كان الإمام أحمد ﵀ يفتي في شبابه في بعض الأوقات ويحدث إذا سئل، فقد قال نوح بن حبيب القومسي: رأيت أحمد بن حنبل في مسجد الخيف سنة ثمان وتسعين، وابن عيينة حي وهو يفتي فتيا واسعة- وقال في رواية ثانية: فجعل يعلمهم الفقه، والحديث ويفتي الناس في المناسك.١
إلا أنه لم يتصدر للحديث والفتوى، ولم ينصب نفسه لهما حتى تم له أربعون سنة، حين بلغ أشده، وتمكن من علمه، ووثق من إطلاعه، واجتمع لديه ثروة كبيرة من نصوص السنة، وأقوال الصحابة٢ رضوان الله عليهم، وسرى بين الناس حديث صلاحه وتقواه وورعه، وزهده، وعفته عما في أيدي الناس، وعكوفه على الحديث يسير لطلبه، ويركب الصعب، والذلول حتى يصل إلى عالم يتلقى عنه وقد كان الازدحام على درسه شديدًا، فكان عدة من يستمعون إلى درسه نحو خمسة آلاف، وكان
_________________
(١) ١ طبقات الحنابلة ١/٣٩٠، وسير أعلام النبلاء ١١/٣٠٩ ومناقب الإمام أحمد ص٢٤٣ -٢٤٤. ٢ أصول مذهب الإمام أحمد ص٣٧.
[ ١ / ٧٩ ]
يكتب منهم نحو خمسمائة.١
وكان وقت درسه في المسجد بعد العصر، وقت صفاء النفس وفراغها من مشاغل الحياة، واضطرابها، فيكون الحديث والإفتاء والنفس مستجمعة مقبلة، والدرس عند إقبال النفس أعمق أثرًا فيها، وأكثر شيوعًا في نواحيها، وكان يسود مجلسه الوقار، والسكينة مع تواضع واطمئنان نفسي.
وكان في كُلّ مجالسه لا يمزح، ولا يلهو، وقد علم مخالطوه منه ذلك، فكانوا لا يمزحون في حضرته.
وكان إذا قال حديثًا نبويًا لا يقوله إلا من كتاب، حرصًا على جودة النقل وإبعادًا لمظنة الخطأ ما أمكن،٢ مع قوة حفظه الذي شهد به أصحابه، قال عبد الله: ما رأيت أبي حدث من غير كتاب إلا بأقل من مائة حديث.٣
قال ابن معين الرازي: سمعت ابن المديني يقول: ليس في أصحابنا أحفظ من أحمد، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، لنا فيه أسوة.٤
_________________
(١) ١ ابن حنبل ٣٨-٣٩. ٢ ابن حنبل ص٤٠. ٣ سير أعلام النبلاء ١١/٢١٣. ٤ المرجع السابق ١١/٢٠٠.
[ ١ / ٨٠ ]
ووصف المرّوذي مجلسه فقال: لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد، كان مائلًا إليهم، مقصرًا عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر.١
وقد تخرج على يديه جهابذة كثيرون في مختلف العلوم من الفقه والحديث، ومعرفة الرجال، وأسهموا في التقدم العلمي وحفظ السنة واستنباط الأحكام منها، ومكافحة البدع، وبث السنة.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ١١/٢١٨ وابن حنبل ص٤١.
[ ١ / ٨١ ]
تلاميذه:
لقد حظي الإمام أحمد ﵀ بعدد من التلاميذ الأجلاء، إلا أن التعرف على تلاميذه، وحصرهم يعتبر أمرًا عسيرًا، وخاصة في هذه العجالة علمًا بأن هناك كتبًا تخصصت في ذكر تلاميذه، وشيوخه، أما عدد تلاميذه: فقد ذكر العليمي أن الطبقة الأولى الذين عاصروه، وتفقهوا عليه، ورووا عنه عدتهم خمسمائة وثمانية وسبعون نفسًا، مهم جماعة كانوا على مذهبه في الأصول والفروع، وأخذوا عنه الفقه ونقل عنهم إلى من بعدهم، إلى أن وصل إلينا.
وقال إن أصحاب الإمام أحمد من الفقهاء المشهورين مائة وثلاثة وثلاثون نفسًا، وسرد أسماءهم.١
وذكر القاضي أبو يعلى أسماء تلاميذ الإمام أحمد مرتبة على الحروف الهجائية في المجلد الأول من طبقاته.
وذكر المرداوي أبرز التلاميذ الذين نقلوا عن الإمام أحمد فقهَه وعددهم واحد وثلاثون ومائة نفس، والمكثرون منهم أربعة وثلاثون نفسًا.٢
ذكر بعض أسماء التلاميذ على وجه التمثيل وهم:
_________________
(١) ١ المنهج الأحمد ١/٤٧٥. ٢ الإنصاف ١٢/٢٩٣-٢٩٤.
[ ١ / ٨٢ ]
الإمام البخاري ١٩٤-٢٥٦
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله حبر الأمة والحافظ لحديث رسول الله ﷺ، صاحب الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخاري، ولد في بخارى، ونشأ يتيمًا، وقام برحلة طويلة سنة عشرة ومائتين في طلب العلم، فزار خراسان، والعراق، ومصر، والشام، وسمع من نحو ألف شيخ، وجمع نحو ستمائة ألف حديث، اختار منها في صحيحه ما وثق برواته، وهو أول من وضع في الإسلام كتابًا على هذا النحو.
قال الذهبي كان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم، رأسًا في الورع والعبادة، وكان شيخًا نحيفًا، ليس بطويل ولا قصير، يميل إلى السمرة.١
ابن هانئ ت ٢٦٠
هو أحمد بن هانئ الطائي، أبو بكر الأثرم، كان جليل القدر حافظًا إمامًا سمع من الإمام أحمد، وعفان بن مسلم، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وكان من أفراد الحفاظ، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، صنفها، ورتبها أبوابًا.
قال الأثرم: كنت أحفظ الفقه، والاختلاف، فلما صحبت أحمد بن
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ ٢/٥٥٥، الأعلام ٦/٣٤، تاريخ بغداد ٢/٤، تهذيب التهذيب ٩/٤٧ وطبقات الحنابلة ١/٢٧١.
[ ١ / ٨٣ ]
حنبل تركت كل ذلك، توفى بعد الستين ومائتين.١
الإمام مسلم ٢٠٤-٢٦١
هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، النيسابوري، أبو الحسين حافظ، من أئمة المحدثين، ولد بنيسابور، ورحل إلى الحجاز ومصر والشام، والعراق، وسمع من الإمام أحمد، وإسحاق ويحيى النيسابوري وقتيبة بن سعيد، وعبيد الله القواريري، وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أهلها، وتوفى بظاهر نيسابور، وأشهر كتبه " صحيح مسلم " جمع فيه إثنى عشر ألف حديث، كتبها في خمس عشرة سنة، وهو أحد الصحيحين المعول عليهما عند أهل السنة في الحديث.
مات عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائة.٢
صالح بن الإمام أحمد ٢٠٣-٢٦٥
هو صالح بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، أبو الفضل، أكبر أولاده، سمع أباه، وعلي بن المديني، وأبا الوليد الطيالسي، وإبراهيم بن الفضل الزارع، وسمع من أبيه مسائل كثيرة، وكان الناس يكتبون إليه من
_________________
(١) ١ المنهج الأحمد ١/٢١٩ وطبقات الحنابلة ١/٦٦. ٢ تذكرة الحفاظ ٢/٥٨٨، والأعلام ٧/٢٢١، وطبقات الحنابلة ١/٣٣٧، والمنهج الأحمد ١/٢٢١.
[ ١ / ٨٤ ]
خراسان، ومن المواضع يسأل لهم أباه عن المسائل، فوقعت إليه مسائل جياد، وكان والده يحبه ويكرمه، ويدعو له، تولى القضاء بطرسوس، وبعدها بأصبهان، وتوفى بها في شهر رمضان١
المميوني ت ٢٧٤
هو عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني، صحب الإمام أحمد على الملازمة من سنة سبع وعشرين، فكان أبو عبد الله يضرب به مثل ابن جريج في عطاء من كثرة ما يسأله، ويقول ما أصنع بأحد ما أصنع بك وعنده عن أبي عبد الله مسائل كثيرة في ستة عشر جزءًا.
وكان أبو عبد الله يسأله عن أخباره، ومعايشه، ويحثه على إصلاح معيشته ويعتني به عناية شديدة، توفى سنة أربع وسبعين ومائتين.٢
أبو داود ٢٠٢-٢٧٥هـ
هو سليمان بن الأشعث، بن إسحاق، بن بشير الأزدي السجستاني أبو داود، إمام أهل الحديث في زمانه، نشأ محبًا للعلم من صغره، فبعد أن أخذ العلم من علماء بلده رحل في طلبه إلى بلاد شتى: فسمع من مشايخ مصر، والشام، والجزيرة، والعراق، وخراسان.
وقد سمع عن كثير منهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق
_________________
(١) ١ المنهج الأحمد ١/٢٣١، الأعلام ٣/١٨٨ شذرات الذهب ٢/١٤٩. ٢ المنهج الأحمد ١/٢٤٩ وطبقات الحنابلة ١/٢١٢.
[ ١ / ٨٥ ]
ابن راهوية، وقد أثنى عليه كثير من العلماء، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، توفى يوم الجمعة لأربع عشرة بقين من شوال.١
ابن هانئ النيسابوري ٢١٨-٢٧٥
هو إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، أبو يعقوب، ولد أول يوم من رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، وخدم الإمام أحمد وهو ابن سبع سنين، وكان ورعًا.
نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وعنده أقام الإمام أحمد في مدة اختفائه، توفى إسحاق بن هانئ ببغداد سنة خمس وسبعين ومائتين.٢
حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد
له مسائل عن الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية نحو أربعة آلاف مسألة قال حرب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء، لأن العلم يحتاج إليه في كل ساعة، والخبز والماء في كل يوم مرة أو مرتين. مات سنة ثمانين ومائتين.٣
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ ٢/٥٩١، تهذيب التهذيب ٤/١٦٩، طبقات الحنابلة ١/١٥٩، الأعلام ٣/١٢٢ والمنهج الأحمد ١/٢٥٦. ٢ المنهج الأحمد ١/٢٥٤، تاريخ بغداد ٦/٣٧٦ وطبقات الحنابلة ١/١٠٨. ٣ طبقات الحنابلة ١/١٤٥وما بعدها، تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٦١٣ وطبقات الحفاظ ص٢٧٤.
[ ١ / ٨٦ ]
إبراهيم الحربي ١٩٨-٢٨٥
هو إبراهيم بن إسحاق بن بشر بن عبد الله بن ديسم أبو إسحاق الحربي ولد سنة ثمان وتسعين ومائة، وسمع أبا نعيم الفضل بن دكين وعفان بن مسلم، وعبد الله بن صالح العجلي، والإمام أحمد، ونقل عنه مسائل، كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد عارفًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام حافظًا للحديث، وصنف كتبًا كثيرة، منها غريب الحديث، ودلائل النبوة قال محمد بن صالح القاضي: لا نعلم أن بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربي في الأدب والحديث والفقه، والزهد.١
عبد الله بن الإمام أحمد ٢١٣-٢٩٠
عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الرحمن، من أكثر الناس رواية عن أبيه، سمع المسند، والتفسير، والناسخ والمنسوخ، والتاريخ، وحديث شعبة، والمقدم والمؤخر في كتاب الله تعالى وغيرها.
قال عبد الله: كل شيء أقول " قال أبي " فقد سمعته مرتين وثلاثًا، وأقله مرة، توفى عبد الله يوم الأحد ودفن في آخر النهار لتسع بقين من جمادى الآخرة سنة تسعين ومائتين.٢
_________________
(١) ١ طبقات الحنابلة ١/٨٦ وما بعدها وتذكرة الحفاظ ٢/٥٨٤ وما بعدها. ٢ المنهج الأحمد ١/٢٩٤، طبقات الحنابلة ١/١٨٠ والأعلام ٤/٦٥.
[ ١ / ٨٧ ]
ساقط
[ ١ / ٨٨ ]