قال في «الاختيارات»: «التطوع يكمل به صلاة الفرض يوم القيامة، إن لم يكن المصلي أتمها، كما ورد في الخبر (^١). وكذلك سائر الأعمال».
والتطوع في الأصل: فعل الطاعة. وشرعًا، وعرفًا (^٢): طاعة غير واجبة.
والنفل، والنافلة: الزيادة.
(وهي) أي: صلاة التطوع (أفضل تطوع البدن، بعد الجهاد) وتوابعه، من نفقة، ونحوها، قال الله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥]، (و) بعد (العلم) ورد في الحديث: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم».
_________________
(١) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب: انظروا، هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك» رواه أبو داود، برقم (٨٦٤)، والترمذي برقم (٤١٣)، وقال: «حديث حسن غريب».
(٢) العرف هو ما استقر في النفوس، من جهة شهادات العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول. انظر: الكليات (ص ٦١٧).
[ ٢٥١ ]
الحديث (^١)، وقال أبو الدرداء: «العالم والمتعلّم في الأجر سواء، وسائر الناس همج (^٢)، لا خير فيهم (^٣)» وتقدّم ما فيه كفاية ممّا ورد في فضل العلم أوّل الكتاب.
(وأفضلها) أي: أفضل صلاة التطوّع (ما سنّ جماعة) لأنه أشبه بالفرائض.
(وأكدها) أي: أكد صلاة التطوّع (الكسوف) لعدم ترك النبي ﷺ فعلها عند وجود سببها، فصلاة (الاستسقاء) لأنّ النبي ﷺ كان يستسقي تارة، ويترك أخرى فصلاة (تراويح) لعدم مداومة النبي ﷺ عليها (^٤) فصلاة (وتر).
والجماعة شرعت للصلوات المذكورة، ما عدا الوتر، فإنه إنّما شرع له الجماعة تبعًا للتراويح. وكان الوتر واجبًا على النبي ﷺ (^٥).
_________________
(١) تقدّم تخريجه.
(٢) الهمجة من الرجال: الذي لا عقل له. انظر: الفائق ٢٩/ ٢، غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٥٠٠.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في الزهد ص ١٣٧.
(٤) جاء في المتفق عليه، عن عائشة: «أنّ رسول الله صلى ذات ليلة في المسجد، فصلّى بصلاته ناس، ثمّ صلّى من القابلة، فكثر الناس، ثمّ اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله، فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أني خشيت أن تفرض عليكم» صحيح البخاري برقم (١٠٧٧)، ومسلم برقم (٧٦١).
(٥) عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ قال: «ثلاث هنّ علي فرائض، وهنّ لكم تطوّع: الوتر والنحر، وصلاة الضحى» رواه أحمد برقم (٢٠٥٠).
[ ٢٥٢ ]
(وأقله) أي: الوتر (ركعة) لحديث ابن عمر: «الوتر ركعة من آخر الليل» رواه مسلم (^١) (وأكثره إحدى عشر [ة]) ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بركعة؛ لحديث عائشة (^٢) (وأدنى الكمال ثلاث) ركعات (بسلامين) يصلي ركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي ركعة، ثم يسلم، ويجوز إن صلى الأحد عشر (^٣) ركعة (ب) سلام (واحد) يسردهن (سردًا) من غير جلوس إلا للتشهد الأخير. ومن صلى ثلاثًا، سُن أن يقرأ في الأولى ب ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١]، والثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون]، والثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص].
(ووقته) أي: وقت الوتر (ما بين صلاة العشاء، وطلوع الفجر)، قال شيخنا في «شرحه على الإقناع»: «وفهم منه أنه يصح بعد العشاء، قبل سنتها، لكنه خلاف الأولى».
(ويقنت فيه) أي: في الركعة الأخيرة من الوتر (بعد الركوع ندبًا) لحديث أبي هريرة ﵁ (^٤) (فلو كبر، ورفع يديه) من غير ركوع (ثم قنت قبل الركوع، جاز) ذلك؛ لحديث [أبي بن] كعب (^٥).
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٧٥٢).
(٢) ولفظه: قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدعو الناس العتمة، إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة» رواه مسلم برقم (٧٣٦).
(٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: (الإحدى عشرة).
(٤) ولفظه: «أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع» متفق عليه، واللفظ للبخاري. صحيح البخاري برقم (٤٢٨٤)، ومسلم برقم (٦٧٥).
(٥) ولفظه: «أن رسول الله كان يوتر، فيقنت قبل الركوع» رواه أبو داود =
[ ٢٥٣ ]
(ولا بأس) ب (أن يدعو في قنوته بما شاء) بعد رفع يديه إلى صدره، يبسطهما وبطونهما نحو السماء، ولو كان مأمومًا. (ومما ورد) في القنوت، يقوله الإمام جهرًا؛ فمن حديث عمر رضي الله تعالى عنه: «اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك» أي: نطلب منك العون، والهداية، والمغفرة «ونتوب إليك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك» أي: نعتمد، ونثني عليك الخير أي: نصفك به «كله، ونشكرك، ولا نكفرك» أي: لا نجحد نعمك.
«اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد» بفتح النون، وكسر الفاء، وبالدال المهملة، أي: نسرع، ونبادر «نرجو» أي: نؤمل «رحمتك» أي: سعة عطائك «ونخشى عذابك، إن عذابك الجد» بكسر الجيم، أي: الحق، لا اللعب «بالكفار ملحق» (^١) بكسر الحاء على المشهور، أي: لاحق، وبفتحها معناه: أن الله يُلْحِقه الكفار. «اللهم اهدنا فيمن هديت» أي: ثبتنا على الهداية (وعافنا فيمن عافيت) من الأسقام والبلايا، ونحوه (وتولنا فيمن توليت) من وليت الشيء: إذا لم يكن بينك وبينه واسطة وبارك لنا البركة: الزيادة، أو حلول الخير الإلهي (فيما أعطيت) أي: أنعمت به (وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك) لإرادة الأمر (إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت) رواه أحمد، لكن بإفراد الضمير (^٢).
_________________
(١) = معلقًا برقم (١٤٢٧)، وابن ماجه - واللفظ له - برقم (١٦٩٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة برقم (١٤٧)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (٣١٤٤).
(٣) مسند أحمد ٢/ ١٩٩. وهو من مسند الحسن بن علي ﵄.
[ ٢٥٤ ]
وجمعها المؤلف تبعًا لغيره (^١)؛ لأن الإمام يستحب له أن يشارك المأموم في الدعاء.
والمنفرد يفرد الضمير؛ لما في الحديث.
زاد بعضهم: «ونخلع، ونترك من يكفرك».
(اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك) هو إظهار العجز والانقطاع، والفزع إليه منه، فاستعاذ به منه (لا نحصي ثناء عليك) أي: لا نحصي نعمك، ولا نبلغه، ولا نطيقه، ولا تنتهي غايته (أنت كما أثنيت على نفسك) اعتراف بالعجز عن الثناء. كان النبي ﷺ يقول ذلك. رواه الخمسة (^٢).
(ثم يصلي على النبي ﷺ) نص عليه، ولا بأس أن يقول: وعلى آله (ويؤمن المأموم) بلا قنوت (ثم يمسح وجهه بيديه هنا) أي: عقب القنوت (و) يمسح أيضًا وجهه في كل دعاء في (خارج الصلاة) إذا دعا.
(ويكره القنوت في غير وتر)، روي ذلك عن ابن عباس (^٣)،
_________________
(١) كالمقنع ص ٥٧، والإقناع ١/ ٢٢١، والمنتهى ١/ ٧٠.
(٢) سنن أبي داود برقم (١٤٢٧)، والترمذي برقم (٣٥٦٦)، وقال: «حديث حسن غريب»، والنسائي برقم (١٧٤٧)، وابن ماجه برقم (١١٧٩)، وأحمد برقم (٧٥١).
(٣) عن سعيد بن جبير قال: «صليت خلف ابن عمر، وابن عباس ﵃، فكانا لا يقنتان في صلاة الصبح» أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٢.
[ ٢٥٥ ]
وابن مسعود (^١)، وابن عمر (^٢)، وأبي الدرداء (^٣) رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ولا يقنت في فجر، فعن سعيد بن جبير أنه قال: «أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة» رواه الدارقطني (^٤). وأما حديث أنس: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» رواه أحمد، وغيره (^٥)، ففيه مقال، ويحتمل أنه أراد به طول القيام، فإنه يسمى قنوتًا. إلا إن نزل بالمسلمين نازلة، فيسن الإمام الوقت خاصة القنوت، فيما عدا الجمعة؛ لأنه يكفي الدعاء في آخر الخطبة. ويجهر بقنوت النازلة في صلاة جهرية. وفي «الفروع»: «لا يقنت لرفع الوباء في الأظهر؛ لأنه لم يثبت قنوت في طاعون عمواس (^٦)، وغيره، ولأنه شهادة فلا يسأل في رفعه». ومن ائتم بمن يقنت في فجر، تابع إمامه، وأمن على دعائه؛ لأنه ﷺ «كان يقنت في دبر الصلوات الخمس، وكان يدعو على أحياء من بني سليم، وغيرهم، ويؤمن من خلفه».
_________________
(١) عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: «كان ابن مسعود ﵁ لا يقنت في شيء من الصلوات، إلا الوتر، فإنه كان يقنت قبل الركعة» أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٣.
(٢) سبق تخريجه مع أثر ابن عباس ﵃.
(٣) عن علقمة بن قيس قال: «لقيت أبا الدرداء بالشام، فسألته عن القنوت، فلم يعرفه» أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٥٣.
(٤) سنن الدارقطني برقم (٢١).
(٥) مسند أحمد برقم (٧٦٥٧)، ورواه الدارقطني برقم (٢١٢٧).
(٦) وقع هذا الطاعون في سنة ثماني عشرة في قرية عمواس في فلسطين، أيام عمر بن الخطاب ﵁. انظر: البداية والنهاية ٧/ ٧٨.
[ ٢٥٦ ]
رواه أبو داود (^١).
(وأفضل الرواتب، سنة الفجر) لقوله ﷺ: «صلوا ركعتي الفجر، ولو طردتكم الخيل» رواه أحمد (^٢). ويسن تخفيفها، والاضطجاع بعدها على جنبه الأيمن، نص عليه (ثم) سنة (المغرب) لحديث عُبيد مولى رسول الله ﷺ أنه: «كان رسول [الله]ﷺ يصلي بين المغرب والعشاء» (^٣).
ويسن أن يقرأ في ركعتي الفجر، وركعتي المغرب، في أولاهما بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون]، وفي الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص]؛ للخبر (^٤) (ثم) بقية الرواتب (سواء) في الفضيلة.
(والرواتب المؤكدة، عشر) ركعات يتأكد فعلها، ويكره تركها، وتسقط العدالة بذلك. إلا في سفر، فيخير بين الفعل وتركه. إلا سنة فجر، ووتر، فيفعلان في السفر (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) لحديث ابن عمر قال: «حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات» الحديث (^٥).
_________________
(١) سنن أبي داود برقم (١٤٤٣).
(٢) مسند أحمد برقم (٩٢٥٣)، بلفظ: (لا تدعوا).
(٣) أخرجه أحمد برقم (٢٤٠٥٢).
(٤) عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله قرأ في ركعتي الفجر ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» أخرجه مسلم برقم (٧٢٦).
(٥) متفق عليه. صحيح البخاري برقم (١١٢٦)، ومسلم برقم (٧٢٩).
[ ٢٥٧ ]
ولا سنة راتبة لجمعة قبلها، وأقلها بعدها ركعتان، كما تقدم؛ لحديث ابن عمر (^١)، وفعلها مكان مصلاه أفضل نصًا، وأكثر سنة الجمعة بعدها ست.
والسنن غير الرواتب: أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل الجمعة، وأربع قبل العصر، وأربع بعد المغرب، وأربع بعد العشاء، ويسن لمن شاء قبل المغرب ركعتان، ويسن ركعتان بعد الوتر جالسًا.
(ويسن قضاء الرواتب والوتر، إلا ما فات مع فرضه، وكثر، فالأولى تركه) كما تقدم.
(وفعل الكل) أي: جميع الرواتب (بالبيت أفضل) من الفعل بالمسجد.
(ويسن الفصل بين الفرض وسنته، بقيام، أو كلام) لأمره ﷺ معاوية بذلك (^٢).
(و) صلاة (التراويح، عشرون ركعة، برمضان) جماعة؛ لما روى مالك، عن يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة» (^٣). سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يجلسون بين كل أربع يستريحون. وقيل: من المراوحة، وهي التكرار في الفعل.
_________________
(١) وفيه: «… وسجدتين بعد الجمعة».
(٢) فعنه ﵁: «أن رسول الله أمرنا أن لا نوصل صلاة بصلاة، حتى نتكلم، أو نخرج» رواه مسلم برقم (٨٨٣).
(٣) موطأ مالك برقم (٣٨٠)، ورواه البيهقي في سننه الكبرى برقم (٤٨٠٢).
[ ٢٥٨ ]