هو استفعال من السقيا، أي: باب الصلاة؛ لأجل الاستسقاء. وهو الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة. والسقيا بضمّ السين الاسم من السقي.
(وهي) أي: صلاة الاستسقاء (سنة) مؤكدة، حضرًا، وسفرًا، إذا أجدبت الأرض، وهو ضد الخصب، وقحط المطر، وهو احتباسه.
(ووقتها وصفتها، وأحكامها كصلاة العيد) قال ابن عباس: «صلى النبي ﷺ ركعتين، كما يصلي العيد» (^١). ويسن فعلها أول النهار، وقت صلاة العيد.
(وإذا أراد الإمام الخروج لها، وعظ الناس) أي: خوفهم، وذكرهم بالخير؛ ليُرِق قلوبهم، وينصحهم، ويذكرهم بالعواقب (وأمرهم بالتوبة، و) ب (الخروج من المظالم) بردها إلى مستحقيها، وأمرهم بالصيام. قال جماعة: ثلاثة أيام (^٢)؛ لأنه ورد
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم (١١٦٥)، والترمذي برقم (٥٥٨)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».
(٢) نقله عنهم في الفروع ٣/ ٢٢٧. وقدم في الإنصاف ٥/ ٤١٥ الأمر بالصوم من غير عدد.
[ ٣٣٣ ]
أن دعوة الصائم لا ترد (^١).
ولا يلزمهم الصيام بأمره. والخروج في آخرها يكون. ويأمرهم بالصدقة، وترك التشاحن.
(ويتنظف لها) بالغسل، والسواك، وتقليم الأظفار (ولا يتطيب) وفاقا (^٢) (ويخرج) إلى المصلى (متواضعا) في ثياب بذلة (^٣) (متخشعا) أي: خاشعا (متذللا، متضرعا) لحديث ابن عباس (^٤).
(و) يستحب أن يكون (معه أهل الدين، والصلاح، والشيوخ) لأنه أسرع لإجابتهم، وكذا المميز من الصبيان.
(ويباح خروج الأطفال، والعجائز، والبهائم) لأن الرزق مشترك بين الكل. وروى البزار مرفوعا: «لولا أطفال رضع، وعباد ركع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا» (^٥). وروي «أن سليمان ﵊ خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية، وهي تقول:
_________________
(١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم …» رواه الترمذي برقم (٣٥٩٨) وقال: «حديث حسن»، وابن ماجه برقم (١٧٥٢).
(٢) أي: ما وافقنا عليه الأئمة الثلاثة، أو كان الأصح في مذهبهم. انظر: الفروع ١/ ٦. وانظر: تبيين الحقائق ١/ ٢٣١، التاج والإكليل ٢/ ٢٠٦، روضة الطالبين ٢/ ٩٠.
(٣) أي: ثوب عادة، تاركا التزين. انظر: تاج العروس ٢٨/ ٧١، مادة: (بذل).
(٤) هو الحديث المتقدم وفيه: «خرج رسول الله ﷺ متواضعا، متبذلا، متخشعا، مترسلا، متضرعا».
(٥) رواه الطبراني في الأوسط برقم (٧٨٥).
[ ٣٣٤ ]
اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم» (^١).
وتؤمر سادة العبيد بإخراج عبيدهم؛ لما عندهم من الانكسار؛ بسبب الرق.
ويكره أن يخرج النساء الحسنات، وأهل الذمة (^٢). فإن خرج أهل الذمة لأنفسهم، لم يمنعوا، وأمروا بالانفراد عن المسلمين؛ لئلا يصيبهم عذاب، فيعم من حضرهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
(و) يسن (التوسل بالنبي ﷺ، جزم به في «المستوعب» (^٣)، ويتوسل أيضًا (بالصالحين (^٤)، ثم) (^٥) يصلي الإمام بالمسلمين ركعتين يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير، كخطبة العيد، و).
_________________
(١) روى ابن أبي شيبة ٦/ ٦٢: عن أبي الصديق الناجي: «أن سليمان بن داود خرج بالناس يستسقي، فمر على نملة مستلقية على قفاها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس لنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقينا، وإما أن تهلكنا. فقال سليمان للناس: ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم».
(٢) أهل الذمة: الكفار المقيمون تحت ذمة المسلمين بالجزية. انظر: الدر النقي ١/ ٢٨٩.
(٣) كذا في الفروع ٣/ ٢٢٩، والمبدع ٢/ ٢٠٤، الإنصاف ٥/ ٤٢٠، وكشاف القناع ٣/ ٤٥٥.
(٤) قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في تحقيقه لبلغة الساغب ص ٩٨: (إن أراد التوسل بدعائهم أحياء، فَنَعِم. وإن أراد التوسل بهم، بمعنى جعلهم وسائط بينه وبين الله، فلا).
(٥) في المتن: (فيصلي، ثم يخطب).
[ ٣٣٥ ]
يكثر [في الخطبة] (^١) من الصلاة على النبي ﷺ؛ لإجابة الدعاء، ويكثر فيها من (الاستغفار) لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] (وقراءة آيات فيها الأمر به) أي: بالاستغفار.
(وي) سن (رفع يديه) وقت الدعاء، حتى يرى بياض إبطيه (و) أن يجعل ظهورهما نحو أي جهة (السماء) لما رواه مسلم (^٢)، ويدعو قائمًا، ويكثر من الدعاء؛ لقوله ﷺ: «إن الله يحب الملحين (في) الدعاء» (^٣)، وإنَّ من الإلحاح تكرار الدعاء ثلاثًا، وأي شيء دعا به جاز، ولكن الأفضل أن يـ (دعو بدعاء النبي ﷺ) وهو: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، هنيئًا مريئًا، مريعًا، غدقًا، مجللًا، سحًا، عامًا، طبقًا دائمًا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل. اللهم اسق بهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت. اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين. اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق. اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء، والجَهْد والضَّنك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك. اللهم ارفع عنا الجوع، والجَهْد، والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا»، هذا الدعاء رواه ابن عمر، عن
_________________
(١) ما بين المعقوفتين لحق في طرف اللوحة ولم يختم ب (صح).
(٢) عن أنس بن مالك ﵁: «أن النبي استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء» صحيح مسلم برقم (٨٩٦).
(٣) هو من حديث عائشة ﵂. أخرجه العقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٥٢، والطبراني في الدعاء ١/ ٢٨.
[ ٣٣٦ ]
النبي ﷺ (^١)، غير أن قوله: «سقيا» إلى قوله: «ولا هدم» رواه الشافعي (^٢).
(ويؤمن) على الدعاء الحاضر من (المأمومين) ثم يستقبل القبلة في أثناء الخطبة، فيقول سرًا لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأسرع إلى الإجابة: (اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا)، لأن في ذلك استنجاز لما وعد من فضله (ثم يحوّل رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن) لفعله ﷺ؛ لما رواه أحمد، من حديث أبي هريرة (^٣) (وكذا الناس، ويتركونه) أي: الرداء محولًا (حتى ينزعوه مع ثيابهم) لعدم ورود إعادته، (فإذا فرغ من الدعاء، استقبلهم، ثم حثهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي ﷺ، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يقول: أستغفر الله لي، ولكم، ولجميع المسلمين) ذكره السامري (^٤).
_________________
(١) أخرجه بنحوه البيهقي في معرفة السنن برقم (٦٠٥٠)، من طريق الشافعي في الأم ١/ ٢٥١ معلقًا.
(٢) الأم ١/ ٢٥١، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٣٥٦.
(٣) مسند أحمد برقم (٨٣٢٧). ولفظه: قال: «خرج نبي الله ﷺ يومًا يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعًا يده، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن»، ورواه ابن ماجه برقم (١٢٦٨).
(٤) في المستوعب ٣/ ٨٨. وانظر: الإقناع ١/ ٣٢٠، غاية المنتهى ١/ ٢٥٦.
[ ٣٣٧ ]
(فإن سقوا) فذلك من فضل الله تعالى ونعمته (وإلا أعادوا) في اليوم ال (ثاني، وكذا في اليوم الثالث لأنه من باب الإلحاح في الدعاء، وأبلغ في التضرع، وقد ورد أن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء، كما تقدم.
ويسن الوقوف في أول المطر، و) يسن (الوضوء، والاغتسال منه) أي: من المطر (و) يسن (إخراج رحله) أي: ما يصحبه من الأثاث (و) إخراج (ثيابه ليصيبها) المطر؛ لقول أنس (^١).
(وإن كثر المطر حتى خيف منه، سُنَّ قول: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام) جمع: أكم، قال عياض: «هو ما غلظ من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله؛ كالتلول، ونحوها». وقال مالك: «هي الجبال الصغار» (^٢).
وقال الخليل: «هي حجر واحد» (والظراب) أي: الروابي الصغار (وبطون الأودية) أي: الأمكنة المنخفضة (^٣) (ومنابت الشجر) أي: أصولها؛ لما ورد في «الصحيحين» أنه ﷺ كان يقول ذلك (^٤). ثم يقرأ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (الآية) [البقرة: ٢٨٦] لأنها لائقة بالحال، فاستحب قراءتها، وكذا يفعل إذا زاد ماء العيون.
_________________
(١) قال ﷺ: «أصابنا ونحن مع رسول الله مطر، قال: فحسر رسول الله ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا، قال: لأنه حديث عهد بربه تعالى» رواه مسلم برقم (٨٩٨).
(٢) نقله عنه في مشارق الأنوار ١/ ٣٠.
(٣) في الأصل: (الخفضة).
(٤) صحيح البخاري برقم (٩٦٨)، ومسلم برقم (٨٩٧).
[ ٣٣٨ ]
ويستحب الدعاء عند نزول الغيث وسن قول: مطرنا بفضل الله تعالى (ورحمته ويحرم) قول: (مطرنا بنوء) النوء: النجم إذا مال إلى الغروب (كذا) أي: الفلاني. وإضافة المطر إلى غير الله تعالى، اعتقاده كفر إجماعًا؛ قاله في «الفروع» (^١) (ويباح) قول: مطرنا (في نوء كذا) أي: في نجم كذا.
تتمة: من رأى سحابًا، أو مهب الريح، سأل الله تعالى خيره، وتعوذ من شره. ولا يسب الريح إذا عصفت؛ للنهي عن سب الريح؛ لأنه من روح الله (^٢)، بل يقول: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به، اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا.
ويقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.
ويقول إذا انقض الكوكب: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.
وإذا سمع نهيق حمار، أو نُباح كلب بضم النون استعاذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لحديث أبي داود (^٣).
_________________
(١) الفروع ٣/ ٢٣٤.
(٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا الريح؛ فإنها من روح الله، تأتي بالرحمة والعذاب، ولكن سلوا الله من خيرها، وتعوذوا بالله من شرها» رواه أبو داود برقم (٥٠٩٧)، وابن ماجه برقم (٣٧٢٧).
(٣) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سمعتم نباح الكلاب، ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله، فإنهن يرين ما لا ترون» سنن أبي داود برقم (٥١٠٣).
[ ٣٣٩ ]
وإذا سمع صياح الديكة، سأل الله من فضله؛ لخبر «الصحيحين» (^١). قال في «الآداب»: «يستحب قطع القراءة لذلك، كما ذكروا قطعها للأذان» (^٢)، قال شيخنا: «وظاهره: ولو تكرر».
وورد في الخبر: «أن قوس قزح أمان لأهل الأرض من الغرق» (^٣).
* * *
_________________
(١) قال النبي ﷺ: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنه رأى شيطانا» صحيح البخاري برقم (٣١٢٧)، ومسلم برقم (٢٠٩٢).
(٢) الآداب الشرعية ٣/ ٥٢١.
(٣) عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا قوس قزح؛ فإن قزح شيطان، ولكن قولوا: قوس الله ﷿، فهو أمان لأهل الأرض من الغرق» أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٠٩، والخطيب في تاريخ بغداد ٨/ ٤٥١.
[ ٣٤٠ ]