القارئ لمسائل الإمام أحمد ﵀، وفتاويه التي دونها عنه أصحابه، يجد فيها اصطلاحات خاصة به، كما يجد أنه يتورع عن إطلاق لفظ التحريم والتحليل، والسلف عمومًا كانوا يكرهون ذلك.
قال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، وحرم كذا فيقول الله له: كذبت لم أحل كذا، ولم أحرم كذا، فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم، ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه: أحلّه الله لمجرّد التقليد، أو بالتأويل.
فلذلك كره الأئمة إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة واستعملوه في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، أما المتأخرون فقد اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركه أرجح من فعله.١
وسئل الإمام أحمد عن ألبان الأتن فكرهه، وهو حرام عنده، وسئل عن الخمر يتخذ خلا فقال: لا يعجبني، وهذا على تحريم عنده.٢
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين ١/٣٩-٤٣. ٢ المرجع السابق ١/٤١ ومسائل الكوسج برقم: ٨٦.
[ ١ / ١٠١ ]
لذا فقد تتبع الباحثون هذه الألفاظ، واجتهدوا لتعيين مراد الإمام منها، وما يحمل عليها من الأحكام، وهي كما يأتي:
١- قوله لا يصلح، لا ينبغي، أستقبحه، أو هو قبيح، أو قال: لا أراه، فهو للتحريم.
وقال البهوتي: "لكن حمل بعضهم "لا ينبغي" في مواضع من كلامه على الكراهة".١
٢- إن قال: "هذا حرام" ثمّ قال: "أكرهه"، أو: "لا يعجبني"، فحرام، وقيل يكره.٢
٣- وإن قال: "أكره"، أو: "لا يعجبني"، أو: "لا أحبه"، أو: "لا أستحسنه"، ففيه وجهان:
إحداهما: هو للتنزيه.
والثاني: أن ذلك للتحريم.
وقال المرداوي والبهوتي: الأولى النظر إلى القرائن فإن دلت على وجوب أو ندب أو تحريم، أو كراهة، أو إباحة حمل قوله عليه، وقال في تصحيح الفروع وهو الصواب، وكلام أحمد يدل عليه.٣
_________________
(١) ١ الفروع ١/٦٦، كشاف القناع ١/٢١ والمسودة ص٥٢٩. ٢ الإنصاف ١٢/٢٤٨ والمسودة ص ٥٣٠. ٣ كشاف القناع ١/٢١، تصحيح الفروع المطبوع مع الفروع ١/٦٧-٦٨، الإنصاف ١٢/٢٤٨ ومفاتيح الفقه الحنبلي٢/١٤، وما بعدها
[ ١ / ١٠٢ ]
٤- قوله: "لا بأس به"، أو: "لا نرى به بأسًا"، "وأرجو"، أو: "أرجو أن لا يكون به بأسًا، للإباحة".١
٥- إذا قال: "أحب كذا"، أو: "يعجبني"، أو: "أعجب إلي" "وهذا أحسن"، أو: "حسن"، أو: "أستحسن كذا"، أو: "أستحب كذا"، فهو للندب، وقيل للوجوب.
وقال ابن حامد: إذا استحسن شيئًا، أو قال: هو حسن فهو للندب، وإن قال يعجبني، فهو للوجوب.٢
٦- إن أجاب عن شيء، ثم قال في غيره: "هذا أهون"، أو: "أشد"، أو: "أشنع"، فقيل: هما سواء، وقيل بالفرق.
وقال في الرعاية: "إن اتّحد المعنى وكثر التشابه، فالتسوية أولى، وإلاّ فلا، وقيل في قوله: "هذا أشنع عند الناس" يقتضي المنع، وقيل لا."
وقال في آداب المفتي: "الأولى النظر إلى القرائن في الكلّ، وما عرف
_________________
(١) ١ المسودة ص٥٢٩، الإنصاف ١٢/٢٤٩، صفة الفتوى ص٩١ ومفاتيح الفقه الحنبلي للثقفي ٢/٢٥. ٢ الفروع ١/٦٧-٦٨، صفة الفتوى ص٩٢، الإنصاف ١٢/٢٤٨-٢٤٩ وكشاف القناع ١/٢٢.
[ ١ / ١٠٣ ]
من عادة الإمام أحمد في ذلك ونحوه، وحسن الظن وحمله على أصح المحامل وأرجحها، وأنجحها، وأربحها."١
٧- قوله: "أخشى"، أو: "أخاف أن يكون"، أو: "ألا يجوز؟ "، أو: "لا يجوز"، أو: "أجبن عنه"، مذهبه كقوة كلام لم يعارضه أقوى.٢
وقال المرداوي: "قوله أجبن عنه للجواز، وقيل يكره."
وقال في تهذيب الأجوبة: "جملة المذهب أنه إذا قال أجبن عنه، فإنه أذن بأنه مذهبه، وأنه ضعيف لا يقوى القوة التي يقطع بها، ولا يضعف الضعف الذي يوجب الرد."٣
وكذلك إذا قال: "إني لا نفزعه"، أو: "لأتهيبه"، أو: "لا أجترئ عليه"، أو: "لأتوقاه"، أو: "من الناس من يتوقاه"، أو: "إني لأستوحش منه".٤ فهذه الألفاظ تدلّ على توقّفه في المسألة لتعارض الأدلّة لديه.
٨- وما أجاب عنه بكتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول بعض الصحابة، فهو مذهبه.٥
_________________
(١) ١ تصحيح الفروع ١/٦٨، الإنصاف ١٢/٢٤٩ والمسودة ص٥٣٠. ٢ كشاف القناع ١/٢٢. ٣ الإنصاف ١٢/٢٥٠. ٤ مفاتيح الفقه الحنبلي للثقفي ٢/٣٠. ٥ المسودة ص٥٣٠ والإنصاف ١٢/٢٥٠.
[ ١ / ١٠٤ ]
٩- وما رواه من سنة، أو أثر، أو صحّحه، أو حسّنه، أو رضي عن سنده، أو دوّنه في كتبه ولم يرده، ولم يفتِ بخلافه، فهو مذهبه.
وإن أفتى بحكم، فاعترض عليه فسكت، فليس رجوعًا.١
١٠- وإن نصّ على حكم مسألة ثمّ قال: "ولو قال قائل، أو ذهب إلى كذا- يعني حكمًا بخلاف ما نص عليه - كان مذهبًا، لم يكن ذلك مذهبًا للإمام."٢
١١- وإن نُقل عن الإمام في مسألة قولان، فإن أمكن الجمع، ولو بحمل عام على خاص، ومطلق على مقيد، فهما مذهبه.
وإن تعذّر الجمع، وعلم التاريخ، فمذهبه الثاني لا غير، صحّحه في تصحيح الفروع.
وإن جهل التاريخ، فمذهبه أقربهما من الأدلّة، أو قواعد مذهبه، ويخصّ عام كلامه بخاصه في مسألة واحدة في الأصح.٣
_________________
(١) ١ الإنصاف ١٢/٢٥٠، ٢٥١ والمسودة ص٥٣٠. ٢ المسودة ص٥٣١. ٣ كشاف القناع ١/٢١، والفروع وتصحيحه ١/٦٤-٦٥
[ ١ / ١٠٥ ]
بعض مصطلحات أصحاب الإمام أحمد ﵀:
ما سبق كان بعض المصطلحات للإمام أحمد، خرجها أصحابه من فتاويه وللأصحاب اصطلاحات خاصة متداولة في كتبهم يحسن الإشارة إليها هنا، وهي قولهم:
١- النص والمنصوص: هو الصريح في الحكم بما لا يحتمل غيره.١
٢- الرواية: هي الحكم المروي عن الإمام أحمد ﵀ في المسألة قال في المسودة: والروايات المطلقة نصوص للإمام أحمد.٢
٣- الوجه: هو الحكم المنقول في المسألة لبعض أصحاب الإمام المجتهدين فيه ممن رآه، فمن بعدهم جاريًا على قواعد الإمام أو إيمائه أو دليله، أو تعليله، أو سياق كلامه.٣
٤- قولهم بعد ذكر المسألة: "وعنه"، فهي عبارة عن رواية عن الإمام، والضمير فيه له، وإن لم يتقدم له ذكر لكونه معلومًا.٤
٥- التخريج: نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه والتخريج بمعنى الاحتمال، وإنما يكون الاحتمال والتخريج إذا فهم المعنى
_________________
(١) ١ الإنصاف ١/٩ و١٢/٢٤٠. ٢ المسودة ص٥٣٣ والمطلع ص٤٦٠. ٣ المطلع على أبواب المقنع ص٤٦٠ والمسودة ص٥٣٢. ٤ المطلع ص٤٦٠.
[ ١ / ١٠٦ ]
وكان المخرج والمحتمل مساويًا لذلك المخرج منه في ذلك المعنى، كما إذا أفتى في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين جاز نقل الحكم، وتخريجه من كل واحد منهما إلى الأخرى، ما لم يفرق بينهما، أو يقرب الزمن.١
٦- الاحتمال في معنى الوجه، إلاّ أن الوجه مجزوم بالفتيا به، والاحتمال تبين أن ذلك صالح لكونه وجهًا، وكثير من الاحتمالات في المذهب للقاضي أبي يعلى الفراء في كتابه المجرد وغيره.٢ والاحتمال يكون: إما لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو لدليل مساو له. والقول يشمل الوجه، والاحتمال، والتخريج.
٧- قولهم ظاهر المذهب: المراد بذلك مذهب الإمام أحمد والظاهر: البائن الذي ليس يخفي أنه المشهور في المذهب، كنقض الوضوء بأكل لحم الجزور.
٨- التوقف: هو ترك القول في المسألة لتعارض الأدلة، وتعادلها عنده، فله حكم ما قبل الشرع من حظر، أو إباحة، أو وقف.٣
٩- قولهم: المذهب كذا، المراد منه: المأخوذ به في المذهب كذا:
_________________
(١) ١ الإنصاف ١/٦، المطلع ص٤٦١ والمسودة ص٥٣٢. ٢ المطلع ص٤٦١ والإنصاف ١/٦. ٣ المسودة ص٥٣٣.
[ ١ / ١٠٧ ]
قال ابن حمدان: قول أصحابنا وغيرهم "المذهب كذا" قد يكون بنص الإمام أو بإيمائه، أو بتخريجهم ذلك، واستنباطهم إياه من قوله، أو تعليله.
١٠- وقولهم "على الأصح"، أو: "الصحيح"، أو: "الظاهر"، أو: "الأظهر"، أو: "المشهور"، أو: "الأشهر"، أو: "الأقوى"، أو: "الأقيس"، فقد يكون عن الإمام أحمد ﵀ أو عن بعض أصحابه.
ثم الأصح عن الإمام ﵀، أو الأصحاب قد يكون شهرة وقد يكون نقلا، وقد يكون دليلًا، أو أنه الأصح عند القائل به.
وقولهم: "وقيل" فإنه قد يكون رواية بالإيماء، أو وجهًا، أو تخريجًا، أو احتمالًا.١
_________________
(١) ١ الإنصاف١٢/٢٦٦، وصفة الفتوى١١٣ وما بعدها.
[ ١ / ١٠٨ ]