ما أن انتقل شيخه هشيم بن بشير الواسطي إلى رحمة ربه حتى بدأت رحلات الإمام أحمد ﵀ العلمية.
ففي سنة ثلاث وثمانين ومائة رحل إلى الكوفة لطلب العلم وأخذ من وكيع بن الجراح، وأعجب به فقال: "ما رأت عيني مثل وكيع يحفظ الحديث، ويذاكر بالفقه، ويحسن مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد"، كما أعجب به شيخه وكيع فقال: "ما قدم الكوفة مثل هذا الفتى."١
كما سمع من حسين الجعفي، وجاء إليه ومعه كتاب شفاعة ليحدثه فقال له: يا أحمد لا تجعل فيما بيني وبينك منعمًا، فليس تحمل علي بأحد إلا وأنت أكبر منه.٢
ورحل إلى البصرة خمس مرات قال الإمام أحمد: دخلت البصرة خمس دخلات، دخلتها في أول رجب سنة ست وثمانين ومائة سمعت من المعتمر بن سليمان، ودخلت الثانية في سنة تسعين، دخلت الثالثة في سنة أربع وتسعين، وقد مات غندر، فأقمت على يحى بن سعيد ستة أشهر،
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد ١٤/٩٣-٩٤، المنهج الأحمد ١/٥٤، تذكرة الحفاظ ١/٣٠٨، مناقب الإمام أحمد ص٩٩ وسير أعلام النبلاء ١١/١٨٣. ٢ مناقب الإمام أحمد ص١٠١ وسير أعلام النبلاء ١١/١٨٩.
[ ١ / ٦١ ]
ودخلت سنة مائتين١.
ودخل عبادان سنة ست وثمانين في العشر الأواخر من رجب وسمع من علمائها، ودخل واسط، وسمه من يزيد بن هارون الواسطي وصلى الإمام خلفه فلما سلم يزيد من الصلاة التفت إلى أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في العارية؟ قال: مؤداة. فقال له يزيد: أخبرنا حجاج عن الحكم قال: ليست مضمونة فقال له أحمد: قد استعار النبيصلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدرعًا، فقال له: عارية مؤداة؟ فقال له النبي ﷺ: "العارية مؤداة"، فسكت يزيد، وصار إلى قول أحمد بن حنبل.٢
وخرج إلى طرسوس ماشيًا٣ كما رحل إلى الحجاز خمس مرات أولاها عام سبعة وثمانين ومائة، وسمع من سفيان بن عيينة وفي هذا العام أدى فريضة الحج، والتقى بالإمام الشافعي، وتوطدت علاقة الإخاء والمحبة بينهما.
قال الإمام أحمد: حججت خمس حجج منها ثلاث راجلًا، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا، وضللت في بعضها عن الطريق وأنا ماش فجعلت أقول: يا عباد الله دلوني الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى
_________________
(١) ١ مناقب الإمام أحمد ص٥٠-٥١. ٢ مناقب الإمام أحمد ص٥٠-٩٤، حلية الأولياء ٩/١٦٣، المنهج الأحمد ١/١٣٤. ٣ سير أعلام النبلاء ١١/٢١١.
[ ١ / ٦٢ ]
٢- الهادي: هو موسى بن محمد بن المهدي بن عبد الله المنصور ولي الخلافة في محرم سنة تسع وستين ومائة، وكان شهمًا خبيرًا بالملك كريمًا، وشرع الهادي في تتبع الزنادقة، فقتل منهم طائفة كثيرة واقتدى في ذلك بأبيه، ومن كلامه: ما أصلح الملك بمثل تعجيل العقوبة للجاني والعفو عن الزلات، ليقل الطمع عن الملك، وتوفى في ربيع الأول سنة سبعين ومائة.
وكانت ولايته سنة وستة أشهر، وذكر بعضهم غير هذا وله أربع وعشرون سنة.١
٣- الرشيد: هو هارون الرشيد بن المهدي محمد بن منصور بويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنة سبعين ومائة، بعهد من أبيه المهدي.
وكانت سنّة يوم وُلّي اثنتين وعشرين سنة.
وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارًا، وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية وهذا الذي جعل أباه يعقد له البيعة بعد أخيه.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٨/١٨٧-١٩٠-٢١٣، والبداية والنهاية ١٠/١٦١-١٦٣، وتاريخ الخلفاء ص٢٧٩ والكامل لابن الأثير ٥/٧٣-٨١، وأسماء الخلفاء لابن حزم ص٣٦٨.
[ ١ / ٦٣ ]
وفقت على الطريق.
قال ابن كثير: أول حجة حجها- الإمام أحمد - في سنة سبع وثمانين ومائة ثم سنة إحدى وتسعين، وفيها حج الوليد بن مسلم ثم سنة ست وتسعين وجاور في سنة سبع وتسعين، ثم حج في سنة ثمان وتسعين، وجاور إلى سنة تسع وتسعين.١
وكان الإمام أحمد قد نوى الذهاب إلى عبد الرزاق الصنعاني باليمن برفقة صاحبيه في طلب العلم يحيى بن معين، وإسحاق بن راهوية ومن حسن حظهم أن عبد الرزاق قدم للحج في ذلك العام فالتقوا به، وقدم يحيى بن معين الإمام أحمد إلى عبد الرزاق، وعرفه به قائلًا له: هذا أحمد ابن حنبل أخوك فقال عبد الرزاق: حياه الله وثبته فإنه يبلغني عنه كل جميل.٢
لم يكتف الإمام أحمد بلقيا عبد الرزاق الصنعاني العاجلة، والسماع منه لموسم الحج، بل نفذ عزمه في الرحيل إليه، والسماع منه في عقر داره حيث يوجد كتبه، فبعد انقضاء موسم الحج، وانصراف الحجيج يمموا وجوههم شطر اليمن قاصدين صنعاء والسماع من محدّثها الجليل القدر
_________________
(١) ١ المنهج الأحمد ١/٥٥، ابن حنبل ص٢٧ والبداية والنهاية ١٠/٣٤٠. ٢ مناقب الإمام أحمد ٥٤، المنهج الأحمد ١/٥٥، البداية والنهاية ١٠/٣٤٠ وابن حنبل ص٢٨.
[ ١ / ٦٤ ]
عبد الرزّاق، وقد نال الإمام أحمد كثيرًا من المشقّة إذا انقطعت به النفقة في الطريق، فأكرى نفسه من بعض الحمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئًا.١
ولندع المجال للإمام أحمد يحكي قصة لقياه بعبد الرزاق.
قال: لما قدمت صنعاء اليمن أنا ويحيى بن معين في وقت صلاة العصر فسألنا عن منزل عبد الرزاق فقيل لنا بقرية يقال لها الرمادة، فمضيت لشهوتي للقائه، وتخلف يحيى بن معين، فلما ذهبت أدق الباب قال لي بقال تجاه داره: مه، لا تدق فإن الشيخ مهوب فجلست حتى إذا كان قبل صلاة المغرب خرج للصلاة، فوثبت إليه وفي يدي أحاديث قد انتقيتها فقلت له: سلام عليكم: تحدثني بهذه رحمك الله؟ فإنني رجل غريب فقال لي: ومن أنت وزبرني قلت: أنا أحمد بن حنبل قال: فتقاصر؟ وضمني إليه وقال: بالله أنت أبو عبد الله؟ ثم أخذ الأحاديث فلم يزل يقرؤها حتى أشكل عليه الظلام فقال للبقال هلم بالمصباح حتى خرج وقت صلاة المغرب وكان يؤخرها.٢
وبعد هذه الجلسة قدم صاحبا الإمام إلى الرمادة.
ومكث الإمام أحمد في اليمن قرابة السنتين، وكتب عن عبد الرزاق
_________________
(١) ١ حلية الأولياء ٩/١٧٤ وابن حنبل ص٢٩. ٢ طبقات الحنابلة ١/١٨١-١٨٢ وسير أعلام النبلاء ١١/١٩٢.
[ ١ / ٦٥ ]
حديث الزهري عن سالم عن عبد الله عن أبيه، وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.١
كما التقى في مدة إقامته باليمن بإبراهبم بن عقيل، وكان عسرًا لا يوصل إليه فأقام على بابه يومًا، أو يومين حتى وصل إليه فحدثه بحديثين وكان عنده أحاديث وهب عن جابر فلم يقدر على سماعها منه لعسره.٢
وجملة القول في رحلاته ما ذكر العليمي فقال: سافر في طلب العلم أسفارًا كثيرة إلى البلاد: الكوفة، والبصرة والحجاز، ومكة، والمدينة واليمن والشام، والثغور والسواحل والفراتين وأرض فارس وبلد خراسان، والجبال والأطراف، وغير ذلك ثم رجع إلى بغداد وساد أهل عصره، ونصر الله به دينه، وصار أحد الأعلام، من أئمة الإسلام.٣
_________________
(١) ١ حلية الأولياء ٩/١٨٤ ومناقب الإمام أحمد ص٥٧. ٢ مناقب الإمام أحمد ص٥٣. ٣ المنهج الأحمد ١/٥٤ وتاريخ بغداد ٤/٤١٢.
[ ١ / ٦٦ ]