عندما يريد الباحث دراسة شخصية من الشخصيات التي تركت طابعها المميز في مجتمعه وكان لها أثر عظيم في حياة مجتمعه والمجتمعات اللاحقة، فلابد من الإلمام بالبيئة التي عاش فيها والعوامل التي تأثر بها والظروف التي أحاطت به، وذلك لأنه ما من مولود إلا يولد على الفطرة١ ويتأثر بأبويه في تكوين شخصيته، ثم بالبيئة التي تحيط به، والإنسان مدني بالطبع لابد له أن يعيش مع الناس لحبّه المؤانسة، وإيثاره الاجتماع ولتلبية احتياجاته المختلفة، فيتأثر بهم٢، فعلى حسب العوامل المختلفة الأثر تكون طبيعة النبوغ ونوعيته، ودرجته.
وعلى هذا، فإن للعصر تأثيرًا قويًا في حياة الأشخاص وسيرتهم لذلك رأيت أن أقدم نبذة موجزة عن العصر الذي عاش فيه الأئمة الثلاثة، أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وإسحاق بن منصور الكوسج، ﵏، وهي الفترة ما بين (١٦١-٢٥١هـ.)
والكلام عن هذا العصر سيكون من نواحيه الأربعة: الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والعلمية باختصار.
فأقول وبالله التوفيق،،،
_________________
(١) ١ جزء من حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤/٢٠٤٧ كتاب القدر حديث رقم ٢٦٥٨ من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. ٢ راجع إغاثة اللهفان ٢/١٩٠، والخراج وصناعة الكتابة لقدامة بن جعفر ص٤٣٢.
[ ١ / ٢٧ ]
المبحث الأول الحالة الدينية
من المعلوم أن كمال المجتمع، وصلاحه، وسعادته في تمسكه بدينه، وعقيدته، وكلما ازداد في تمسكه والتزامه بدينه وعقيدته يزداد سعادة وكمالًا، ويبتعد عن مزالق الفتن، ويحظى بتوافر العز.
والقارئ لتاريخ الأمة الإسلامية يدرك ذلك تمام الإدراك فكلما كانت الأمة متمسكة بدينها، قائمة بأمر ربها ﷿، سائرة على نهج رسولها ﷺ كان لها العزة، والقوة، ونفوذ الكلمة بين الشعوب، والهيبة في قلوب الأعداء، والطامعين. ولما دب فيهم ضعف الإيمان، وقلة اليقين، والانفلات من عرى الإسلام، والإخلاد إلى الراحة واللامبالاة، سيطر عليهم الأعداء، واحتلوا بلاد الإسلام، وعندما يعود المسلمون إلى دينهم يعود إليهم مجدهم التليد.
والأئمة الذين نحن بصدد الكلام عنهم كادوا ي دركوا القرون المفضلة، المشهود لها بأنها خير القرون، فقد روى الإمام البخاري ﵀ بإسناده عن عمران بن حصين ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم١ ثم الذين يلونهم.
_________________
(١) ١ قال ابن الأثير في "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم" يعني الصحابة ثم التابعين، والقرن أهل كل زمان، وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان، مأخوذ من الاقتران وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم، وأحوالهم. انظر: النهاية لابن الأثير ٤/٥١.
[ ١ / ٢٩ ]
- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثًا - ثم إن بعدكم قومًا يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن."١
وفي العصر الذي عاش فيه الأئمة الثلاثة، كان الإسلام بتعاليمه القيمة ومبادئه السمحة، قد صهر الأمم الإسلامية على اختلاف ألوانها ولغاتها وأجناسها في بوتقة واحدة، وتقلصت الفروق، وحل محلها وحدة إسلامية، وارتبطت الحياة العامة سياسيًا وإداريًا ومعاملة، وحكمًا ارتباطًا وثيقًا بتعاليم الدين الحنيف بل كل مرافق الحياة.٢
واشتهر كثير من الأئمة في هذا العصر ممن كانوا المثل الأعلى في الإيمان، يتبين فيهم القارئ لتراجمهم ورعهم، وتقواهم، وإيمانهم الصادق، وزهدهم عن الدنيا، وسعيهم الدائب لإعزاز الدين، ورقي المسلمين، وقد التقى الأئمة الثلاثة بكثير من هؤلاء الفضلاء، وأخذوا عنهم العلم، وتأثروا بمواقفهم وسلوكهم كما سيأتي إن شاء الله في مبحث شيوخ كل واحد
_________________
(١) ١ صحيح البخاري برقم: ٣٦٥٠ فتح الباري ٧/٣ كتاب: فضائل أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم. ٢ راجع ضحى الإسلام لأحمد أمين ١/٣٧٢.
[ ١ / ٣٠ ]
منهم.
وكان المسلمون على مختلف طبقاتهم متمسكين بدينهم متقيدين بأحكامه يبذلون النفس والنفيس في الدفاع عنه.
كما أن الخلفاء العباسيين كانوا مثالًا للشعب في ذلك وكانت نظرة الشعب إليهم على أنهم حماة للإسلام وأهله فنجد أبا جعفر المنصور قد أحاط الخلافة بالإجلال الديني، كما أن المهدي كان شديد الحرص على التمسك بالدين، وعدم الزيادة فيه والنقصان، يظهر ذلك من موقفه الذي رد به على رجل عندما دخل عليه وهو يلعب بالحمام، فقيل له حدث أمير المؤمنين، فحدثه عن أبي هريرة مرفوعًا "لا سبق إلا في حافر أو نابل، وزاد فيه" أو جناح " فأمر له بعشرة آلاف ردهم، فلما قام قال: أشهد أن قفاك قفا كذّاب، وإنما استجلبت ذلك، ثم أمر بالحمام فذبحت."١
وكان الرشيد كثير الغزو والحج، وكان يصلي في خلافته في كل
_________________
(١) ١ تاريخ الخلفاء للسيوطي ٢٧٥. والحديث رواه الترمذي في سننه ٤/٢٠٥ كتاب الجهاد باب ما جاء في الرهان والسبق برقم ١٧٠٠ عن طريق أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأبو داود في سننه ٣/٢٩ كتاب الجهاد باب في السبق برقم ٢٥٧٤
[ ١ / ٣١ ]
يوم مائة ركعة إلى أن مات، لا يتركها إلا لعلة، ويتصدق من صلب ماله هذا مع إجلاله للعلم وأهله، وتعظيمه لحرمات الإسلام، وبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص، وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه، وكان يبكي على نفسه، وعلى إسرافه، وذنوبه، سيما إذا وعظ.
دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ في احترامه فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، ثم وعظه فأبكاه.١
وكان العلماء يقومون بواجبهم من النصح للخلفاء، وتحذيرهم من مغبة التهاون بمسؤولياتهم، وتذكيرهم بالأمانة التي أنيطت بعواتقهم لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة يوم القيامة، حدثنا ليث عن مجاهد ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، قال: الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا،٢ فجعل هارون يبكي ويشهق ولما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء، وأمر أعيان دولته أن يعزوه وله أخبار - إن صحت - في اللهو واللذات المحظورة والغناء سامحه الله.٣
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٨/٣٤٧-٣٥٧، وتاريخ الخلفاء ٢٨٥- ومحاضرات الأمم الإسلامية الدولة العباسية ص ١٣٥. ٢ ذكره السيوطي في الدر المنثور ١/٤٠٢، وراجع مروج الذهب ٣/٣٦٥. ٣ تاريخ الخلفاء ٢٨٥-٢٨٦.
[ ١ / ٣٢ ]
والمأمون كان من طلبة العلم، وبرع في الفقه، والعربية، وأيام الناس ولما كبر عني بالفلسفة، وعلم الأوائل ومهر فيها،١ غير أنه أخذ عليه أمران:
الأول: إدخاله علوم الفلسفة، وتشجيعه على نشرها، وتعليمها بينما كان السلف الصالح في غنى عنها.
والثاني: البلاء الذي نتج عن هذه العلوم الدخيلة حيث جرّ إلى القول بخلق القرآن، واضطهد بسببه جمع من العلماء، وكان من أشدهم بلاء في ذلك إمام أهل السنة الإمام أحمد ﵀ كما سيأتي إن شاء الله في مبحث محنته.
وكان في المجتمع طبقة من ضعفاء التدين، والمتشككين، ومن يقرأ كتاب الأغاني، ودواوين شعراء هذه الحقبة يخال أن الحياة كلها لهو ومجون وإباحة، وإذا قرأ طبقات المحدثين والكتب التي دونت سير العلماء، وحياتهم ومعيشتهم خال أن الحياة كلها دين وورع وتقوى.
والإنصاف أن الحياة كانت ذات صنوف وألوان، وأن كلتي السمتين كانتا موجودة٢، إلا أن الطابع العام للدولة: التدين والتمسك بالإسلام.
_________________
(١) ١ تاريخ الخلفاء ص٣٠٦. ٢ ضحى الإسلام ١/١٦٠.
[ ١ / ٣٣ ]
وأما اللهو والمجون فكان سمة بعض المترفين، ومن يلوذ بهم من الشعراء وغيرهم، وتلك سنة الله في عباده لابد في كل مجتمع أيًّا كان ذلك المجتمع من وجود الصنفين من الناس، متبع لأمر الله، ومخالف للمنهج القويم، وضال للصراط المستقيم.
[ ١ / ٣٤ ]