقصت مرتبة كتابة عندهم عن مرتبة أبي داود والنسائي.
١٤٤- وقد قدمنا٢ كون البلد ثغرا صفة عارضة أو لازمة، فلا يمكن فيه مدح مؤبد، ولا ذم مؤبد، إلا إذا علم أنه لا يزال على تلك الصفة.
_________________
(١) ١ ابن ماجه (عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "ستفتح عليكم الآفاق وستفتح عليكم مدينة يقال لها قزوين، من رابط فيها أربعين ليلة كان له في الجنة عمود من ذهب، عليه زبرجدة خضراء، عليها قبة من ياقوت حمراء لها سبعون ألف مصراع من ذهب، على كل مصراع زوجة من الحور العين") وهو حديث موضوع. قال السندي ﵀: "وفي الزوائد: هذا إسناد ضعيف يزيد بن أبان الرقاشي والربيع بن صبيح وداود بن المحبر فهو مسلسل بالضعفاء ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" وقال: هذا الحديث موضوع لا شك فيه، ولا أتهم بوضع هذا الحدبث غير يزيد بم أبان قال: والعجب من ابن ماجه مع علمه كيف استحل أن يذكر هذا الحديث في كتابه السنن ولا يتكلم عليه" اهـ. ونقل السيوطي عن ابن الجوزي أنه قال: هذا الحديث موضوع؛ لأن داود وضاع وهو المتهم به والربيع ضعيف ويزيد متروك. قللت: ويوافقه ما قاله الذهبي في "الميزان" في ترجمة داود لقد ساء ابن ماجه في سننه بإدخال هذا الحديث الموضوع فيها ذكره الترمذي. وقال السيوطي: أورده الرافعي في "تاريخه" وقال: مشهور رواه عن داود جماعة وأودعه الإمام ابن ماجه في سننه والحفاظ يقرنون كتابه بالصحيحين وسنن أبي داود والنسائي ويحتجون بما فيه لكن يحكى تضعيف داود عن أحمد وغيره والله تعالى أعلم" اهـ. "سنن ابن ماجه بشرح السندي" (٣/٣٥٠، ٣٥١) . ٢ راجع ص (٢٠) .
[ ٦٠ ]
١٤٥- وإذا تبين ما في الرباط من الفضل، فمن الضلال ما تجد عليه أقواما ممن غرضه التقرب إلى الله والعبادة له بما يحبه ويرضاه يكون في الشام أو ما يقاربها فيسافر السفر الذي لا يشرع بل يكره ويترك ما هو مأمور به واجب أو مستحب.
[ ٦١ ]