(باب) الباب هو: ما يدخل منه إلى المقصود، ويتوصل منه إليه. وهو قسمان: حسي، ومعنوي؛ فالحسي: كباب الدار، والمسجد، وما يدرك بالحواس. والمعنوي: كباب (الآنية) ونحوها.
والآنية لغة، وعرفًا: الأوعية، وهي ظرفًا للماء، ونحوه.
يباح اتخاذ كل إناء طاهر، ويباح (استعماله، ولو) كان الإناء (ثمينًا) كجوهر، وياقوت (^١)، ونحوه؛ لأنه لا يعرفه إلا خواص الناس، فلا يؤدي إلى الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء (إلا آنية الذهب والفضة) حتى الميل (^٢)، ونحوه، فيحرم استعمالها، واتخاذها على هيئة الاستعمال، للذكر والأنثى. بخلاف الحلي، فيباح للأنثى؛ لما روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» (^٣)، وروت
_________________
(١) الياقوت: نوع من الجواهر، أجوده الأحمر الرماني، وهو لفظ فارسي معرب. انظر: القاموس ص ٢٠٩، مادة: (يقت).
(٢) وهو ما تكحل به العين. انظر: العين ٨/ ٣٤٥، تهذيب اللغة ١٥/ ٢٨٥، مادة: (ميل).
(٣) أخرجه البخاري برقم (٥١١٠)، والصحفة هي: إناء مبسوط. انظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ١٣.
[ ٨٦ ]
أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (^١). متفق عليهما. والجرجرة هي: صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف. وغير الأكل والشرب في معناهما؛ لأن ذكرهما خرج مخرج الغالب، فلا يتقيد الحكم به.
(و) إلا (المموه بهما) أي: بالذهب والفضة. بأن يذاب أحدهما، ويُلقى فيه إناء من نحاس ونحوه، فيكتسب منه لونه، فلا يجوز اتخاذه، ولا استعماله. ويحرم أيضًا اتخاذ واستعمال آنية من عظم آدمي، أو جلده.
(وتصح الطهارة بها) أي: بالآنية المحرمة، بأن يغترف الماء بها. ومنها، بالاغتراف. وفيها، إذا كان الماء قلتين في إناء يسعهما. وإليها، بأن يجعل الإناء مصبًا لفضل طهارته. وكذا المُطَعّم (^٢)، والمطلي (^٣)، والمُكْفَت (^٤)، ونحوه منهما (و) تصح الطهارة أيضًا (بالإناء المغصوب).
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٥٣١١)، ومسلم برقم (٢٠٦٥).
(٢) الإناء المطعم: أن يحفر في الإناء من الخشب أو غيره حفرًا، ويوضع فيها قطع من ذهب أو فضة مقدرة على قدر تلك الحفر. انظر: معونة أولي النهى ١/ ١٨٧.
(٣) الإناء المطلي: أن يجعل الذهب والفضة كالورق، ويطلى به الإناء من حديد ونحوه. انظر: المرجع السابق.
(٤) الإناء المكفت: أن يُبْرَد الإناء حتى يصير فيه شبه المجاري في غاية الدقة، ثم يوضع فيها شريط رقيق من ذهب أو فضة، ويدق حتى يلصق. انظر: المرجع السابق.
[ ٨٧ ]
(ويباح) اتخاذ واستعمال (إناء ضبب (^١) بضبة) بشرط كونها (يسيرة من فضة) لا من ذهب، فيحرم. ويشترط أيضا أن تكون الضبة (لغير زينة) بل لحاجة دعت إليها؛ لحديث أنس رضي الله تعالى عنه: «أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب (^٢) سلسلة من فضة» رواه البخاري (^٣).
(وآنية الكفار، وثياب الكفار جميع (هم، طاهرة) ولو وليت الثياب عوراتهم، إن جهل حالها ولا ينجس شيء بالشك، ما لم تعلم) أي: تتحقق (نجاسته).
(وعظم الميتة، وقرنها، وظفرها، وحافرها، وعصبها، وجلدها، نجس. ولا يطهر) جلد الميتة (بالدباغ) (^٤) لحديث ابن عمر، وأبيه، وعائشة رضي الله تعالى عنهم، عن النبي ﷺ أنه كتب إلى جهينة: «إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب (^٥)، ولا عصب» رواه أحمد (^٦).
_________________
(١) (المضبب: هو ما أصابه شق ونحوه، فيوضع عليه صفيحة تضمه، وتحفظه) المجموع ١\ ٣١٦.
(٢) أي مكان الشق. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢\ ٤٧٧.
(٣) صحيح البخاري برقم (٢٩٤٢).
(٤) الدباغ اسم ما يدبغ به؛ أي: يصلح، ويلين به، من قرظ، ونحوه. انظر: العين ٤\ ٣٩٥، مادة: (دبغ).
(٥) الإهاب: الجلد. كشاف المبدع (١\ ٩٥).
(٦) رواه أحمد حديث برقم (١٨٨٠٤) من حديث عبد الله بن عكيم قال: جاءنا، أو قال: كتب إلينا رسول الله ﷺ أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.
[ ٨٨ ]
وعن الإمام: أنها تطهر بالدباغ، إذا كانت من حيوان طاهر في الحياة (^١). والأول أصح. ولا يطهر جلد غير مأكول بالذبح؛ كلحمه.
(والشعر، والصوف، والريش، طاهر، إذا كان) ذلك من ميتة طاهرة في الحياة، ولو غير مأكولة؛ كالهر، والفأر لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. وأما أصول ذلك، فنجسة؛ لأنه من أجزاء الميتة. وما أبين من حي، فكميتته.
(و) ي (سن) السُّنَّة في اللغة: الطريقة. وفي الاصطلاح: ما يثاب على فعله، ولا يعاقب (^٢) … على أقواله ﷺ، وأفعاله، وتقريراته (تغطية الآنية) أي: الأوعية (وإيكاء) أي: ربط فم (الأسقية) جمع سقاء، وهو جلد السخلة (^٣) إذا أجذع يكون للماء واللبن؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي الإناء، ونوكي السقاء» رواه أبو داود (^٤). وأيضًا يسن إغلاق الباب، وإطفاء المصباح.
_________________
(١) انظر: الروايتين والوجهين ١/ ٦٦، غاية المطلب ص ٣٧.
(٢) هنا كلام سقط في طرف اللوحة.
(٣) السخلة: بفتح السين وكسرها: الصغيرة من أولاد المعز. المغني ٤/ ٤٦.
(٤) سنن أبي داود برقم (٣٦٩٣)، ومسلم برقم (١٩٩٣).
[ ٨٩ ]