جمع شرط، كما تقدم، وتقدم أيضًا معنى الشرط في باب الوضوء.
وشروط الصلاة: ما تتوقف عليها صحتها.
وهي تجب قبلها، فتتقدمها وتسبقها، إلا النية، فيضر تقدمها كثيرًا، والأفضل مقارنتها لتكبيرة التحريم، كما يأتي.
(وهي تسعة) شروط: أحدها: (الإسلام، و) الثاني: (العقل، و) الثالث: (التمييز)، وهذه الشروط في كل عبادة، إلا التمييز في الحج، فإنه يصح ممن لم يميز، ولو أنه ابن ساعة، ويُحرم عنه وليه، كما يأتي (^١).
(وكذا الطهارة) من الحدث، والنجس من بدن، وثوب (مع القدرة) وهي الرابع.
(و) الخامس: (دخول الوقت) للصلاة المؤقتة. والوقت سبب لوجوب الصلاة؛ لأنها تضاف إليه، وتتكرر بتكرره، وشرط للوجوب والأداء. وغيره من الشروط شرط للأداء فقط.
(فوقت الظهر): وهي الأولى، (وهي أربع ركعات) من
_________________
(١) في كتاب الحج.
[ ١٧٦ ]
(الزوال) وهو ميل الشمس إلى المغرب، ويستمر (إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه (^١)، سوى ظل الزوال) الذي زالت عليه الشمس، إن كان ثُمَّ ظل، فتضبط ما زالت عليه الشمس من الظل، ثم تنظر إلى الزيادة عليه، فإذا بلغت قدر الشاخص، فقد انتهى وقت الظهر.
ويسن تعجيل الظهر؛ لفعله ﷺ ذلك في أول الوقت (^٢)، إلا مع حر مطلقًا، فتؤخر؛ لعموم حديث: «إذا اشتد الحر، فأبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم» متفق عليه (^٣). وفَيْحُها: غليانها، وانتشار لهبها، ووهجها. فتؤخر مع حر حتى ينكسر الحر، لقرب وقت العصر. وتأخر الظهر أيضًا في غيم إلى قرب وقت العصر لمن يصلي جماعة. إلا صلاة الجمعة، فيسن تقديمها مطلقًا.
(ثم يليه) أي: يلي وقت الظهر (الوقت المختار للعصر)
وهي الصلاة الوسطى نص عليه الإمام، وهي أربع ركعات (حتى يصير ظل كل شيء مثليه، سوى ظل الزوال) أي: ظل الشاخص إن كان، وهذا هو الوقت المختار (ثم هو وقت ضرورة إلى الغروب) أي: إلى غروب الشمس.
(ثم يليه وقت المغرب) وهي وتر النهار، وهي ثلاث ركعات (حتى يغيب الشفق الأحمر (^٤» وتُسمى بالعشاء، وتسميتها بالمغرب
_________________
(١) هكذا في الأصل، وعبارة الدليل (مثله). دليل الطالب (ص ٢٤).
(٢) عن أبي برْزَةَ ﵁ قال: «كان النبي يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة، ويصلي الظهر إذا زالت الشمس» أخرجه البخاري برقم (٥١٦).
(٣) صحيح البخاري برقم (٥١٠)، ومسلم برقم (٦١٥).
(٤) المراد بالشفق الأحمر: ما يكون بعد غيبوبة الشمس في مغربها من شعاع =
[ ١٧٧ ]
أفضل وتعجيلها أفضل، إلا في غيم لمن يصلي جماعة، فيؤخرها لقرب وقت العشاء.
(ثم يليه الوقت المختار للعشاء، إلى ثلث الليل) الأول، وهي أربع ركعات، وتأخيرها إلى آخر وقت الثلث الأول أفضل، إن سهل. وعن الإمام: تمتد وقت العشاء المختار إلى نصف الليل، اختاره الموفق (^١)، والمجد، وغيرهما، (ثم) بعد الثلث الأول (هو وقت ضرورة، إلى طلوع الفجر) الثاني؛ لأنه وقت للوتر، وهو من توابع العشاء. ويكره النوم قبل صلاة العشاء، ولو [٢٥/ أ] كان له من يوقظه؛ لحديث: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، أن يؤخر صلاة إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى» رواه مسلم (^٢).
(ثم يليه وقت الفجر) وهي ركعتان، ويمتد (إلى شروق الشمس) لحديث ابن عمرو مرفوعًا: «وقت الفجر ما لم تطلع الشمس» رواه مسلم (^٣).
_________________
(١) = أحمر. انظر: الدر النقي ١/ ١٦٢، المصباح المنير ١/ ٣١٨، مادة: (شفق).
(٢) هو: الإمام، الفقيه، موفق الدين، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الأصل، ثم الدمشقي، الصالحي ﵀، ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، قال شيخ الإسلام: (ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق)، ومصنفاته كثيرة، منها: المغني، والكافي، والمقنع. توفي سنة عشرين وستمائة. انظر: الدر المنضد ١/ ٣٤٦، شذرات الذهب ٥/ ٨٨.
(٣) صحيح مسلم برقم (٦٨١).
(٤) صحيح مسلم برقم (٦١٢).
[ ١٧٨ ]
تتمة: يقدر للصلاة أيام الدجال الطوال، والذي هو يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، قدر الزمن المعتاد. فلا يعتبر ما هو مقدر من أوقات زمننا هذا، بل يقدَّر الوقت بزمن يساوي الزمن الذي كان في الأيام المعتادة، والليلة في ذلك كاليوم، إن طالت. قال شيخنا في «شرحه على المنتهى»: «قلت: وقياسه الصوم، وسائر العبادات».
(ويدرك) ما يصلي أداء في آخر (الوقت بتكبيرة الإحرام) حتى الجمعة.
(ويحرم تأخير الصلاة عن وقت الجواز) بحيث يخرج وقتها.
ومن جهل الوقت، ولم يمكنه مشاهدة دليل؛ لعمى، أو لمانع اجتهاد بتقدير شيء، من قراءة، ونحوه، فيكتفي فيه بغلبة الظن، ويستحب تأخير حتى يتيقن الوقت. قاله ابن تميم، وغيره (^١). فإن صلى مع الشك، أعاد مطلقًا. وإن أمكنه المشاهدة، أو مُخبر عن يقين، عمل به دون الظن. ومن اجتهد، وتبين له أنه أخطأ، أعاد، وإلا، فلا.
والأعمى العاجز عن معرفة الوقت، مع عدم المُقَلَّد - بفتح اللام - إذا اجتهد وصلى، أعاد مطلقًا، سواء أخطأ، أو أصاب.
قال شيخنا في «شرحه على المنتهى»: «وفهم منه أنه لو قدر الأعمى على الاستدلال للوقت، ففعل، لا إعادة عليه، ما لم يتبين له الخطأ» (^٢).
_________________
(١) انظر: مختصر ابن تمم ٢/ ٢٩.
(٢) شرح المنتهى ١/ ٢٨٩.
[ ١٧٩ ]
ويعمل بأذان ثقة، عارف بأوقات الصلاة، أو بإخباره من غير أذان، أو بمن يقلّد العارف. قاله المجد، وغيره (^١). ولا يعمل بإخبار عن ظن.
ومن دخل عليه وقت صلاة مكتوبة بقدر تكبيرة الإحرام، ثم طرأ عليه جنون، ونحوه، أو مانع؛ كحيض، ونحوه، ثم زال المانع، وجب عليه قضاؤها، وإن كانت في وقت الثانية مجموعة، قضاهما.
(ويجوز تأخير فعلها في الوقت، مع العزم على) الفعل فيه بحيث يبقى من الوقت بقدر ما يسعها كلها، فعند ذلك يتعين فعلها، ويحرم تأخيرها. ويتعيّن فعلها أول الوقت لمن ظن مانعًا؛ كموت، وقتل، وحيض؛ خوفًا من فواتها، أو فوات أدائها.
والصلوات الخمس فعلها (أول الوقت أفضل) إلا الظهر في الحر، فتؤخر، كما تقدم. وإلا العشاء، فالأفضل تأخيرها إلى آخر الثلث الأول من الليل، إن سهل، كما تقدم. وإلا المغرب، فالأفضل تأخيرها لمُحْرِم يباح له الجمع، قاصدًا مزدلفة، إن لم يوافها.
(وتحصل الفضيلة) أي: فضيلة التعجيل (بالتأهب) للصلاة (أول الوقت) بأن يشتغل عند دخول أول الوقت بالطهارة، ونحوها.
_________________
(١) قال في المحرر ١/ ٧٤: (ومن أخبر ثقة بدخول الوقت عن علم قلّده، وإن أخبره عن اجتهاد لم يقلده). وانظر: الفروع ١/ ٤٣٧، المبدع ١/ ٣٥٢، الإنصاف ٣/ ١٧٤.
[ ١٨٠ ]
(ويجب قضاء الصلاة الفائتة) فأكثر، من الصلوات الخمس (مرتبة) نصًا؛ لحديث أحمد: «أنه ﵇ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ قالوا: يا رسول الله ما صليتها، فأمر المؤذن، فأقام الصلاة، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب» (^١)، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٢). فإن ترك الترتيب بلا عذر، لم تصح؛ لأنه شرط. ويسن صلاة الفائتة فأكثر جماعة. ويجب قضاء الفائتة (فورًا) أي: في الحال، من غير تراخ؛ لحديث: «من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه (^٣). ما لم يحصل له ضرر في بدنه، بضعف، أو في معيشة يحتاجها له، أو لعياله. أو ما لم يحضر لصلاة عيد، أو انتظار رفقة، أو جماعة لها؛ لفعله ﵊ يوم الخندق.
(ولا يصح) صلاة (النفل المطلق إذًا) أي: حيث لم يقضي الفائتة؛ لتراخيه، أو لعذر مما ذكر، ونحوه. ويصح صلاة النفل المقيد؛ كالرواتب، والوتر.
وإن قلت الفوائت، قضى سننها الرواتب معها؛ لأن النبي ﵇ لما فاتته الفجر، قضى سنتها قبلها (^٤). وإن كثرت الفوائت، فالأفضل ترك السنن.
_________________
(١) مسند أحمد برقم (١٦٩٧٥).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٠٥).
(٣) صحيح البخاري برقم (٥٧٢)، ومسلم برقم (٦٨٤).
(٤) كما جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «عرسنا مع نبي الله ﷺ، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ: ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان. قال: ففعلنا، ثم دعا =
[ ١٨١ ]
(ويسقط الترتيب بالنسيان، و) (يسقط أيضًا بضيق الوقت) إذا خشي فوات الحاضرة بخروج وقتها (و) كذا يسقط الترتيب (لـ) وخشي خروج وقت (الاختيار) (^١) لصلاة ذات وقتين، فيصلي الحاضرة في وقتها المختار.
ولا تصح نافلة، ولو راتبة، مع ضيق الوقت، فلا تنعقد؛ لتحريمها. وهكذا إذا استيقظ وشك في طلوع الشمس، بدأ بالفريضة، نص عليه؛ لأن الأصل بقاء الوقت.
(السادس: ستر العورة) الستر: بفتح السين: التغطية، وبكسرها: ما يُستر به. والعورة لغةً: النقصان، والشيء المستقبح، ومنه كلمة: عوراء، أي: قبيحة.
وفي الشرع: القُبُلُ، والدبر، وكلما يستقبح منه، حتى عن نفسه. كما يأتي بيانه (^٢).
وشرط ستر العورة (مع القدرة، بشيء لا يصف البشرة) أي: من لون البشرة، من بياضها، أو سوادها. ويكفي الستر بغير منسوج؛ كنبات، وورق، وجلد، ونحوه. ولا يجب سترها ببارية، وهي شبه الحصير من قصب ولا بحصير، ونحوهما مما يضره، ولا بحفيرة، وطين، ونحوهما؛ لأنه ليس بسترة.
_________________
(١) = بالماء، فتوضأ، ثم صلى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الغداة». أخرجه مسلم برقم (٦٨٠).
(٢) في المتن ص ٧٢: (ولو للاختيار)، وقد سقطت (لو) عند الشارح ﵀.
(٣) عند قول الماتن: (فعورة الذكر).
[ ١٨٢ ]
ويباح كشفها لتداو، وتخلّ، واغتسال، وحلق عانة، وختان، ومعرفة بلوغ، وبكارة، وثيوبة؛ لدعاء الحاجة إليه، ولزوج، وسيد، وزوجة، وأمة.
(فعورة الذكر) والخنثى، سواء كانا حرّين، أو مبعضين (^١)، أو رقيقين (البالغ عشرًا) أي: عشر سنين (و) كذا عورة (الحرة المميزة) من لها سبع سنين (و) عورة (الأمة) البالغة سبعًا (^٢) (ولو) كانت (مبعضة ما بين السرة والركبة) والسرة والركبة ليسا من العورة.
(وعورة) ذكر، وخنثى (ابن سبع) سنين (إلى عشر) سنين (الفرجان) وعلم منه أنَّ من سنه دون ذلك، لا حكم لعورته.
(والحرة البالغة) تسع سنين كلها عورة في الصلاة، إلا وجهها لحديث: «المرأة عورة» رواه الترمذي (^٣). واستثني الوجه؛ للإجماع، فيبقى العموم فيما عداه.
(وشرط في صلاة) فرض (الرجل) والخنثى (البالغ، ستر) جميع (أحد عاتقيه (^٤) بشيء من اللباس) ولو بما يصف البشرة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: «لا يصلي الرجل في
_________________
(١) المبعض: من بعضه حر، وبعضه رقيق. انظر: مطالب أولي النهى ٦/ ١٠٣.
(٢) في الأصل، الصواب: ما أثبته.
(٣) سنن الترمذي برقم (١١٧٣).
(٤) العاتق: موضع الرداء من المنكب. انظر: مختار الصحاح ص ١٧٣، مادة: (عتق).
[ ١٨٣ ]
«الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» رواه البخاري (^١). ويكفي في صلاة النفل ستر العورة، من غير ستر العاتق، ولا فرق بين أن يكون مما تستر به عورته، أو غيره.
وإذا انكشف بلا قصد في صلاة من عورة يسير، لا يفحش عرفًا؛ لعدم تحديده في الشرع. فإن فحش، وطال الزمن، بطلت. ولو كان الانكشاف يسيرًا، في زمن طويل، لم تبطل؛ لحديث عمرو بن سلمة الجرمي (^٢).
(ومن صلى) من ذكر، أو أنثى (في) ثوب، أو بقعة، وثمنها (مغصوب) ولو بعضه مشاعًا، وسواء كان في محل العورة، أو غيرها؛ لأنه يتبع بعضه بعضًا في البيع (أو) صلى الذكر في (حرير) كله، أو فيما غالبه، أو في منسوج بذهب، أو فضة (عالمًا) به (ذاكرًا) له وقت العبادة (لم تصح صلاته. فإن كان جاهلًا، أو ناسيًا، صح. ذكره المجد إجماعًا (^٣).
ومن كان عليه ثوبان، أحدهما محرم، سواء كان فوقانيًا، أو تحتانيًا، لم تصح صلاته؛ لأنه إذا قدّر عدم أحدهما، كان الآخر ساترًا.
ولا تبطل الصلاة بلبس الحرير في غير ثوب؛ كعمامة،
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٥٢)، ومسلم برقم (٥١٦).
(٢) فعنه ﷺ قال: «كانت عليّ بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي ألا تغطون عنا است قارئكم». أخرجه البخاري برقم (٤٣٠٢).
(٣) نقله عنه في الإنصاف ٣/ ٢٢٧.
[ ١٨٤ ]
وتكة (^١)، وخف غير ممسوح عليه؛ لأنه لا يصح المسح عليه لذكر، وكخاتم ذهب، أو فضة.
وتصح صلاة من حبس ببقعة غصب. والبقعة النجسة يأتي حكمها في الشرط السابع، الذي بعد هذا.
قال شيخنا في «شرحه على المنتهى»: «وعلم منه صحة صلاته؛ لعجزه عن شرطها، وهو إباحة البقعة، وطهارتها فيما يأتي في حكم نجاسة البقعة».
(ويصلي عريانًا مع) وجود ثوب (غصب) لعدم إباحة استعماله مطلقًا (ويصلي في) ثوب (حرير؛ لعدم) وجود غيره، ولو معارًا؛ لإباحة لبسه في بعض الأوقات؛ لحكة، أو ضرورة برد، ونحوه (ولا يعيد) الصلاة من صلى عريانًا، أو في حرير؛ لعدم (و) يصلي (في) ثوب (نجس؛ لعدم) غيره، مع عجز عن تطهيره في الوقت (و) لكن (يعيد) الصلاة.
ومن لم يجد إلا ما يستر عورته، أو مَنْكِبه فقط، ستر عورته. ومن لم يجد إلا ما يستر الفرجين (^٢)، سترهما، أو أحدهما، ستره، ولكن الدبر أولى، ما لم يكفِ (^٣) منكبه وعجزه فقط، فيسترهما، ويصلي جالسًا ندبًا.
ويلزم العريان تحصيل سترة بثمن المثل، في مكان القدرة،
_________________
(١) التكَّة: رباط السراويل. انظر: لسان العرب ٤٠٦/ ١٠، القاموس ص ١٢٠٧، مادة: (تكك).
(٢) في الأصل: (الفرجان)، والصواب ما أثبته.
(٣) في الأصل: (يكفي)، والصواب ما أثبته.
[ ١٨٥ ]
ولو بزيادة يسيرة. وكذا لو وجدها تؤجر، مع القدرة على الأجرة، فاضلة عن احتياجه. وكذا يلزمه قبولها عارية، ولا يلزمه القبول هبة. فإن عدم ذلك جميعًا، صلى جالسًا ندبًا، يومئ (^١) بالركوع والسجود، ولا يتربع، بل ينضام، بأن يضم إحدى فخذيه إلى الأخرى.
ومن صلى عريانًا، ووجد في صلاته سترة قريبة منه عرفًا، أخذها، وستر بها، وبنى على ما مضى من صلاته. وكذا الأمة، إذا عتقت في الصلاة، واحتاجت إليها. فإن كانت السترة بعيدة، ولم يمكنه السترة بها إلا بعمل كثير، بطلت الصلاة، وابتدأها.
والعراة يصلون جماعة، وإمامهم وسطهم وجوبًا. فإن كانوا رجالًا ونساءً، صلى كل نوع وحده، فإن شق، صلى الرجال، واستدبرهم النساء، ثم عكسوا.
ويسن إعارة السترة إذا صلى ربها، وكان ربها يعيرها، ثم يصلي بعده العراة، واحدًا بعد واحد. ويقدم بها إمام مع ضيق الوقت، ويقف أمامهم. والمرأة أولى بالعارية.
ويكره للمصلي سدل ثوب، وهو طرحه على كتفه، من غير رد طرفه على كتفه الآخر. ويكره أيضًا الاضطباع (^٢) بثوب ليس عليه غيره. وكذا تغطية فم، وأنف، ولف كم بغير سبب. ويكره للرجل
_________________
(١) هو: خفض رأسه، ويكون سجوده أخفض من ركوعه. انظر: الإقناع ١/ ٢٧١.
(٢) الاضطباع بالثوب: أن يدخل الثوب من تحت يده اليمنى، فيلقيه على منكبه الأيسر. انظر: مقاييس اللغة ٣/ ٣٨٧، مادة: (ضبع)، وهو اشتمال الصماء. انظر: الشرح الكبير ٣/ ٢٤٨.
[ ١٨٦ ]
شد وسطه بما يشبه الزُنّار (^١)، والأنثى مطلقًا يكره شد وسطها. ويكره لبس معصفر (^٢)، ومزعفر (^٣)، وأحمر صامت (^٤). ويكره لبس ثياب فوق [نصف] (^٥) ساق، وتحت كعب بلا حاجة. ويحرم إسباله خيلاء، ويباح للمرأة بزيادة ذراع.
(ويحرم على الذكر) (^٦) والخنثى (لا الإناث) حتى على الكافر؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة (لبس منسوج ومموه بذهب، أو فضة) وكذا ما طلي، أو كُفت، أو طعم بأحدهما؛ لما تقدم في الآنية. ولا يحرم ما استحيل لونه ذهب، أو فضة، ولم يتحصل منه شيء لو عرض على النار؛ لزوال علة التحريم.
(و) يحرم (لبس ما كلُّه) أي: جميعه (أو غالبه) أي: أكثره (حرير) ولو كان بطانة (^٧)؛ لحديث عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا، لم
_________________
(١) الزُنّار: حزام للنصارى والمجوس. انظر: القاموس ص ٥١٤، مختار الصحاح ص ١١٦، مادة: (زنر).
(٢) المعصفر: ما صبغ بالعصفر من الثياب. انظر: المطلع ص ١٧٧. والعصفر: نبات صيفي، يستخرج من زهره صبغ أحمر، يصبغ به الحرير، ونحوه. انظر: المعجم الوسيط ٢/ ٦٠٥، مادة: (عصفر).
(٣) المزعفر: ما صبغ بالزعفران من الثياب. انظر: مشارق الأنوار ١/ ٣١٢.
(٤) مراده المُصْمَت. وهو الذي لا يخالطه لون آخر. انظر: لسان العرب ٢/ ٥٦، القاموس ص ١٩٩، مادة: (صمت).
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
(٦) في الدليل ص ٧٣: (الذكور).
(٧) أي: ولو كان خفيًا. انظر: تهذيب اللغة ١٣/ ٢٥١، لسان العرب ٥٦/ ١٣، مادة: (بطن).
[ ١٨٧ ]
يلبسه في الآخرة» متفق عليه (^١).
ويحرم حتى على أنثى لبس ما فيه صورة حيوان، وتعليقه، وستر جدر به، وتصويره؛ لما نهى رسول الله ﷺ عن ذلك (^٢).
ويحرم على غير الأنثى افتراش الحرير؛ لنهيه ﷺ عن الجلوس عليه (^٣). وكذا استناد إليه، وتعليقه، حتى البَشْخَانة (^٤) ودخل فيه تكة، وشَرَّابة (^٥) مفردة، وخيط مسبحة، ونحو ذلك.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٥٤٩٦)، ومسلم برقم (٢٠٦٩).
(٢) عن عائشة ﵂: «أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله، أتوب إلى الله، وإلى رسوله ﷺ، ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك؛ لتقعد عليها، وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» متفق عليه. صحيح البخاري برقم (١٩٩٩)، ومسلم برقم (٢١٠٧).
(٣) عن حذيفة ﵁ قال: «نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه رواه البخاري برقم (٥٤٩٩).
(٤) البشخانة بالفارسية: (بَشَه خانه)، وبشه بمعنى بعوضة، وخانه بمعنى بيت، أي بيت البعوضة، وتجمع على بشاخين. ويراد بها: الكِلة، الناموسية. انظر: تكملة المعاجم العربية ١/ ٣٤٨. والكلة: ستر رقيق مثقب يتوقى به من البعوض وغيره. انظر: مختار الصحاح ص، ٢٤٠، المعجم الوسيط ٢/ ٧٩٦، مادة: (كلل). وهي الناموسية. انظر: المعجم الوسيط ٢/ ٩٥٤، مادة: (نمس).
(٥) الشرابة: لفظ مولد، وهي ضمة من خيوط، يعلق طرفها الواحد بالطربوش وغيره، ويتدلى طرفها الآخر. انظر: تكملة المعاجم العربية ٦/ ٢٨٢.
[ ١٨٨ ]
قال في «الآداب»: اختار الآمدي (^١) إباحة يسير الحرير مفردًا» (^٢).
نقل شيخنا في «حاشيته على الإقناع» عند قوله: «ويباح عَلَم (^٣) حرير» عن أبي بكر (^٤) أنه قال في التنبيه: يباح وإن كان مُذَهَبًا (^٥)؛ لأنه يسير أشبه الحرير، ويسير الفضة، وقال شيخنا: قلت: وقياسه الشَّاش المُقصَّب (^٦).
ويجوز من الحرير طراز الثوب قدر أربع أصابع، وكذا السِّجاف (^٧)، لا أكثر من ذلك. ويجوز لبنة جيب، وهو الزيق الذي يجعل بطوق الثوب (^٨). ويجوز رقاع الثوب بالحرير من نحو أربع
_________________
(١) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن عبد الرحمن البغدادي ﵀، المعروف بالآمدي، من أكابر أصحاب القاضي أبي يعلى، له كتاب: عمدة الحاضر وكفاية المسافر، في الفقه، في نحو أربع مجلدات. مات بآمد سنة سبع أو ثمان وستين وأربعمائة. انظر: المقصد الأرشد ٢/ ٢٥٢.
(٢) الآداب الشرعية ٤/ ١٤٩.
(٣) أي: طراز الثوب. انظر: المطلع ص ٦٣.
(٤) هو: أبو بكر، عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن معروف ﵀، المعروف بغلام، الخلال، روى عنه: ابن بطة، وابن حامد وغيرهما، من مؤلفاته: الشافي، والتنبيه في الفقه، والخلاف مع الشافعي. توفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وعمره ثمان وسبعين سنة. انظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١١٩، المقصد الأرشد ٢/ ١٢٦.
(٥) وهو رواية عن أحمد، والمذهب أنه يحرم. انظر: الإنصاف ٣/ ٢٧٠.
(٦) حواشي الإقناع ١/ ١٣٨.
(٧) السجاف: ما يُرَكَّب على حواشي الثوب. انظر: تاج العروس ٢٣/ ٤١٤، المعجم الوسيط ١/ ٤١٧، مادة: (سجف).
(٨) انظر: المطلع ص ٦٤، شرح المنتهى ١/ ٣٢٣.
[ ١٨٩ ]
أصابع، فما دون. ويجوز أيضًا أزرار، وخياطة بالحرير، وكيس المصحف.
(ويباح) لبس (ما سدي (^١» بالحرير، وألحم (^٢) بغيره من وبر، وصوف، وقطن، وكتان (^٣).
(و) يباح لبس ما (كان الحرير وغيره) المنسوج معه، من قطن، وكتان، وصوف، ونحوه (في الظهور سيان) (^٤) أي: سواء، ولو زاد الحرير وزنًا.
ويجوز لبس الحرير الخالص؛ لضرورة، أو حكة، أو قمل، أو في حالة حرب، ولو لغير حاجة. ويجوز إذا كان حشوة فراش، وجباب (^٥)، ونحوه.
_________________
(١) = والزيق: ما يكف به جيب (طوق) القميص المحيط بالعنق. انظر: المعجم الوسيط ١/ ٤٠٩، مادة: (زيق)، شرح المنتهى ١/ ٣٢٣.
(٢) السدي في الثوب: ما مُدَّ منه طولًا في النسج، وهو خلاف اللحمة. انظر: المصباح المنير ١/ ٢٧١، المعجم الوسيط ١/ ٤٢٤، مادة: (سدي).
(٣) اللحمة في الثوب: خيوط النسج العرضية، يلحم بها السدي. انظر: المعجم الوسيط ٢/ ٨١٩، مادة: (لحم).
(٤) الكتان: نبات زراعي، يزيد ارتفاعه على نصف متر، وزهرته زرقاء، ويتخذ من أليافه النسيج المعروف. انظر: المعجم الوسيط ٢/ ٧٧٦، مادة: (كتن).
(٥) كذا في الأصل، والدليل ص ٧٣. والصواب: (سيين).
(٦) الجباب: جمع جبة. انظر: لسان العرب ١/ ٢٤٩، مادة: (جبب). والجبة: ثوب سابغ، واسع الكمين، مشقوق المقدم، يلبس فوق الثياب. والدرع. انظر: المعجم الوسيط ١/ ١٠٤.
[ ١٩٠ ]
ويحرم على الولي إلباس الصغير ما يحرم على الرجل. ويجوز لبس درع (^١) مموه، إن احتاج إليه.
(السابع: اجتناب النجاسة) في الصلاة.
النجاسة لغةً: ضد الطهارة. وشرعًا: عين؛ كالميتة، ونحوه، أو صفة؛ كأثر بول، ونحوه، بمحل طاهر، منع الشرع منها بلا ضرورة. لا لأذى فيها طبعًا؛ كالسُّمِّيَّات، ولا لحق الله تعالى؛ كصيد الحرم، وصيد البر للمحرم أو لحق غير الله تعالى؛ كمال الغير إذا غصبه، ولا لحرمتها؛ كميتة الآدمي، ولا لاستقذارها؛ كنحو مني، ومخاط.
(لبدنه، وثوبه، وبقعته) التي يصلي فيها (مع القدرة) بتطهير بدنه بالماء الموجود، أو تيممه له مع عدمه، وغسل الثوب والبقعة بالماء.
(فإن حبس ببقعة نجسة، وصلى) بها (صحت) صلاته (لكن) إن كانت النجاسة يابسة ركع وسجد، و(يومئ بالنجاسة) إن كانت (الـ) نجاسة (رطبة، غاية ما يمكنه) من الإيماء (ويجلس على قدميه) تقليلًا للنجاسة.
(وإن مس ثوبه ثوبًا نجسًا، أو حائطًا) نجسًا (لم يستند إليهن، أو صلى على) محل (طاهر) من حصير، أو بساط (طرفه متنجس) ولو تحرك بحركتهن، صحت صلاته. ما لم يكن متعلقًا به، أو في يده، أو بوسطه حبل مشدود في نجس، أو في سفينة فيها
_________________
(١) الدرع: قميص من حلقات من الحديد متشابكة، يلبس وقاية من السلاح. انظر: المعجم الوسيط ١/ ٢٨٠، مادة: (درع).
[ ١٩١ ]
نجاسة، يمكن أن تنجَّرَّ معه إذا مشى، وكذا حيوان نجس، يقدر على جرِّه إذا استعصى عليه.
(أو سقطت عليه النجاسة، فزالت) سريعًا (أو أزالها سريعًا)، صحت صلاته.
(وتبطل الصلاة (إن عجز عن إزالتها) أي: النجاسة (في الحال) من غير تأخير (أو نسيها) أي: النجاسة، أو جهل عينها في الصلاة، أو جهل حكمها، أو جهل أنها كانت في الصلاة (ثم علم) أنها كانت في الصلاة، فلا تصح صلاته في هذه الصور ونحوها. وعنه: تصح صلاته إن نسي أو جهل النجاسة. قال في «الإنصاف»: «وهي الصحيحة عند أكثر المتأخرين» (^١)؛ لحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: «بينما النبي ﷺ يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فخلع الناس نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا، قال: إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما قذرًا» رواه أبو داود (^٢)، ولو بطلت لاستأنفها النبي ﷺ.
ومن حمل شيئًا باطنه نجس، لم تصح صلاته. وإن بسط على متنجس طاهرًا، أو طاهرًا (^٣) باطنه نجس، أو على علو أسفله غصب، أو بسط صفيقًا (^٤) على حرير، وصلى عليه، صحت مع الكراهة.
_________________
(١) الإنصاف ٣/ ٢٠٩.
(٢) سنن أبي داود برقم (٦٥٠).
(٣) في الأصل: (طاهر)، والصواب ما أثبته.
(٤) الصفيق: المتين، الكثيف النسج. انظر: المحكم ٦/ ٢١٣، لسان العرب ١٠/ ٢٠٤.
[ ١٩٢ ]
وإن خِيطَ جرح بنجس، أو جُبر بعظم نجس، فصح، لم تجب إزالته مع خوف ضرر، ولا يتيمم للخيط، ولا للعظم إن غطاه اللحم، فإن لم يغطه اللحم، تيمم له؛ لعدم إمكان غسله.
(ولا تصح الصلاة) في تسعة أماكن: أحدها: لا يصح الفرض، دون النفل، في داخل الكعبة. والثمانية: لا يصح الفرض، ولا النفل فيها. لكن المنع في سبعة (^١) أماكن، غير الأرض المغصوبة، وغير الكعبة، تعبدًا.
أحدها: (في الأرض المغصوبة) كما تقدم (وكذا) لو كان ثمنها مغصوبًا، أو دابة، أو سفينة. سوى صلاة جمعة، وجنازة، وعيد، فتصح نصًا. وإن صلى في الغصب جاهلًا، أو ناسيًا، صح.
الثاني: (المقبرة) بتثليث الميم؛ لنهيه ﷺ أن تتخذ القبور مساجد (^٢)، ولحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، ومعطن الإبل، ومحجة الطريق» رواه ابن ماجه (^٣). سوى صلاة الجنازة بالمقبرة، فتصح؛ لصلاته ﷺ على القبر. ولا يضر قبر، ولا قبران. قال في «الفروع»: «وأما الخَشْخَاشَة (^٤) - وتسمى الفسقية - فيها أموات كثيرون، فهي قبر واحد».
_________________
(١) في الهامش: (منها).
(٢) وذلك بقوله ﷺ: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم برقم (٥٣٢).
(٣) سنن ابن ماجه برقم (٧٤٧)، ورواه الترمذي برقم (٣٦٤).
(٤) الخشخاشة: بيت تدفن فيه الموتى، فتطبق على بابه صخرة كبيرة. انظر:
[ ١٩٣ ]
(و) الثالث: (المجزرة) وهو مكان الذبح.
(و) الرابع: (المزبلة) وهو محل مجمع الزبالة.
(و) الخامس: (الحش) بفتح الحاء، وضمها، وهو محل قضاء الحاجة، فيمنع من الصلاة من داخل بابه؛ لأنه لما منع الشرع من الكلام فيه، فمنع الصلاة فيه أولى؛ لكونها متضمنة ذكر الله تعالى.
(و) السادس: (أعطان الإبل) جمع: عطن - بفتح الطاء، وهي المعاطن، جمع معطن - بكسر الطاء -؛ لحديث: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في مبارك الإبل» رواه أحمد (^١) والأعطان: ما تقيم فيها الإبل، وتأوي إليها. وأما ما تبيت [فيه] (^٢) الإبل في سيرها، أو تناخ فيه لعلفها، أو سقيها، فلا يمنع من الصلاة فيه.
(و) السابع: (قارعة الطريق) أي: محل قرع الأقدام من الطريق، وهي المحجة، سواء كان فيها سالك أو لا. سوى صلاة عيد، وجمعة، وجنازة، وكسوف، واستسقاء؛ لضرورة؛ كضيق مسجد، ومصلى؛ لاضطرارهم للصلاة في الطريق؛ للحاجة. وسوى الصلاة على الراحلة في الطريق، كما يأتي.
(و) الثامن: (الحمام) وما يلحقه في المبيع.
_________________
(١) = تكملة المعاجم العربية ٤/ ١٠٠، وهي لغة عامية. انظر: كشاف القناع ٢/ ٢٠١.
(٢) مسند أحمد برقم (١٧٣٥١)، ورواه ابن ماجه برقم (٧٦٩).
(٣) زيادة يقتضيها السياق، مستفادة من شرح المنتهى ١/ ٣٣٣.
[ ١٩٤ ]
(وأسطحة هذه) الثمانية مواضع (مثلها) في عدم صحة الصلاة فيها.
ولا تصح الصلاة على سطح النهر تعبدًا، وكذا ساباط (^١)، وجسر عليه. قاله السامري (^٢)؛ لأن الماء لا يصلى عليه. قاله ابن عقيل (^٣). وقال غيره: كالطريق. وقال في «الإقناع»: «والمختار - يعني: في الصلاة على سطح النهر - الصحة؛ كالسفينة. قاله أبو المعالي (^٤)، وغيره» (^٥). ولو جمد الماء، فكالطريق. قاله أبو المعالي (^٦). وجزم ابن تميم بالصحة.
_________________
(١) الساباط: سقيفة بين دارين تحتها طريق نافذ. انظر: أساس البلاغة ص ٢٨٣، مادة: (سبط).
(٢) هو: الفقيه، الفرضي، أبو عبد الله، نصير الدين، محمد بن عبد الله بن الحسين السَّامريُّ ﵀، ولد سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بسامراء، من مؤلفاته: المستوعب والفروق والبستان في الفرائض. توفي سنة ست عشرة وستمائة ببغداد. انظر شذرات الذهب ٥/ ٧٠.
(٣) نقله عنه في الفروع ٢/ ١٠٨، وابن عقيل هو: أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغداديُّ ﵀، ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وأخذ الفقه عن القاضي أبي يعلى، وله تصانيف كثيرة في أنواع العلم، منها في الفقه: التذكرة، وكفاية المفتي، والمنثور. توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. انظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٢٥٩.
(٤) القاضي، وجيه الدين، أبو المعالي، أسعد، ويسمى محمد بن المنجا بن بركات التنوخي ﵀، ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة، من مؤلفاته: الخلاصة في الفقه، والعمدة، والنهاية في شرح الهداية. توفي سنة ست وستمائة. انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٤٩، الدر المنضد ١/ ٣٢٨.
(٥) انظر: الإقناع ١/ ١٤٨.
(٦) نقله عنه في الفروع ٢/ ١٠٨.
[ ١٩٥ ]
(و) التاسع: (لا يصح صلاة الفرض في داخل الكعبة، و) داخل (الحِجْر) والحِجْر ستة أذرع وشيء، ويصح التوجه إليه في الصلاة مطلقًا (منها) أي: من الكعبة (ولا) تصح الصلاة أيضًا (على ظهرها) أي: ظهر الكعبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، والشطر: الجهة، والمصلي فيها، أو على سطحها، غير مستقبل لجهتها، ولأنه يستدبر من الكعبة ما لو استقبله منها خارجها صحت ولأن نهي الصلاة على ظهرها ورد في حديث ابن عمر السابق (إلا إذا) وقف المصلي على منتهاها، و(لم يبق وراءه شيء) منها، أو وقف خارجها، وسجد فيها، فيصح فرضه.
(ويصح) أيضًا ما نذر من صلاة (النذر فيها، وعليها) أي: على سطحها (وكذا) يصح (النفل) فيها، وعليها (بل يسن) الصلاة (فيها)؛ لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «حين دخل رسول الله ﷺ البيت، وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا، فسألته: هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين، بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة ركعتين» رواه الشيخان (^١).
وتصح الصلاة في جميع الأماكن المذكورة لعذر، كمن حبس في موضع منها، لا لخوف فوت الوقت، في ظاهر كلام.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٨٨)، ومسلم برقم (١٣٢٩).
[ ١٩٦ ]
الأصحاب (^١). ويكره الصلاة إليها بلا حائل، ولو كان الحائل كمؤخر رحل (^٢). ولو غيرت مواضع النهي، وصلى فيها، صحت الصلاة؛ لزوال المانع. سوى أرض الغصب، فلا تصح الصلاة فيها، ولو غيرت هيئتها، وعملت مسجدًا. قال في «الإقناع»: «وإن غيرت هيئة مسجد، فكغصبه» في صلاته فيه؛ قاله في «الرعاية». قال شيخنا في شرحه على الإقناع: «فيؤخذ منه: لو صلى غيره فيه، صحت؛ لأنه مباح له».
ولا تصح الصلاة في مسجد حدث بمقبرة، سوى صلاة جنازة، كما تقدم. وإن حدث بعد بناء المسجد قبور حوله، أو في قبلته، كرهت الصلاة إليها بلا حائل. وفي «الهدي»: «لو وضع القبر والمسجد معًا، لم يجز، ولم يصح الوقف، ولا الصلاة». انتهى. ولو حدث طريق بعد بناء المسجد، صحت الصلاة فيه.
تتمة: لا تكره الصلاة في كنيسة، ولا بيعة (^٣)، ولو مع صور فيها. ولا بأس بالصلاة في أرض الغير، ولو كانت مزروعة، ولو بغير إذن ربها، بلا غصب، ولا ضرر.
(الثامن: استقبال القبلة) لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، قال علي رضي الله تعالى عنه:
_________________
(١) انظر: المبدع ١/ ٣٩٤، حاشية ابن قندس على الفروع ٢/ ١٠٧، شرح المنتهى ١/ ٣٣٥. حاشية المنتهى ١/ ١٧٤.
(٢) وهي: الخشبة التي يستند إليها الراكب على البعير. انظر: لسان العرب ٤/ ١٢، مختار الصحاح ص ٤، مادة: (أخر).
(٣) البيعة: كنيسة النصارى. وقيل: كنيسة اليهود. انظر: تفسير البحر المحيط ٦/ ٣٤٧، لسان العرب ٨/ ٢٦، مادة: (بيع).
[ ١٩٧ ]
«شَطْرَهُ»: قِبَلَهُ (^١)، ولقوله ﵊: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة» (^٢).
وأصل القبلة لغةً: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها؛ كالجلسة. وسميت قبلة؛ لإقبال الناس عليها.
(مع القدرة) على استقبالها، فإن عجز عنه، كمربوط، ومصلوب، أو عجز عن التفات إليها؛ كمريض، أو فرار من عدو، ونحوه، سقط الاستقبال، وصلى على حاله؛ لحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^٣). إلا في نفل مسافر سفرًا مباحًا، ولو كان ماشيًا، ولو سفرًا قصيرًا، دون فرسخ (^٤)، نص عليه، فيصلي لجهة سيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، قال ابن عمر: «نزلت في التطوع خاصة» (^٥)، ولحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا: «كان يصلي على ظهر راحلته، حيث كان وجهه، يومئ برأسه»، وكان ابن عمر يفعله. متفق عليه، وللبخاري: «إلا الفرائض» (^٦).
_________________
(١) رواه ابن جرير في التفسير ٢/ ٢٢، والحاكم ٢/ ٢٩٥، وقال: (صحيح الإسناد).
(٢) متفق عليه، صحيح البخاري برقم (٦٢٩٠)، ومسلم برقم (٣٩٧).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري برقم (٦٨٥٨)، ومسلم برقم (١٣٣٧).
(٤) وهو ثلاثة أميال، ويعادل ٥٥٤٠ مترًا. انظر: التعليق على الإيضاح والتبيان ص ٧٧.
(٥) رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم (٢٣٣٥).
(٦) رواه البخاري برقم (٩٥٥)، ومسلم برقم (٧٠٠). وفي مسلم: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة».
[ ١٩٨ ]
فيلزم المتنفل لجهة سيره، افتتاح الصلاة بالإحرام مع الإمكان إلى القبلة بالدابة، أو بنفسه، ويركع ويسجد أيضًا للقبلة، إن أمكنه بلا مشقة، وإلا، فيحرم إلى جهة سيره، ويومئ بركوع وسجود، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، ويلزمه الطمأنينة. وراكب المحفة (^١) الواسعة، والسفينة، والراحلة الواقفة، يلزمه الاستقبال في كل صلاته.
ومن كان سيره لجهة القبلة، فعدلت به دابته إلى غير جهة القبلة. فإن علم بعدولها، وقدر على ردها، ولم يفعل [طال العدول، أو لم يطل]، بطلت. وإن لم يقدر على ردها؛ لعجزه عنها، فإن طال الزمن عرفًا، بطلت، وإلا، لم تبطل. وإن عدل هو عمدًا، بطلت. وإن كان لغفلة، أو نوم، أو جهل، أو ظن أنها جهة سيره، وطال عدوله عرفًا، بطلت، وإلا بأن كان يسيرًا، ورجع إلى جهة القبلة، لم تبطل. وإن كان عذره السهو، سجد وجوبًا. وإن كان صلى لجهة سيره، وعدلت الدابة، أو هو لجهة القبلة، لم تبطل.
وإن داس نجاسة عمدًا، بطلت صلاته. فإن لم يكن عمدًا، فإن أزالها سريعًا، من غير أن يتعلق به منها شيء، لم تبطل، وإلا، بطلت. وإن داسها مركوبه، فصلاته صحيحة.
تتمة: وفرض من يمكنه مشاهدة الكعبة، أو من يخبره عن يقين، ولو مع حائل حادث إصابة العين ببدنه، بحيث لا يخرج
_________________
(١) المحفة: مركب للنساء، كالهودج، إلا أن الهودج يقبب، والمحفة لا تقبب، سميت بذلك؛ لأن الخشب يحف ويحيط بالقاعد فيها من جميع جوانبه. لسان العرب ٩/ ٤٩، مادة: (حفف).
[ ١٩٩ ]
شيء منه عنها، وكذا فرض من بمسجده ﷺ إصابة العين؛ لأنه ﷺ صلى ركعتين قبل القبلة، وقال: «هذه القبلة» (^١). قال في «الشرح الكبير»: «وفيه نظر؛ لأن صلاة الصف المستطيل في مسجد النبي ﷺ صحيحة، مع خروج بعضهم عن استقبال عين الكعبة؛ لكون الصف أطول منها. وقولهم: إنه ﵊ لا يقر على الخطأ، صحيح. لكن إنما الواجب عليه استقبال الجهة، وقد فعله. وهذا الجواب عن الحديث المذكور». انتهى (^٢). قال شيخنا في «شرحه على المنتهى»: «وقد يجاب: أن المراد بقولهم: فرضه استقبال العين، أي: أنه لا يجوز في مسجده ﵊، وما قرب منه، الانحراف يَمنة ولا يَسرة، كمن بالمسجد الحرام؛ لأن قبلته بالنص، فلا يمكن مخالفته. قال الناظم (^٣): وفي معناه: كل موضع ثبت أنه ﵊ صلى فيه، إذا ضبطت جهته».
وفرض من بَعُدَ عن الكعبة، وعن مسجده ﷺ، ولم يقدر
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٨٩) عن ابن عباس ﵄، ولفظه: «لما دخل النبي ﷺ البيت، دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قِبَل الكعبة، وقال: هذه القبلة»، ومسلم عن أسامة بن زيد ﵁، برقم (١٣٣٠).
(٢) الشرح الكبير ٣/ ٣٣١.
(٣) هو: الفقيه، المحدث، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي، المرداوي، ولد سنة ثلاثين وستمائة، من تصانيفه الفقهية: القصيدة الطويلة الدالية، ومجمع البحرين ولم يتمه، والفروق. توفي سنة تسع وتسعين وستمائة. انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٤٢.
[ ٢٠٠ ]
على المعاينة، ولا من يخبره بالعين، إصابة الجهة بالاجتهاد، ويعفى عن انحراف يسير؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» رواه ابن ماجه (^١)، ولانعقاد الإجماع على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة، وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو (^٢). لا يقال: مع البعد يتسع المحاذي؛ لأنه إنما يتسع مع التقويس، لا مع عدمه.
(فإن لم يجد) المصلي (من يخبره عنها) أي: عن القبلة (بيقين، صلى بالاجتهاد، فإن) تبين بعد صلاته أنه (أخطأ)، فلا إعادة عليه.
ومتى اشتبهت القبلة سفرًا، اجتهد في طلبها وجوبًا بالدلائل. ويستحب تعلم أدلة القبلة والوقت.
ويجب على عالم بأدلة القبلة، تحرّ لكل صلاة. فإن تغير اجتهاده، ولو كان في الصلاة، عمل بالاجتهاد الثاني، فيستدير إلى الجهة التي ظهرت له، وبنى على ما مضى من صلاته نصًا.
ومن أخبر وهو في الصلاة بالخطأ، وكان الإخبار يقينًا، والمخبر ثقة، لزم قبوله، فيعمل به، ويترك الاجتهاد.
(التاسع: النية) وهي لغةً: القصد، وهو عزم القلب على الشيء.
فتجزئ وإن لم يتلفظ بها، ولا يضر سبق لسانه بغير قصده.
_________________
(١) سنن ابن ماجه، برقم (١٠١١)، ورواه الترمذي برقم (٣٣٤) وقال: «حديث حسن صحيح».
(٢) حكى الإجماع في الكافي ١/ ٢٧٥، والشرح الكبير ٣/ ٣٣٣.
[ ٢٠١ ]
(ولا تسقط) أي: النية في الصلاة (بحال). ومحلها القلب. وحقيقتها العزم على فعل الشيء من عبادة، وغيرها، ويزاد في حد نية العبادة: أن يتقرب بها إلى الله تعالى، وأن لا يقصد بها إلا الله تعالى دون كل شيء، من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح منهم، أو نحوه، وهذا هو الإخلاص. ودرجات الإخلاص ثلاثة:
عُليا: وهي أن يعمل العبد لله وحده، امتثالًا لأمره، وقيامًا بحق عبوديته.
ووسطى: وهي أن يعمل لثواب الآخرة.
ودنيا: وهي أن يعمل للإكرام في الدنيا، والسلامة من آفاتها.
وما عدا ذلك من الرياء.
(وشرطها) أي: النية (الإسلام) فلا تصح من الكافر (والعقل) فلا تصح من المجنون (والتمييز) فلا تصح ممن هو دون التمييز.
(وزمنها) أي: وقت النية، عند (أول) فعل (العبادة، أو قبيلها بيسير) وإن كان قبلها بكثير، استأنف النية (والأفضل قرنها بالتكبير) أي: أن يأتي بها عند تكبيرة الإحرام.
(وشرط) بالبناء للمفعول (مع نية الصلاة، تعيين ما يصليه من) فرض كـ (ظهر، أو عصر، أو) من نفل ك (وتر، أو راتبة وإلا) أي: وإن لم تكن الصلاة معينة، بأن كانت نفلًا مطلقًا (أجزأته نية الصلاة) لعدم التعيين فيها.
[ ٢٠٢ ]
(ولا يشترط تعيين كون الصلاة حاضرة، أو قضاء) لأنه يصح نية الأداء بنية القضاء، ونية القضاء بنية الأداء. فلو أحرم بصبح أداء، ظانًّا أنَّ الشمس لم تطلع، فبان طلوعها، صحت قضاء. وكما لو أحرم بالظهر قضاءً، ظانًّا أن وقتها فات، فبان بقاء الوقت، صحت أداء (و) لا يشترط تعيين كون الصلاة (فرضًا) أو نفلًا.
ومن أتى بما يفسد الفرض فقط، دون النفل؛ كترك القيام بلا عذر، وترك رجل ستر أحد عاتقيه، ونحوه، انقلب فرضه نفلًا.
(ويشترط) لمن صلى جماعة، فرضًا كان، أو نفلًا (نية الإمامة للإمام، ونية الائتمام للمأموم) فلا يصح أن يأتم بمن نوى الصلاة منفردًا؛ لعدم نيته الإمامة. وكذا لا يصح أن ينوي الائتمام بمن نوى الإمامة نفلًا.
(وتصح [نية] المفارقة لكل منهما) أي: من الإمام والمأموم (لعذر يبيح ترك الجماعة ويقرأ مأموم فارق) إمامه (في) حالة ال (قيام، أو) أنه (يكمل) على قراءة إمامه، إن كان إمامه قرأ البعض (و) إن كان المأموم فارق الإمام (بعد) قراءة (الفاتحة) ف (له الركوع في الحال) فإن ظن أن إمامه قرأ الفاتحة في صلاة سر، لم يلزمه قراءة؛ لإجراء الظن مجرى اليقين.
وإن أحرم إمام لغَيْبَة إمام راتب، أو أذن الإمام الراتب في النيابة عنه، ثم حضر الإمام الراتب، فتقدم، وأحرم، صحت، وبنى صلاته على صلاة الإمام الأول، الذي أحرم لغيبته، وتأخر الإمام الأول، وصار مأمومًا بالإمام الراتب؛ لما روى سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: «ذهب رسول الله ﷺ إلى بني عمرو بن عوف؛ ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فصلى أبو بكر، فجاء
[ ٢٠٣ ]
رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فخلص حتى وقف في الصف، فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، فتقدم النبي ﷺ، فصلى، ثم انصرف متفق عليه (^١). والأولى تركه؛ خروجًا من الخلاف.
ويصح إذا استخلف إمام أمامًا، لحدوث مرض به، أو خوف، أو حُضِر (^٢) له عن قول واجب؛ كقراءة، وتشهد، وتسميع، وتكبير، وتسبيح ركوع وسجود، ونحوه؛ لوجود القدر الحاصل للإمام، مع بقاء صلاته، وصلاة المأمومين. ويبني خليفة الإمام على ترتيب الإمام الأول. ولو كان المستخلف مسبوقًا، فيجوز استخلافه، ويبني على صلاة إمامه. ثم إنه إن استخلف من يسلم بهم، فسلموا، وإن لم يستخلف، فلهم أن يسلموا، أو أن ينتظروا الإمام المستخلف، حتى يتم صلاته، ويسلّم، ويسلمون معه.
وإن فارق مأموم إمامه في صلاة جمعة، بعد أن أدرك معه الأولى، أتمها جمعة.
(ومن أحرم بفرض، ثم قلبه نفلًا، صح إن اتسع الوقت) لفعل النفل، والفرض بعدها (وإلا) بأن لم يتسع الوقت (لم يصح) النفل (وبطل فرضه) الذي قلبه نفلًا.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٦٥٢)، ومسلم برقم (٤٢١).
(٢) الحَصْر: المنع. انظر: تاج العروس ١١/ ٣٢، مادة: (حصر). فالمراد: لو حدث له ما يمنع من قول واجب.
[ ٢٠٤ ]