لا يمارى أحد في تفوق الإمام أحمد في الحديث، ونزعته الشديدة للأثر والتمسك به، ولكن شدة انشغاله بالحديث والأثر لم يؤخره عن ركب أئمة الفقه البارزين فإن الحديث هو أصل الفقه، وتوفر النصوص لديه أغناه عن القول في كثير من المسائل بالرأي المجرد، والخطأ تطرقُه إلى الرأي المجرد أكثر وأقوى من تطرقه إلى المنقول، ومع ذلك فقد تلقى الإمام أحمد في مبدأ حياته الفقه على يد كبير القضاة في الدولة العباسية القاضي أبي يوسف، فقد قال عباس الدوري: سمعت أحمد يقول: أول ما طلبت العلم اختلفت إلى أبي يوسف القاضي١ ويبدو أنه كان على إطلاع واسع، ومستمر بما كتب فيه من كتب فقد قال عبد الله: كتب أبي عن أبي يوسف، ومحمد الكتب، وكان يحفظها فقال لي مهنا: كنت أسأله فيقول: ليس ذا في كتبهم، فأرجع إليهم فيقولون: صاحبك أعلم منا بالكتب.٢
كما قرأ الإمام أحمد موطأ الإمام مالك أربع مرات على شيخه عبد
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ١١/٣٠٦ وأصول مذهب الإمام أحمد ص٦٢. ٢ سير أعلام النبلاء ١١/٣٠٦.
[ ١ / ٨٩ ]
الرحمن بن مهدي الشهير باللؤلؤي.١
كما آثر سماع فقه الشافعي على رواية الحديث بعلو من ابن عيينة، وقال لصاحبه الذي تعجب من صنيعه: أسكت إن فاتك حديث بعلو وجدته بنزول، وإن فاتك عقل هذا أخاف ألا تجده.٢
وقد أخذ الإمام أحمد من الإمام الشافعي ضوابط الفهم الصحيح للكتاب، والمقابلة بين الأصول، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وتعلم منه كيف يكون الاستنباط وكيف يستخرج أحكام الفروع من مصادر الشرع الأولى.٣
ومما سبق يتبين لنا: أن الإمام أحمد كان على ارتباط وثيق بالفقه وعلى علم بالآثار الفقهية، وأقوال العلماء فيه، بالإضافة إلى ما تجمع لديه من آثار الصحابة والتابعين، وكان ثمرة هذا العلم أن استطاع أن يدرس السنة، والآثار دراسة قويمة، ويسلك في فقهه طريق الأثر، فإن لم يعلم أن في المسائل التي يستفتي فيها قضية لصاحبي، أو تابعي قارب ولم يباعد، فكان فقهه بذلك آثارًا أو محاكاة صحيحة للآثار، أو مقاربة لها، فكان الفقه الأثري في حقيقته - وفي منحاه، وفي مظاهره، لذلك يحق لنا أن
_________________
(١) ١ الأشربة ١/٤٢، وراجع: الديباج المذهب ص١٤٦. ٢ أحمد بن حنبل لعبد الغني الدقر ص٦٥-٦٦. ٣ ابن جنبل لأبي زهرة ص١٦٣.
[ ١ / ٩٠ ]
نقول: إن الإمام أحمد إمام في الحديث، ومن طريق هذه الإمامة في الحديث، والآثار كانت إمامته في الفقه.١
والإمام أحمد ﵀ لما كان شديد الكراهة لتصنيف الكتب وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، فلذا لم يصنف كتابًا يجمع فقهه ولكن الله ﷾ قيض له من التلاميذ من يحفظ فقهه ويدونه عنه، وبفضل اهتمام تلاميذه الذين عنوا بجمع أقواله، وفتاويه، وآرائه تكونت بذلك مجموعة فقهيه منسوبة إليه، اختلفت فيها الرواية عنه أحيانًا، واتفقت في كثير من الأحيان.٢
قال ابن القيم: وكان الإمام أحمد ﵁ شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه جدا فعلم الله حسن نيته، وقصده، فَكُتِبَ من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرًا وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير، فبلغ نحو عشرين سفرًا، أو أكثر، ورويت فتاويه، ومسائله، وحدث بها قرنًا بعد قرن، فصارت إمامًا، وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم.٣
وقد أثنى كثير من العلماء المعاصرين له، والمتأخرين عنه على فقهه،
_________________
(١) ١ ابن حنبل ١٦٤. ٢ الأشربة ١/٦١. ٣ أعلام الموقعين ١/٢٨.
[ ١ / ٩١ ]
فقال الإمام الشافعي: خرجت من بغداد، وما خلفت بها رجلًا أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه من أحمد بن حنبل.١
وقال أيضًا: أحمد إمام في ثمان خصال، إمام في الحديث إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة.٢
وقال الإمام إسحاق بن راهويه: كنت أجالس بالعراق أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأصحابنا، فكنا نتذاكر الحديث من طريق، وطريقين، وثلاثة، فيقول يحيى بن معين من بينهم: وطريق كذا، فأقول: أليس قد صح هذا بإجماع منا فيقولون نعم، فأقول ما مراده؟ وما تفسيره؟ وما فقهه؟ فيقفون كلهم إلا أحمد بن حنبل.٣
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة: إلى أحمد بن حنبل وهو أفقهم فيه، ثم ذكر ابن أبي شيبة، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وميزة كل واحد منهم.٤
وقال أحمد بن سعيد الرازي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ ٢/٤٣٢ ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص١٤٥ وتاريخ بغداد ٤/٤١٩. ٢ المنهج الأحمد ١/٥٥. ٣ تاريخ بغداد ٤/٤١٩، تاريخ دمشق ٧/٢٥٥ ومناقب الإمام أحمد ص٩٠. ٤ مناقب الإمام أحمد ص١٥١.
[ ١ / ٩٢ ]
رسول الله ﷺ، ولا أعلم بفقهه، ومعانيه، من أبي عبد الله أحمد بن حنبل.١
وقال عبد الرزاق: صاحب المصنف، وهو من شيوخ الإمام أحمد: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل، ولا أورع.٢
وقال أبو القاسم الجبلي: أكثر الناس يظنون أن أحمد إنما كان أكثر ذكره لموضع المحنة، وليس هو كذاك، كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن المسألة كأن علم الدنيا بين عينيه.٣
وروى عن عبد الحميد الكوفي قال سمعت يحيى بن معين وسأله رجل عن مسألة سكنى في دكان، فقال: ليس هذا بابتنا، هذا بابة أحمد بن حنبل، وقال حبيش بن مبشر وعدة من الفقهاء: نحن نناظر، ونعترض في مناظرتنا على الناس كلهم، فإذا جاء أحمد بن حنبل فليس لنا إلا السكوت.٤
قال أبو الوفاء على بن عقيل ﵀: "ومن عجيب ما تسمعه عن هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه محدث وهذا
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد ٤/٤١٩. ٢ أحمد بن حنبل لعبد الغني الدقر ص٦٤. ٣ مناقب الإمام أحمد ص٨٩. ٤ المرجع السابق ص٩١، وابن حنبل لعبد الغنى الدقر ص٦٩.
[ ١ / ٩٣ ]
غاية الجهل، لأنه قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد منهم، وانفرد بما سلموه له من الحفظ، وشاركهم وربما زاد على كبارهم".
وقال الذهبي: "أحسبهم يظنونه كان محدثًا وبس، بل يتخيلونه من بابة محدثي زماننا، ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث، ومالك والشافعي، وأبي يوسف، وفي الزهد والورع رتبة الفضيل، وإبراهيم بن أدهم، وفي الحفظ رتبة شعبة، ويحيى القطان، وابن المديني، ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه، فكيف يعرف رتبة غيره".١
ولدقة فقه الإمام وورعه، واحتياطه لدينه جعله كثير من أئمة الحدث وفيهم الفقهاء: حجة عند الله، واقتدوا به.
قال إسحاق بن راهوية: "أحمد بن حنبل حجة بين الله وبين عبيده في أرضه"، وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل، لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان، وقال أيضًا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله.٢
ولو تتبعت أقوال العلماء، وثناءهم على فقهه وعلمه، وورعه لطال بي الكلام، ولخرجت عن قصدي في الاختصار قدر الإمكان، وفيما سبق
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ١١/٣٢١ ومناقب الإمام أحمد ص٩٣. ٢ البداية والنهاية١٠/٣٥٠، وأحمد بن حنبل لعبد الغني الدقر ص٦٩.
[ ١ / ٩٤ ]
كفاية للتأكيد على أن الإمام أحمد كان إمامًا في الفقه، كما كان إمامًا في الحديث، وإن كان نزعته إلى الحديث أوضح، لأن من جاء بعده من المحدثين كانوا عالة على كتبه.
[ ١ / ٩٥ ]