تعتبر الفترة التي عاش فيها الأئمة الثلاثة من أزهى عصور الإسلام سياسيًا، وحضاريًا، وثقافيًا، وقد تولى الحكم فيها ثمانية من خلفاء بني العباس، وهم مرتبون على حسب ترتيبهم التاريخي:
١- المهدي: هو أبو عبد الله محمد بن جعفر المنصور الملقب بالمهدي ولد سنة سبع وعشرين ومائة وبويع بالخلافة بعد موت أبيه لستٍ مضين من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة فكان حكمه إبان قوة الدولة العباسية.
وكانت خلافته مرفهة عن الناس ما كانوا يلقونه من بعض الشدة أيام المنصور فأطلق كثيرًا من السجناء، وأمر ببناء الأحواض في طريق مكة ليكون الاستقاء سهلًا لرجال القوافل، وأقام البريد بين مدينة الرسول ﷺ ومكة واليمن، وقام بتوسيع المسجد الحرام.
وكان خلافته عشر سنين وشهرًا، وبعض شهر، وكان محمود العهد والسيرة محببًا إلى الرعية، حسن الخلق والخلق جوادًا١
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١٠/١٥٣،١٣٦، تاريخ ابن جرير الطبري ٨/١٣٦ ومروج الذهب ٣/٣٢٢، والكامل لابن الأثير ٥/٥٠، أسماء الخلفاء والولاة ٣٦٨، تاريخ الخلفاء للسيوطي ٢٧٣ والأعلام ٦/٢٢١، ومحاضرات تاريخ الأمم الإسلامية لمحمد الخضري القسم العباسي ص ٨٧.
[ ١ / ٣٥ ]
ولما أفضت إليه الخلافة كان من أحسن الناس سيرة، وأكثرهم غزوًا وحجًا، وكان عهده عهد خيرٍ وازدهار، واستقرار على الرغم من كل الفتن التي تغلب عليها الرشيد بسياسته ودهائه كما قام بتحصين الحدود، وتعيين خيرة القادة عليها، ونتيجة لذلك تفوقت القوة الإسلامية، وانتصرت على البيزنطيين، ووصلت الدولة العباسية إلى قمة مجدها، وأوج عظمتها نفوذًا في السلطان ورقيًا في العمران، وعروجًا في العلم، واستتبابًا في الأمن، واتساعًا في الأرض، حتى أن الرشيد كان يستلقي على ظهره، وينظر إلى السحابة المارة ويقول: اذهبي حيث شئت يأتيني خراجك.
توفي هارون الرشيد بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة من الهجرة وكانت مدة ولايته ثلاثًا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يومًا وله ست وأربعون سنة١.
وكان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في زمن خلافة الرشيد يطلب العلم ويحصله ليله ونهاره كله في سبيله.٢
٤- الأمين: هو محمد الأمين بن هارون الرشيد، بويع له في سنة
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٨/٢٣٠-٣٤٥، مروج الذهب ٣/٣٤٧ والبداية والنهاية ١٠/٢٢٢، وتاريخ الخلفاء ٢٨٣ والكامل لابن الأثير ٥/٨٢-١٣٣، وإسحاق بن راهوية وأثره في الفقه الإسلامي ص١٣، وتاريخ الإسلام ٢/٦٢. ٢ أصول مذهب الإمام أحمد ص٣٣.
[ ١ / ٣٦ ]
ثلاث وتسعين ومائة ومضى مدة خلافته في الدفاع عن الملك من أخيه المأمون فدارت رحى الحرب بينهما ولم تسكن حتى قتل الأمين سنة ١٩٨.
وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام، قتل وله سبع وعشرون سنة.
وقد رماه بعضهم بكثرة اللعب، واقتناء السودان والخصيان، وإعطاءه الأموال والجواهر، وأمره بإحضار الملاهي والمغنيين من سائر البلاد والاعتناء ببنايات هائلة للنزهة وغيرها، فأنفق في ذلك أموالًا كثيرة جدًا فكثر النكير عليه بسبب ذلك١.
٥- المأمون: هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي تولى الخلافة بعد قتل أخيه الأمين سنة ثمان وتسعين ومائة، وظل بخرسان، ويدير أموره الفضل بن سهل الذي كان يرى لنفسه الفضل الأكبر في تأسيس دولة المأمون، وكان لهذا التدبير مضار شديدة واضطرابات كادت تقضي على ملك المأمون وتنبه المأمون لحالة البلاد فتولى زمام الأمور بنفسه، ورجع إلى بغداد حاضرة آبائه، ومن ذلك الوقت ابتدأ ملكه الحقيقي، وتجلت مزاياه العالية، ونهض بأعباء الدولة، وتصريف أمورها
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٨/٣٦٥-٤٧٨-٤٩٨، البداية والنهاية ١٠/٢٥٢-٢٥٣، تاريخ الخلفاء ٣٠١، الكامل لابن الأثير ٥/١٣٤-١٦٣، مروج الذهب ٣/٣٩٦ ومحاضرات تاريخ الأمم الإسلامية القسم العباسي ص١٥٨.
[ ١ / ٣٧ ]
وما أن استقرت الأمور حتى عادت الغزوات ضد الأعداء، وقد قاد بعضها المأمون بنفسه حتى مات غازيًا بأرض الروم، ودفن بطرسوس.
أخذ عليه اتباعه القول بخلق القرآن ودعوته إلى ذلك، والمبالغة في حمل الناس على هذا الرأي الخاطئ.
وكان وفاته سنة ثماني عشرة ومائتين، وكانت ولايته عشرين سنة وأشهرًا.١
٦- المعتصم بالله: هو محمد المعتصم بن هارون الرشيد أبو إسحاق ولي الخلافة في رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، كان شهمًا وله همة عالية في الحرب ومهابة عظيمة في القلوب، وكان همّه الإنفاق في الحرب دون سواها، فملك من آلات الحرب، والدواب ما لم يتفق لغيره وكان أميًا لا يحسن الكتابة، وقيل كان يكتب كتابة ضعيفة، حمل الناس على القول بخلق القرآن، وعذب العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ بالسياط كما سيأتي ذكره في المحنة إن شاء الله.
وكانت وفاته بسُرّ من رأى سنة سبع وعشرين ومائتين٢.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١٠/٢٨٤-٢٨٦-٢٨٧وما بعدها، تاريخ الطبري ٨/٥٢٨-٥٦٤-٦٥٠، الكامل لابن الأثير ٥/٢١٩-٢٢٢، تاريخ الخلفاء ص٣٠٧ ومحاضرات تاريخ الأمم الإسلامية الدولة العباسية ١٧٤-١٧٥. ٢ البداية والنهاية ١٠/٣٠٨-٣٠٩، وتاريخ الطبري ٨/٦٦٨، والكامل لابن الأثير ٥/٢٣١، وتاريخ الخلفاء ٣٣٤، وتاريخ الإسلام ٢/٧٥.
[ ١ / ٣٨ ]
٧- الواثق بالله: هو هارون بن المعتصم، ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان يكنى أبا جعفر، واستمرت في عهده محنة القول بخلق القرآن، وأهان العلماء، وقتل بيده أحمد بن نصر الخزاعي، ثم أمر بتتبع أصحابه، فأخذ من كبارهم نحو ثلاثين رجلًا، فأودعهم السجون، وعذبهم توفى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكانت ولايته خمس سنين وثمانية أشهر١.
٨- المتوكل على الله: هو جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن محمد المهدي بويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
ومن محاسنه: أنه أظهر السنة بعد البدعة، وضرب على أيدي المبتدعين وأخمد القول بخلق القرآن، وأخرج العلماء المسجونين، من بينهم الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وبقى خليفة للمسلمين إلى أن قتل سنة سبعة وأربعين ومائتين بأمر من ابنه المنتصر.٢
واستمرت الدولة العباسية زهاء خمسة قرون قال الخيري: إن هذه
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١٠/٣١٠-٣١٨، تاريخ الطبري ٩/١٢٣-١٣٥-١٥١، الكامل لأبن الأثير ٥/٢٦٦-٢٧٤، تاريخ الخلفاء٣٤٠ وتاريخ الإسلام ٢/٨١. ٢ البداية والنهاية ١٠/٣٦٤-٣٦٦، تاريخ ابن جرير ١٥٤-١٩٠ والكامل لابن الأثير ٥/٢٧٨.
[ ١ / ٣٩ ]
الدولة من كبار الدول، ساست العالم سياسة ممزوجة بالدين والملك فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها تدينًا، والباقون يطيعونها رهبة أو رغبة، ثم مكثت فيها الخلافة والملك حدود ستمائة سنة.
وقال في موضع آخر: كانت دولة كثيرة المحاسن، جمة المكارم أسواق العلوم فيها قائمة، وبضائع الآداب فيها نافقة.
وشعائر الدين فيها معظّمة والخيرات فيها دارّة، والدنيا عامرة، والحرمات مرعية، والثغور محصنة.
وما زالت على ذلك حتى كانت أواخرها، فأنتشر الجبر، واضطرب الأمر، وانتقلت الدولة.١
ويعتبر عصر الخلفاء الذين تقدمت الدارسة عنهم من أفضل عصور الخلافة العباسية وبعد هذا العصر بدأت الخلافة العباسية تميد بالخطوب والفتن وتنافس عليها الخصوم، والعناصر المختلفة، كما تنازع القادة فيما بينهم وكان هذا نذير الفناء والبلاء.
والأئمة الثلاثة أدركوا الدولة العباسية وهي في قمة مجدها، وعظمة قوتها، وحضارتها لا سيما أيام الرشيد، وولده المأمون كما أدركوها وهي تنحدر من هذه القمة إلى مهاوي الانقسام السياسي والعصبي، وكان من أثر السياسة التي سار عليها المعتصم في الاستعانة بالأتراك، وأزجل لهم
_________________
(١) ١ تاريخ الإسلام ٢/٢١، والفخري في الآداب السلطانية ١٢٥-١٣٤.
[ ١ / ٤٠ ]
الهبات والعطايا دون غيرهم أن دب في نفوس العرب دبيب الغيرة والحسد لهؤلاء الأتراك، مما أدى إلى إقصاء قواد العرب والفرس تدريجيًا، ووقوع المعتصم في أيدي قواده الأتراك.
كما كان لاعتماد المعتصم على الأتراك أثر سيئ في نفوس العرب فثاروا في بلاد الشام تحت زعامة أبي حرب المبرقع اليماني.
وكان هؤلاء حربًا عليه وعلى خلفائه من بعده، وتلا ذلك فساد واضطراب في بغداد حاضرة الدولة، والأقاليم التابعة لها ومضى القرن الأول العباسي والأندلس للأمويين، والمغرب الأقصى للأدارسة، وإفريقيا للأغالبة، وخراسان لآل طاهر بن الحسين، والفرس والترك وطوائف من العرب حرب للدولة يكيدون لها المكايد ويتربصون بها الدوائر.
وقد نأى الإمام أحمد عن الخلافة، واعتزلها، وامتنع عن أخذ الأعطيات وترك السياسة إلى العلم، وسنة رسول الله ﷺ، فلم يشايع الولاة، ولم يحرّض عليهم وعاش راغبًا عن العطاء، ومع ذلك فقد قاوم مذاهبهم المنحرفة، مثل القول بخلق القرآن ووقف كالطود الشامخ في تلك الفتنة التي لم يثبت فيها إلا القلة بينما كان الإمام إسحاق بن راهوية الذي سكن خراسان كان على علاقة وثيقة مع واليها عبد الله بن طاهر، بل يعد من خواص جلسائه، وكان يرجع إليه، ويسأله، ويستفسر منه، فيوضح له. قال الحسين بن محمد المرزوي: سمعت إسحاق بن حنبل ونحن بالعسكر يناشد أبا عبد الله -أحمد- ويسأله الدخول على الخليفة ليأمره
[ ١ / ٤١ ]
وينهاه وقال له: إنه يقبل منك، هذا إسحاق بن راهوية يدخل على ابن طاهر فيأمره وينهاه، فقال له أبو عبد الله: تحتج عليّ بإسحاق؟ فأنا غير راضٍ بفعاله، ماله -أي الخليفة- في رؤيتي خير، ولا لي في رؤيته خير١.
_________________
(١) ١ راجع تاريخ الطبري ٩/١١٦، تاريخ الإسلام ٢/٧٧-٧٨، محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية الدولة العباسية ص ١٦١، طبقات الشافعية ١/٢٣٤، طبقات الحنابلة ١/٤٦٥، المنهج الأحمد للعليمي١/١٩٩، إسحاق بن راهوية وأثره في الفقه الإسلامي ص٢٧ وأصول مذهب الإمام أحمد للتركي ص ٢٠.
[ ١ / ٤٢ ]