اختلف حالة المجتمع الإسلامي في العهد العباسي عنه في العهد الأموي ففي العصر العباسي اتسعت رقعة الدولة الإسلامية فقد كان من أجزائها المغرب -حينًا- ومصر والشام وجزيرة العرب، والعراق وفارس، وما وراء النهر، وكانت هذه الأمم تختلف فيما بينها كل الاختلاف، وكلها خضعت للجزء الإسلامي، وتكون منها جميعًا مملكة واحدة وانصهرت كلها في بوتقة واحدة، وربطها الإسلام برباطه الوثيق، واجتمعت تحت كلمة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وكانت العناصر التي يتألف منها المجتمع هم العرب وبخاصة المضريين واليمنيين،، ومن الفرس وبخاصة الخراسانيين الذين ساعدوا على قيام الدولة العباسية، والترك، وعلى الأخص أيام المعتصم والمغاربة والروم والهنود والزنوج١.
فكان مجتمعًا واحدًا انعدمت فيه الفوارق بين العناصر المتعددة متبعين في ذلك تعاليم الإسلام كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .٢
_________________
(١) ١ تاريخ الإسلام٢/٣٩٧-٣٩٨ وضحى الإسلام١/٥. ٢ سورة الحجرات آية: (١٣) .
[ ١ / ٤٥ ]
فنعم المجامع بأسباب الرخاء والسعادة، كما كان الثراء والترف يشمل طبقة كبيرة من المجتمع، وكانت قصور الخلفاء، والأمراء وكبار رجال الدولة مضرب المثل في حسن رونقها وبهائها كما امتازت بضخامة بنائها واتساعها، وما يكتنفها من حدائق غناء وأشجار متكاثفة، كما ازدانت بالمناضد الثمينة والزهريات الخزفية، والتربيعات المرصّعة والمذهّبة.
كما تفننوا في أنواع الطعام، واللباس، وكان الطابع الفارسي بينًا فيها.
وكان الرقيق يكونون طبقة كبيرة من طبقات المجتمع الإسلامي في العصر العباسي الأول إذ كان اتخاذ الرقيق منتشرًا انتشارًا كبيرًا.
ولم يخل المجتمع من الفقراء والمعوزين ممن عضّهم الفقر بنابه، ووجد كذلك كثير من متوسطي الحال، والذين لم يخفوا تذمرهم من غلاء الأسعار، كما أن تعدد الأجناس في المجتمع جعل الدولة عرضة للدعوات السرية، والفتن الداخلية، وساعد اتساع الدولة، وبعد المسافات بين الولايات على نجاح كثير من أصحاب الفتن في بث دعوتهم ونشر عقيدتهم.١
_________________
(١) ١ راجع تاريخ الإسلام ٢/٣٩٨-٤٢٢ وأصول مذهب الإمام أحمد ص٢٠.
[ ١ / ٤٦ ]