الحيض: مصدر حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا، فهي حائض وحائضة: إذا جرى دمها. وأصله: السيلان، من حاض الوادي: إذا سال. واستحيضت المرأة: استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مستحاضة. وتحيَّضت: قعدت أيام حيضها عن الصلاة. ويسمى أيضًا: الطمث، وغيره (^١).
وشرعًا: دم طبيعة - أي: سجية، وجبلة، لا دم فساد - يخرج من قعر الرحم، في أوقات معلومة خلقه الله تعالى؛ لحكمة تربية الولد، وغذائه.
والولد خُلق من ماء الأبوين. فإذا حملت المرأة انصرف حيضها بإذن الله تعالى إلى غذائه، ولذلك لا تحيض الحامل، فإذا وضعت، قلبه الله تعالى لبنًا، يتغذى به المولود، ولذلك قل أن تحيض المرضع، فإذا خلت منهما، بقي الدم لا مصرف له، فيستقر في مكان، ثم يخرج. ولهذا أمر النبي ﷺ ببر الأم ثلاث مرات، وببر الأب مرة واحدة (^٢).
_________________
(١) ومن أسمائه أيضًا: النفاس، والضحك، والدراس. انظر: تهذيب اللغة ٥/ ١٠٣، لسان العرب ٧/ ١٤٢، مادة: (حيض).
(٢) جاء في المتفق عليه من حديث أبي هريرة ﷺ قال: قال رجل:
[ ١٥٣ ]
(لا حيض قبل تمام تسع سنين) تحديدًا، وهو أقل سن الحيض الذي يمكن المرأة أن تحيض فيه. فإن رأت دمًا لدون ذلك، فليس بحيض؛ لأنه لم يثبت في الوجود، وبعدها إن صلح، فحيض.
قال الإمام الشافعي: «رأيت جدة لها إحدى وعشرون (^١) سنة».
(ولا) حيض للمرأة (بعد خمسين سنة) لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض». ذكره أحمد (^٢)، وقالت أيضًا: «لن ترى في بطنها ولدًا بعد الخمسين». رواه أبو إسحاق الشالنجي (^٣) (^٤).
(ولا) حيض (مع حمل) قال الإمام أحمد: «إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم» (^٥). فإن رأت دمًا، فهو دم فساد، لا تترك له.
= يا رسول الله، من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك» صحيح البخاري برقم (٥٦٢٦)، وصحيح مسلم برقم (٢٥٤٨).
_________________
(١) في الأصل: (أحد وعشرين)، والتصويب من (المجموع شرح المهذب) (١٨/ ١٤٤).
(٢) عزاه الزركشي في شرحه ١/ ٤٠٣ لرواية حنبل، وفي مسائل ابن منصور ٣/ ١٣٠٢: قال الإمام أحمد: (روي عن عائشة ﵄ ذلك الحديث: «إذا أتى عليها خمسون سنة»)، ولم أقف على تخريج له.
(٣) هو: أبو إسحاق، إسماعيل بن سعيد الشالنجي ﵀، من أصحاب الإمام أحمد، قال الخلال: (عنده مسائل كثيرة، ما أحسب أن أحدًا من أصحاب أبي عبد الله روى عنه أحسن مما روى هذا، ولا أشبع، ولا أكثر مسائل منه)، وله كتاب البيان على ترتيب الفقهاء. توفي سنة ثلاثين ومائتين. انظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٠٤.
(٤) عزاه للشالنجي في المبدع ١/ ٢١٩، لم أجد له تخريجًا.
(٥) نقله عنه في المغني ١/ ٤٤٤. وفي مسائل ابن منصور ٣/ ١٣١٧.
[ ١٥٤ ]
العبادة، ولا يمنع زوجها من وطئها. ويستحب أن تغتسل بعد انقطاعه، إلا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، مع أمارة، فنفاس، ولا تنقضي به مدته.
(وأقل) زمن يصلح أن يكون (الحيض) فيه (يوم وليلة، وأكثره) أي: أكثر زمن الحيض (خمسة عشر يومًا) بلياليها؛ لقول علي رضي الله تعالى عنه: «ما زاد على خمسة عشر استحاضة» (^١).
(وغالبه) أي: غالب الحيض (ستة) أيام بلياليها (أو سبعـ) ــة أيام بلياليها؛ لقوله ﵊ لحمنة بنت جحش لما سألته: «تَحَيَّضِي في علم الله ستة أيام، أو سبعة، ثم اغتسلي، وصلي أربعًا وعشرين ليلةً، أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن، وطهرهن» رواه أبو داود (^٢).
(وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا) لما احتج به أحمد (^٣)، بما روي عن علي رضي الله تعالى عنه: أن امرأة جاءته، وقد طلقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، فقال علي لشريح (^٤): قل فيها، فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص ١/ ١٧٢: «هذا اللفظ لم أجده عن علي، لكنه يخرج من قصة علي وشريح» وستأتي قصتهما قريبًا.
(٢) سنن أبي داود برقم (٢٨٧)، وأخرجه الترمذي برقم (١٢٨).
(٣) احتج به الإمام في رواية ابنه صالح ص ٣٠٤.
(٤) هو: القاضي، الفقيه، أبو أمية، شريح بن الحارث بن قيس الكندي الكوفي، من المخضرمين ولي القضاء لعمر وعثمان
[ ١٥٥ ]
أهلها، ممن يرجى دينه وأمانته، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة. فقال علي: «قالون» (^١). أي: جيد بالرومية.
(وغالبه) أي: الطهر بين الحيضتين (بقية الشهر) الهلالي. فإذا كان الحيض ستًا، أو سبعًا، فالغالب أن يكون الطهر أربعًا وعشرين، أو ثلاثًا وعشرين.
(ولا حد لأكثره) أي: أكثر الطهر بين الحيضتين؛ لأنه لم يرد تحديده شرعًا. ومن النساء من لا تحيض أصلًا، وقد تحيض ثلاثًا في الشهر، وقد تحيض مرة في السنة. وحكى أبو الطيب الشافعي أن امرأة في زمنه كانت تحيض في كل سنة يومًا وليلة (^٢).
= وعلى ومعاوية، واستمر قاضيًا ستين سنة، إلى أيام الحجاج، فاستعفى من القضاء قبل موته بسنة. مات سنة ثمان وسبعين، وقيل: سنة ثمانين، وعمره مائة وعشرون سنة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٥٩، طبقات الحفاظ ص ٢٧.
_________________
(١) = وعلي ومعاوية ﵄، واستمر قاضيًا ستين سنة، إلى أيام الحجاج، فاستعفى من القضاء قبل موته بسنة. مات سنة ثمان وسبعين، وقيل: سنة ثمانين، وعمره مائة وعشرون سنة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٥٩، طبقات الحفاظ ص ٢٧.
(٢) أخرجه الدارمي برقم (٨٥٥).
(٣) قال في كتاب الحيض من التعليقة الكبرى في الفروع ص ٤٦٦: (رأيت امرأة بدرب الدهقان، أخبرتني عن أختها، أنها كانت تحيض في كل سنة يومًا وليلة، قلت: وكانت صحيحة أو مريضة؟ قالت: بل صحيحة، تحبل وتلد، قلت: فكم كان نفاسها؟ قالت: أربعين يومًا). وأبو الطيب الشافعي هو: العلامة، القاضي، أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري الشافعي ﵀، ولد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وهو أحد أئمة المذهب الشافعي، وشيوخه الكبار، ومن تصانيفه: التعليقة، والمجرد، وشرح الفروع. توفي سنة خمسين وأربعمائة. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٢، طبقات الشافعية لابن شهبة ١/ ٢٢٦.
[ ١٥٦ ]
(ويحرم بـ) وجود (الحيض) فعل (أشياء):
(منها: الوطء في الفرج) لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وليس كبيرة. ويجوز الوطء لمن به شَبَق (^١)، وهو الذي لا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، وليس له قدرة على مهر حرة، ولا ثمن أمة.
(و) منها: (الطلاق) لأن الطلاق فيه بدعة محرمة، ما لم تسأل الزوجة في الطلاق أو الخلع على عوض، فيباح؛ لأنها أدخلت الضرر على نفسها؛ لأن المنع؛ لتضررها بطول العدة.
(و) منها: فعل (الصلاة) ولا يلزمها قضاء ما فاتها فيه، وهو بدعة.
(و) منها: (الصوم) لقوله ﵊: «أليست إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى» رواه البخاري (^٢).
(و) منها: (الطواف) لقوله ﵊ لعائشة إذ حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تَطَهَّري» متفق عليه (^٣). ووجوبه باق، فتفعله إذا طهرت أداء؛ لأنه لا آخر لوقته. ويسقط عن الحائض وجوب طواف الوداع.
(و) منها: (قراءة القرآن) لنهيه ﷺ عن قراءة الحائض،
_________________
(١) الشَّبَق: شدة الشهوة. انظر: تهذيب اللغة ٨/ ٢٦٤، مادة: (شبق). وهو مرض. انظر: شرح المنتهى ١/ ٢٢١. وقول الشارح ﵀: (وهو الذي لا تندفع شهوته …) إلخ، هذه الشروط الثلاثة لجواز الوطء زمن الحيض لمن به شبق.
(٢) هو من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. صحيح البخاري برقم (٢٩٨).
(٣) صحيح البخاري برقم (١٥٦٧)، ومسلم برقم (١٢١١).
[ ١٥٧ ]
والجنب (^١).
(و) منها: (مس المصحف) لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].
(و) منها: (اللبث في المسجد) ولو بوضوء؛ لأن الوضوء فيه غير صحيح؛ لاشتراط انقطاع موجبه؛ لما رواه أبو داود من قوله ﷺ: «لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب» (^٢).
(وكذا) يحرم على الحائض (المرور فيه) أي: في المسجد (إن خافت تلويثه) وإن أمنت، لا تمنع نصًا.
(و) الحيض (يوجب) ثلاثة أشياء:
أحدها: (الغسل) لقوله ﷺ: «ثم اغتسلي، وصلي» (^٣).
(و) الثاني: (البلوغ) لأنه يحصل به التكليف.
(و) الثالث: (الكفارة بالوطء فيه) أي: في الحيض (ولو) كان (مكرهًا) على الوطء (أو) ناسيًا للحيض (أو جاهل الحيض) أ (و) جاهل (التحريم) لعموم الخبر، ولو كان الوطء بحائل، أو وطئ وهي طاهرة، فحاضت في أثنائه، ولو نزع في الحال.
(وهي) أي: الكفارة (دينار، أو نصفه) أي: نصف دينار (على التخيير) لما روى الإمام أحمد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال عن الذي يأتي امرأته وهي حائض،
_________________
(١) كما في حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» رواه الترمذي برقم (١٣١).
(٢) سنن أبي داود برقم (٢٣٢).
(٣) أخرجه البخاري برقم (٣١٩).
[ ١٥٨ ]
قال: «يتصدق بدينار، أو نصفه» (^١).
والدينار زنته: مثقال خاليًا من الغش، ولو غير مضروب (^٢).
وتجزئ قيمته من الفضة فقط. ويجزئ دفع الكفارة لمسكين واحد؛ كنذر مطلق. وتسقط الكفارة؛ لعجز عنها؛ ككفارة الوطء في نهار رمضان. وإن كرر الوطء في حيضة، أو حيضتين، فكالصوم.
(وكذا هي) أي: تجب الكفارة عليها (إن طاوعت) على الوطء.
ويوجب أيضًا الاعتداد به، إلا لوفاة، واستبراء الإماء.
(ولا يباح) الوطء (بعد انقطاعه) أي: بعد انقطاع دم الحيض (وقبل غسلها، أو قبل (تيممها) إن عدمت الماء.
فائدة: قال ابن حزم: «اتفقوا - يعني: العلماء - على قبول قول المرأة التي تزف العروس إلى زوجها، فتقول: هذه زوجتك، وعلى استباحة وطئها بذلك، وعلى تصديقها في قولها: أنا حائض، وفي قولها: قد طهرت».
(غير الصوم) فيجب الإمساك بالانقطاع (و) غير (الطلاق) فإنه يباح (م) كذا اللبث بوضوء في المسجد لأنه يصح الوضوء
_________________
(١) رواه أبو داود برقم (٢٦٤)، والنسائي برقم (٢٨٩).
(٢) انظر: الإنصاف ٢/ ٣٨٣، كشاف القناع ١/ ٤٧٥. والدينار: فارسي معرَّب، أصله: دَنَار. انظر: لسان العرب ٤/ ٢٩٢، مادة: (دنر). وزنه: ٤، ٢٥ غرامًا. انظر: التعليق على الإيضاح والتبيان ص ٤٩. والذهب إذا ضرب (أي: سَبَكَ) سمي دينارًا، وإن لم يضرب سمي تِبْرًا. انظر: المصباح المنير ص ٧٢، مادة: (تبر)، مختار الصحاح ص ١٢٠، مادة: (سبك).
[ ١٥٩ ]
بعد الانقطاع (و) يعتبر خلوص بعد انقطاع الدم، بأن لا تتغيَّر قطنة احتشت بها في زمن الحيض) أي: في أثنائه، فهو (طُهر). (وتقضي الحائض) ما أفطرته من رمضان في مدة الحيض (و) كذا (النفساء) تقضي ما أفطرته مدة النفاس من أيام (الصوم، لا) أي: فلا يلزمهما قضاء ما فاتهما من (الصلاة).