هو لغةً: القصد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣/ المائدة: ٦].
وشرعًا: استعمال تراب مخصوص لوجه ويدين.
وهو بدل عن طهارة الماء، من وضوء، وغُسْل، وغَسْل نجاسة على بدن، لكل ما يفعل بالماء، عند عجز عنه شرعًا. سوى النجاسة التي على غير البدن؛ كثوب، وبقعة، فلا يصح التيمم لها، إذ لا نص فيه، ولا قياس يقتضيه. وهو عزيمة، فلا يجوز تركه، ويجوز بسفر المعصية. ويجب لما تجب له الطهارة. ويستحب لما تستحب له.
(يصح) التيمم (بشروط ثمانية):
(النية، والإسلام والبلوغ والتمييز، والاستنجاء أو الاستجمار)
فهذه خمسة شروط.
والشرط (السادس: دخول وقت الصلاة) الذي يريد التيمم لها (فلا يصح التيمم لصلاة قبل وقتها، ولا) يصح التيمم (لنافلة) في (وقت نهي).
والشرط (السابع: تعذر استعمال الماء، إما لعدمه) بحبس الماء عنه، أو بحبسه عن الماء، أو بقطع عدو الماء، أو يكون العدوّ في طريقه، أو لعجز عن تناوله بنفسه، ولو بفم، أو بغيره،
[ ١٣٥ ]
أو لعدم آلة، ونحوها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، ولقوله ﵊: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (^١)، (أو) تعذر استعماله (بخوفه باستعماله الضرر) من طول مرض أو بقائه، أو زيادة به، أو حدوثه، أو ضرر ببدنه من جرح، وذلك بعد غسل الصحيح، أو من برد شديد، أو فوت رفقة، أو ضياع مال، أو عطش نفسه، أو غيره، من آدمي، وبهيمة محترمين (^٢)، أو احتياجه لعجن، أو طبخ، أو لعدم بذله إلا بزيادة كثيرة على ثمن مثله في مكانه. وليس عليه إعادة الصلاة في هذه الصور كلّها.
ويلزم عادم الماء شراء ماء، وحبل، ودلو، بثمن مثله، أو بزيادة يسيرة في مكانه، ويكون ذلك فاضلًا عن حاجته، من نفقة، ومؤنة سفر، وقضاء دين. ويلزمه استعارة حبل، ودلو، وقبول الماء، أو ثمنه، قرضًا، أو بذله هبةً؛ لا ثمنه هبة؛ للمنة. ويلزم عادم الماء طلبه في رحله وما قرب منه عادة، ومن رفقته، إذا خوطب بصلاة. (ويجب) على من عنده ماء، ولو نجسًا، فاضلًا عن حاجته (بذله للعطشان، من آدمي، أو بهيمة، محترمين).
ومن ببدنه جرح، وأمكنه المسح عليه، وجب المسح، وإلا، تيمم له.
_________________
(١) أخرجه أبو داود من حديث أبي ذر برقم (٣٣٢)، والترمذي برقم (١٢٤).
(٢) هذا احتراز عن غير المحترم من الآدمي: كالحربي، والمرتد، والزاني المحصن. ومن الحيوان: كالخنزير، والكلب العقور. انظر: معونة أولي النهى ١/ ٣٧٨، شرح المنتهى ١/ ١٨٠، كشاف القناع ١/ ٣٩٢.
[ ١٣٦ ]
(ومن وجد ماءً) لكن لا يكفيه (لطهارته، استعمله فيما يكفيه) (وجوبًا، ثم يتيمم لما بقي.
وإن وصل المسافر إلى الماء، وقد ضاق الوقت عن فعل الصلاة (أو) كان جماعة، و(علم أن النُّوْبَة (^١) لا تصل إليه إلا بعد خروجه) أي: خروج الوقت (عدل) إلى التيمم. وغيره) أي: غير المسافر (لا) يعدل إلى التيمم (ولو فاته الوقت).
(ومن) كان (في الوقت) و(أراق الماء، أو) أنه (مر به) أي: بالماء وأمكنه الوضوء منه ويعلم أنه لا يجد غيره، حرم عليه إراقته (ثم إن تيمم) من بهذه الحالة (وصلى لم يُعد) الصلاة.
(وإن وجد محدث) حدثًا أصغر، أو أكبر (ببدنه، وثوبه نجاسة) أصابتهما (ماءً لا يكفيه) لرفع حدثه، ولغسل بدنه، وثوبه (وجب غسل ثوبه) أولًا ثم إن فضل شيء من الماء (غسل) به (بدنه، ثم إن فضل شيء، تطهر) به (وإلا) أي: وإن لم يكفيه (تيمم).
ويصح التيمم لكل حدث من وضوء، وجنابة، وحيض، ونفاس؛ لحديث عمران بن حصين قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل، فقال: ما منعك أن تصلي؟ فقال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك» متفق عليه (^٢)، ولحديث عمار (^٣). وحائض ونفساء انقطع دمهما؛ كجنب.
_________________
(١) المراد: الورود على الماء وغيره، المرة بعد الأولى. انظر: مختار الصحاح ص ٢٨٥، تاج العروس ٤/ ٣١٣، (مادة: نوب)
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٣٧)، ومسلم برقم (٦٨٢).
(٣) قال ﵁: «بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، =
[ ١٣٧ ]
(و) يصح التيمم أيضًا (للنجاسة على البدن) قال الإمام: (هو بمنزلة الجنب). لكن يكون (بعد تخفيفها) أي: النجاسة بقدر ما أمكن من تخفيفها، بمسح رطبة، أو حك يابسة، ويصلي، ولا إعادة عليه (فإن تيمم لها) أي: للنجاسة (قبل تخفيفها، لم يصح) التيمم.
والشرط (الثامن: أن يكون) التيمم (بتراب) فلا يصح بغير تراب؛ كنورة، وجص (^١)، ونحت حجارة، ورمل، ونحوه (طهور) فلا يصح بمستعمل، وهو ما يتناثر من المتيمم في طهارة، ولا بتراب نجس (مباح) فلا يصح بمغصوب (غير محترق) فلا يصح بما دق، من نحو خَزَف (^٢)؛ لأنه لا يقع عليه اسم التراب (له) أي: للتراب (غبار يعلق باليد) لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وما لا غبار له، لا يمسح بشيء منه.
فلو ضرب على شيء فيه تراب له غبار، صح تيممه. فإن خالطه غبار غيره مما لا يصح به التيمم، فكماء خالطه طاهر. فإن
_________________
(١) = فتمرغت في الصعيد، كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربةً واحدةً، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه» متفق عليه. صحيح البخاري برقم (٣٤٠)، ومسلم، برقم (٣٦٨).
(٢) الجص، ويسمى الجبس: من مواد البناء، وهو خام من كبريتات الكالسيوم. انظر: المعجم الوسيط ١/ ١٠٥، مادة: (جبس).
(٣) الخَزَف: ما عُمل من الطين، وشوي بالنار، فصار فخارًا. القاموس ص ١٠٣٨، مادة: (خزف).
[ ١٣٨ ]
كانت الغلبة للتراب، جاز التيمم، وإلا، فلا، وإن كان المخالط لا غبار له، صح بالتراب. وكذا حكم التراب المستعمل إذا خالط الطهور، حكم الماء الذي خالط المستعمل.
ولا يصح التيمم بطين، ولا بتراب مقبرة تكرر نبشها (^١)، فإن لم يتكرر، صح التيمم به.
(فإن لم يجد ذلك) أي: التراب الموصوف بالأوصاف المذكورة، أو لعدم تناوله الماء والتراب؛ كحبسه بمحل لا ماء ولا تراب به، أو لقروح (^٢)، أو جراحات لا يستطيع معها مس البشرة، وكذا مريض عجز عن الماء والتراب، وعمن يطهره بأحدهما، صار فاقد الطهورين، فيـ (يصلي الفرض فقط) من غير نوافل (على حسب حاله).
(ولا يزيد) عادم الماء والتراب (في صلاته على ما يجزئ) فلا يقرأ زائدًا عن الفاتحة، ولا يستفتح، ولا يتعوذ، ولا يبسمل، ولا يسبح زائدًا على المرة الواحدة، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوع، أو سجود، أو جلوس بين السجدتين.
ولا يؤم فاقد الطهورين بمتطهر بأحدهما.
وإن قدر على التيمم وهو في الصلاة، بطلت؛ كمتيمم قادر على الماء في الصلاة.
(ولا إعادة) على فاقد الطهورين ما صلاه على حسب حاله.
_________________
(١) أي: استخراج من دفن فيها. انظر: لسان العرب ٦/ ٣٥٠، تاج العروس ١٧/ ٣٩٧، مادة: (نبش).
(٢) القروح: جمع قَرْحة. وهي الجراحة. وقيل: هي البثر إذا ترامى إلى فساد وجرب. القاموس ص ٣٠١، مادة: (قرح).
[ ١٣٩ ]