كان الإمام إسحاق كنزًا من كنوز العلم في خراسان١، برع في علوم الشريعة، ومما برع فيه علم الفقه، وبلغ مبلغًا تسامى به على كثير من المتقدمين، فقد قال أحمد بن سعيد الرباطي: والله لو كان الثوري، وابن عيينة، والحمادان في الحياة لاحتاجوا إليه -أي إلى الإمام إسحاق- في أشياء كثيرة٢.
واهتم ببدء دراسته بالفقه، ودرس فقه الرأي، ولا أدل على ذلك من مناظرته مع إبراهيم بن أبي صالح بمجلس الأمير ابن طاهر وظهوره عليه، وتعيينه الكتاب، والصفحة، والسطر من كتاب من كتب أهل الرأي حتى بهر من شدة حفظه لهذه الكتب الأمير عبد الله بن طاهر، وذكر أنه درس هذه المجاميع في الكتاتيب.
كما ناظر الإمام الشافعي الفقيه المشهور، فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم؟ قال إسحاق: هكذا يزعمون.٣ وانتهت إليه زعامة الفقه، والفتوى في خراسان.
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد ٦/٣٤٩، وتهذيب الكمال٢/٣٨١، وسير أعلام النبلاء١٠/٦٢٨. ٢ تاريخ بغداد٦/٣٥٣، وشذرات الذهب٢/٨٩، وسير أعلام النبلاء١٠/٣٧١. ٣ طبقات الشافعية١/٢٣٦.
[ ١ / ١٥٥ ]
وقد شهد له كثير من علماء عصره، ومن بعدهم برسوخه في علم الفقه والفتوى مع بقية العلوم.
فقال علي بن حجر المتوفى عام٢٤٤هـ:
لم يخلف إسحاق يوم فارق مثله بخراسان علمًا وفقهًا.١
وقال أبو زرعة: ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه من أحمد ابن حنبل فقيل له: فإسحاق؟ قال: حسبك بأبي يعقوب فقيهًا.٢
وقال الإمام ابن خزيمة: والله لو كان إسحاق في التابعين لأقروا له بحفظه، وعلمه، وفقهه.٣
وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء: رحم الله إسحاق، ما كان أفقهه وأعلمه. وقال الحاكم: إسحاق بن راهويه إمام في عصره في الحفظ، والفتوى.٤
وقال ابن حبان: كان إسحاق من سادات زمانه فقهًا، وعلمًا وحفظًا ونظرًا.٥
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء١٠/٣٧٢. ٢ تاريخ دمشق ٧/٢٥٣. ٣ تاريخ بغداد ٦/٣٠٥، وسير أعلام النبلاء ١١/٣٧٢. ٤ سير أعلام النبلاء ١١/٣٦٨، ٣٦٩، وطبقات الشافعية ١/٢٣٥. ٥ الثقات لابن حبان ٨/١١٦.
[ ١ / ١٥٦ ]
وقال الخطيب البغدادي: كان أحد أئمة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين، اجتمع له الحديث والفقه، والحفظ، والصدق، والورع، والزهد١.
وكذلك قال المزي، والسبكي.٢
وقال الحافظ الذهبي: قد كان مع حفظه إمامًا في التفسير، رأسًا في الفقه، من أئمة الاجتهاد.٣
وقال أيضًا: كان إسحاق من كبار أئمة الاجتهاد، ومن أعلام الحفاظ٤.
استطاع الإمام إسحاق -﵀- بتوفيق الله له، وبجده، ثم باجتهاده ومثابرته في طلب العلم أن يكون لنفسه رصيدًا هائلًا من العلوم هيأته أن يكون إمامًا مجتهدًا له مذهب مستقبل يعرف بالراهوية، انتشر في خراسان وصار له اتباع، قال السمعاني: كان إمامًا مذكورًا مشهورًا من أهل مرو سكن نيسابور، وكان متبوعًا له أقوال واختيارات وهو من أقران الإمام أحمد.٥
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد٦/٣٤٥، وتهذيب ابن عساكر٢/٤١٧. ٢ تهذيب الكمال٢/٣٧٣، وطبقات الشافعية١٠/٢٣٢. ٣ سير أعلام النبلاء١١/٣٧٥. ٤ العلو للعلي الغفار للذهبي ص١٣٢. ٥ الانساب٦/٥٦.
[ ١ / ١٥٧ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكان أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن قتيبه، وغيرهم من أئمة السلف والسنه. والحديث يتفقهون على مذهب أحمد، وإسحاق، ويقدمون قولهما على أقوال غيرهما.١
وأئمة الحديث كالبخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي وغيرهم هم أيضًا من اتباعهما، وممن يؤخذ العلم والفقه عنهما وداود من أصحاب إسحاق.
وقال في موضع آخر: والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن نصر المروزي، وداود بن علي، هؤلاء كلهم فقهاء الحديث ﵃.٢
وذكره الشيرازي ضمن فقهاء خراسان فقال: ومنهم أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه جمع بين الحديث والفقه والورع.٣
وقال المقدسي: وأما أهل الحديث فحنبلية والراهويه، والأوزاعية
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوي١٥/٢٣٢-٢٣٣. ٢ مجموع الفتاوى ٢٥/٢٣٣. ٣ طبقات الفقهاء للشيرازي ص٩٤.
[ ١ / ١٥٨ ]
والمنذرية.١
وقد اندثر مذهبه مع كثير من المذاهب التي كانت حَيَّةً لمدة من الزمان بسبب عوادي الدهر، وتضييع التلاميذ والمتبعين له، واندثار الكتب المؤلفة فيه وضياعها، ولعدم تبني السلطان مذهبه، والاعتماد عليه في نظام الحكم.
وقد كان الإمام إسحاق ﵀ من الفقهاء الذين يعتمدون على الكتاب والسنة، والآثار عن الصحابة، والتابعين، ولا يلجؤون إلى القياس إلا عند الضرورة القصوى، وكانت أصول الإمام أحمد وإسحاق والشافعي شبيهة بعضها ببعض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن موافقة الإمام أحمد للإمام الشافعي وإسحاق أكثر من موافقته لغيرهما، وأن أصوله بأصولهما أشبه منهما بأصول غيرهما، وكان يثني عليهما، ويعظمهما، ويرجح أصول مذهبهما على من ليست أصول مذهبه كأصول مذهبهما.٢
ويلاحظ المتتبع لأقوال الإمام إسحاق في مسائله برواية الكوسج:
١- غزارة معلوماته في الفقه، ودقته في الإجابة على السؤال، فقد
_________________
(١) ١ أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ص٣٧ ط ليدن١٩٠٩. ٢ مجموع الفتاوى ٣٤/١١٣.
[ ١ / ١٥٩ ]
سئل في القسم الذي قمت بتحقيقه على ست وخمسمائة مسألة لم يتوقف عن الإجابة إلا عن مسألة واحدة، وهي مسألة تعليق العتق بالملك، على أنه حاول الإجابة عليه حين كرر له المسألة١.
٢- معرفته التامة بما ورد في المسألة من أدلة من كتاب، أو سنة، أو قول صحابي أو تابعي٢.
٣- قوة حجته واستدلاله.
٤- إحاطته بآراء الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، ونسبة القول إلى قائله بأوجز عبارة، كالإشارة إلى راوي الحديث، أو إلى رجل من رجال الإسناد، أو بعبارة مشهورة لدى المحدثين في الحديث٣.
٥- وثوقه من قوله، وعدم تردده، فلذا قل أن يوجد له روايتان في مسألة واحدة.
٦- تمكنه من المذهب الحنفي، وحفظه لأقوالهم، وآرائهم، وأدلتهم.
٧- حدته أحيانًا على بعض مخالفيه، فقد رد على القائلين إنه يسهم لكل فرس دخل أرض العدو وقاتل عليه أم لم يقاتل، فقال: أخطأ هؤلاء فقالوا إذا جاوز الدروب فباع فرسه فإن سهم الفرس له، وهو
_________________
(١) ١ انظر المسألة رقم ٤٤٨. ٢ راجع المسألة ٣٢-٣٦. ٣ راجع المسائل٣٧٠-٣٧١-٣٧٢-٤٠٨.
[ ١ / ١٦٠ ]
جهل بيّن١.
وقد خطأ الإمام أحمد في مسألة واحدة٢.
٨- عدم التصريح بمن يخالفهم والاكتفاء بالإشارة إليهم بهؤلاء، ولدى تتبعي ومراجعتي الأقوال المشار إليها وجدتها أقوالًا للأحناف.
٩- مناقشته لأدلة الخصم، ودحض حجته، واحدة تلو الأخرى٣.
_________________
(١) ١ راجع المسألة ٦٣-٣٦٨-٣٧٧. ٢ راجع مسألة رقم ٤٧٩. ٣ انظر المسألة رقم ٣٦٨.
[ ١ / ١٦١ ]